نحو زيادة فعالية المنظومة البيئية للابتكارالاجتماعي

7875645136_9b24e585f5_b.jpg

مقدمة

ظن الناس لفترة ليست قصيرة أن عمل الناس لمصلحتهم الفردية سيؤدي بشكل تلقائي إلى ازدهار حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، ولكن ومع تقدم الدراسات ا لاجتماعية وازدياد شعبيتها بين الناس، وبعد الازمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتتالية التي شهدها ويشهدها العالم، جنباً إلى جنب مع تطور الاتصالات وتوافر المعلومات وازدياد الوعي، بدأت تتعالى الأصوات أن على الجميع وعلى رأسهم رؤوس الأموال أن يكونوا أكثر مسؤوليةً ووعياً وأن يعملوا بجدية على خدمة المجتمع وإلا فإن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تنتج عن أعمالهم ستتفاقم إن لم يتم الاهتمام بها ومعالجتها.

إن هذا التطور ساعد في انتشار وكثافة دعوات المسؤولية الاجتماعية وعلى رأسها الريادة الاجتماعية والتي تسعى إلى معالجة مشاكل المجتمع بشكل منهجي ابتكاري وعلى مستوى النظام الاجتماعي، حيث أصبح السؤال “كيف نزيد فعالية المنظومة البيئية للابتكار الاجتماعي؟” مهماً وعلى مستويات متعددة من حيث الدراسة والممارسة في قطاعات متنوعة تتضمن الابتكار الاجتماعي في المجال الأهلي والمدني أو في الشركات والأعمال وفي المؤسسات الحكومية وفي كل المساحات الهامة فيما بين هذه القطاعات التي أخذت الحدود بينها تقل حدة.

الفرد والمجتمع

كنت أعتقد فيما مضى أنه إن استطعنا أن نفهم العالم كمجموعة من المنظمات الحكومية وغير الحكومية الربحية وغير الربحية التي تقوم بعملها بشكل جيد وتقدم منتجات وخدمات تدعم حياة الناس فإن المجتمع سيتطور، فقد  أيقنت أن الفرد لوحده لايمكن أن يقوم بالأعمال الفعالة ولكن المنظمات والمؤسسات هي التي تستطيع القيام بالعمل الأكثر أهمية لأن لها كياناً قانونياً ولها آليات ولها هوية وامتداد زمني يفوق الامتداد الفردي، فالمنظمات هي مجموعة من الأفراد يربطهم العمل باتجاه هدف مشترك، قد يتغير بعض الأشخاص فيها ولكنها تستمر إذا ما تم تجديدها.

إن تقديم مايحتاج المجتمع من منتجات وخدمات في كل مجالات الحياة من غذاء وصحة وسكن وتعليم وغيرها أمر في منتهى الأهمية ولكن الاثر الاجتماعي الأكثر استدامة يكمن في أن تساهم  هذه المنتجات والخدمات في تحقيق حل بنوي للمشاكل يعيد إنتاج الحلول التي ترتفي بالمجتمع وليس المشاكل نفسها أو غيرها أو أن يكون دورها المساهمة في في تخفيف أعراض المشاكل الاجتماعية مثل تخفيف آثار الجوع بتأمين الغذاء، ولكن الحل البنوي يكمن في معالجة أسباب عدم توافر الغذاء وسوء التغذية والتي قد تكون مناخية أو تتعلق بتأمين الوقود أو بالعادات الغذائية للسكان أو تأمين البذار الجيد و البحث عن مصارده أو في تصريف المنتجات وحفظها أو في أسعارها، وعند معالجة جذور المشاكل وتنفيذ مشاريع ابتكارية لتقديم هذه الحلول التي تتجاوز المشاكل التي يعاني منها مجتمع معين، وعندها يكون الحل ابتكارياً وعلى مستوى النظام الاجتماعي، وغالباً ما تستغرق هذه الحلول تعاون عدة منظمات من اختصاصات وقطاعات متعددة وتتطلب جهوداً استثنائية وابتكارية كلما كانت التحديات في المنظومة البيئة أكبر.

لكن الأمر لايتعلق فقط بعمل المنظمات التي تكّون الفضاء الاجتماعي، وقدرتها على توفير المنتجات والخدمات إلى جانب سيعيها لتغيير المنظومة البيئية للنظام الاجتماعي التي تعمل فيها من أجل أن تحدث تغييرا اجتماعياً مستداماً، إن الأمر يتعلق بإيمان كل فرد بأن له دوراً وأن عليه مسؤولية تجاه المجتمعات التي يعيش فيها، خاصة وأن التاريخ الإنساني يشهد أن عمل الناس لمصلحتهم الشخصية كثيراً ما يكون أكثر فعالية من عملهم للمجموع، وكل يوم نحاول نحن البشر أن نجعل مصلحتنا الشخصية متماشية مع مصلحتنا كمجتمع ويظل صعباً علينا أن نعطي للمجتمع دون أن نتيقن أن الكل يضحي مثلنا، الأمر الذي يوهمنا بعدم جدوى تضحياتنا الصغيرة، ولكنها في الحقيقة المكان الأول الذي يبدأ منه التغيير.

