مبادئ الحوكمة الرشيدة وحقوق الإنسان،هل تملك كمون توحيد الرؤى في مجتمعنا؟

people-network-collaborative-economy-thinkstock

لابد بداية من تعريف مفهوم الحوكمة وهي مجموعة العمليات والمبادئ والمؤسسات التي تتطلبها إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية لمؤسسة أو بلد أو عدة بلدان أو حتى على مستوى العالم، وتتعلق بمن يتخذ القرارات ، وبم تتعلق وكيف يمكن تحديد الحقوق والمسؤوليات، أما مفهوم الحوكمة الرشيدة فيقوم على مجموعة من الأهداف والمبادئ والمعايير والتي يتم تعريفها من قبل المنظمات العالمية والجامعات ومعاهد الأبحاث المعنية بهذا الأمر، من أهم المعايير في هذا الموضوع هو الموديل القائم على ثلاثة معايير أساسية وهي:

  • الاستجابة والمحاسبة،
  • الشفافية،
  • المشاركة.

إن محاسبة القادة في المؤسسات العامة والخاصة الربحية وغير الربحية لا يمكن أن يتم دون ضمان سيادة القانون على الجميع وضمان الحق في الحصول على محاكمة عادلة، فمستوى الاستجابة والمحاسبة في المؤسسات مرهون بقدرتها على تلبية احتياجات ورغبات المتأثرين والمؤثرين في أعمالها، واستطاعة هؤلاء أن يعبروا على رضاهم أو عدمه عن أداء هذه المؤسسات، وحتى يستطيع الناس تكوين آراء مسؤولة لابد من أن تلتزم هذه المؤسسات بالشفافية وتضمن حقوق الناس بالوصول إلى المعلومة التي يحتاجونها عن المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، وأن يستطيعوا التعبير عن آرائهم النقدية دون تمييز وأن يعملوا مع الآخرين من ذوي الاهتمام المشترك وأن يشاركوا في صناعة القرار وإدارة هذه المؤسسات وفي مناقشة وتغيير الإجراءات والقواعد والقوانين ونقدها لتكون أكثر ملائمة للناس ومصالحهم، إن هذا بدوره يعود على الناس والمؤسسات بالتفاهم وبناء جسور الثقة والتمكين المشترك، مما يساهم في التقدم الاقتصادي والاجتماعي الذي يساهم في توزيع عادل للثروة ويأخذ بعين الاعتبار الفئات الأكثر هشاشة وفقراَ، وهكذا فإن الحكم الرشيد يتطلب ضمان حقوق الإنسان الأساسية.

فهل أن تكّون هذه المبادئ أرضيةً مشتركة نستطيع الانطلاق منها لبناء مجتمعنا مهما بلغت انقساماتنا المجتمعية والسياسية والثقافية والأيديولوجية؟

سؤال برسم الإجابة …

لمزيد من المعلومات عن هذا الموضوع، مقالة للبرفيسور أنيا مهير Anja Mihr من كتيب ساغ في الحوكمة وحقوق الإنسان، ساغ للنشر، على الرابط (بالانكليزية)*.

“اليوم العالمي للفتيات” والعمل وحقوق الإنسان

في “اليوم العالمي للفتيات” نتذكر الظلم الذي تعيشه الفتيات والنساء، وأنهن قادة المجتمع في المستقبل سواءً في الإطار الخاص – العائلة- أو الإطار العام – المؤسسات والأعمال – فهل علينا أن نشجعهن على تكريس وقتهن للعائلة أم للعمل وأي الحالتين أنفع للمجتمع، ومالطريق الذي يمكن نسير فيه لمعالجة هذه الأمور في سبيل حياة أفضل للنساء والفتيات وجميع أفراد المجتمع …

international-womens-day-facebook-filter-03

مرة أخرى أجد نفسي مندفعة للكتابة في دور المجتمع في تشجيع الفتيات على العمل في الإطار العام الربحي او غير الربحي و على تولي مراكز قيادية في هذه الأعمال، وماتأثير ذلك على المجتمع إيجاباً كان أم سلباً، ومما لا شك فيه أن فتيات اليوم هن قادة المجتمع في المستقبل سواءٍ في الإطار الخاص والعائلة أو في الإطار العام في المؤسسات المدنية والأهلية وفي الأعمال.

ويصادف أن يكون البارحة – 12 تشرين الأول – اليوم العالمي للفتيات، ليذكرنا الأصدقاء بوقوفهم مع الفتيات على صورهم في الفيس بوك، ولأتذكر أن كثيراً من الفتيات والنساء تتعرض يومياً للظلم في المنزل من الأخ او الأب أو الزوج أو الابن فلا تحسن معامتلهن ولا يعاملن بانصاف، وفي كثير من الأحيان لاتملك تلك الفتيات والنسوة الوسيلة أو القدرة لرفع الظلم عنهن وإيجاد طرق أكثر عدالة للعيش، وفي المقابل تتعرض كثير من النساء للظلم في العمل حيث توكل إليهن أعمال مملة أو هامشية ولا يتم الاعتناء بتطوير قدراتهن إن لم يتم إذاؤهن وقد لا تستطعن دفع الظلم عنهن لأسباب كثيرة تتعلق بالحاجة أو قلة المهارات أو قلة الأفكار أو الفرص، وتفتقر كثير من الأماكن أشخاصاً يؤمنون بكرامة المرأة وأهمية تقوية قدراتها و بحقوقها في العيش الجيد والممتع تماماً كأي إنسان، إن حقوقها كحقوق أي إنسان رجلاً كان أم امرأة، إلا أنها وفي كثير من الأحيان تكون في الموقع الأضعف وتتعرض للظلم، وفي بعض الأماكن قد تمارس الظلم ضد الرجال والنساء الأخريات!

نعم سيكون من الجيد أن تشجع الفتيات لبناء كفاءتهن وتولي مراكز قيادية فيمكن أن يكن الأقدر على فهم معاناة النساء في العمل وواجباتهن في المنزل، فيعملن على تحسين السياسات لتتمكن النساء من الموائمة بين عملهن وعائلاتهن وسيكون لهن دور في تحسين الصورة النمطية عن النساء في العمل عن كونهن أقل كفاءة من الرجال وأقل قدرة على النجاح في الأعمال الصعبة، مما يزيد فرصة النساء في الترقية والحصول على مزيد من السلطات والعلاوات، وربما على جعل العالم أكثر قدرة على استيعاب نساء يعبرن عن طاقاتهن بأفضل صورة، إلا أن هذا الدور لا يقتصر على نساء قادة وإنما على رجال قادة يؤمنون أن على الجميع رجالاً ونساءً أن يحصولوا على حقوقهم