أجندة أولية

انطلاقاً من الحديث عن دور كل من الفرد والمنظمات والمنظومة البيئية التي يعيشون فيها في الابتكار والتغيير الاجتماعي، يمكن أن نقوم بدراسة ومناقشة طرق زيادة فعالية المنظومة البيئية لنظام الابتكار الاجتماعي الذي يتضمن الأفراد والمنظمات في القطاعات المختلفة ويتكون أيضاً من العلاقات بينها وتطوراتها، إن زيادة فعالية هذه المنظومة تعتمد على عاملين رئيسيين: الأول هو تكثيف وتعزيز العلاقات والاتصالات بين الأفراد والكينونات المشكلة للمنظومة أو مايمكن أن ندعوهم اللاعبين، وهي الجامعات ومراكز الأبحاث والرواد الاجتماعيون  والمسرعات الريادية والمستشارون  والمؤسسات الحكومية الناظمة، ويأتي في المقدمة أفراد المجتمع بكل فئاتهم وأعمالهم، إن العلاقات والاتصالات تجري بين الأفراد في هذه المساحات الاجتماعية ثم تتحول إلى علاقات بناءة بين المؤسسات تنتج مشاريع وبرامج ومراكز ومنظمات متخصصة، أما العامل الثاني فهو فهم تأثير البنى البيئية في تشكيل النتائج وتحركات اللاعبين، إن هذه البنى تشمل القوانيين والتنظيمات، إلى جانب الثقافة والأعراف الاجتماعية، وكذلك الأسواق وميكانزمات توافر القيمة الاقتصادية والاجتماعية واساليب التحفيز، وكذلك التموضع الجغرافي والبنى التحتية من اتصالات ومواصلات وغيرها، ومن ثم تشجيع البحث في كيفية تغييرها من أجل تحقيق التغيير الاجتماعي المطلوب.

إن تغيير السلوك الاجتماعي وبالتالي إحداث تغيير على مستوى النظام الاجتماعي ليس بالأمر السهل فهو إيما أن يكون ابتكاراً يتم تبنيه على نطاق واسع ويؤدي إلى تغيير السلوك أو هو نتيجة تغيير الظروف في البنية التحتية وبذلك يظهر سلوك جديد يكون ضرورياً من أجل النجاح في البيئة الجديدة، فالبداية تكمن في بناء علاقات فعالة بين اللاعبين علاقات تعاونية تتسم بالثقة والأمان للوصول إلى أفضل الطرق للعمل معاً.

ومن هنا فإن ساحات العمل الجماعي التي تلتقي فيها الأطراف يجب أن تمول ويتم دعمها و الاهتمام بها، ويكون علينا الإجابة عن الاسئلة المتعلقة بكيفية بناء الثقة بين اللاعبين وجعلهم يتعاونون للعمل معاً ويبتكرون معاً بحيث يبنون علاقات فعالة تعود بالفائدة على الجميع وتغير البنى الاجتماعية، وبحيث يحصلون على التمويل لتمويل مشاريهم المشتركة وتأمين استدامتها، التي تبدأ بمشاريع الريادة الاجتماعية والمشاريع البحثية ولاتنتهي ببناء الجسور بين اللاعبين في الداخل والخارج وتأمين الشراكات والتواصل مع المنظومات الخارجية من أجل تأمين الدعم الاجتماعي والاقتصادي وتشارك الخبرات والابتكارات.

خاتمة

إن العمل على المستوى الفردي والمستوى المنظماتي وعلى مستوى المنظومة البيئة على التوازي سيمكننا من زيادة فعالية جهود الابتكار الاجتماعي التي تؤدي إلى التغيير الاجتماعي الذي نريده لنكون مجتمعاً أقوى وذو مكانة حضارية، يبدأ ذلك ببناء العلاقات بيننا كأفراد نأتي من قطاعات وخلفيات متباينة لنشكل حلولاً ترقى لمستوى رأس المال الاجتماعي الذي نستحقه.

هذه المقالة هي واحدة من عدة مقالات سوف أنشرها عن مواضيع تتعلق المنظومة البيئية كمفهوم وإطار للتفكير بالأنظمة الاجتماعية، وحيث أن هذا الموضوع كبير ومتعدد الاختصاصات فإن الإحاطة حتى ببعض جوانبه ستكون صعبة ولكنه شغف بالنسبة لي وموضوع يثير اهتمامي وتفكيري، أرجو أن تشاركوني هذه الحماسة والشفف.

مراجع هامة:

An Ecosystem for Social Innovation in Sweden, Lund University, 2014 , pdf

Cultivate your Ecosystem, Stanford Social Innovation Review, 2008 pdf

 

 

 

Advertisements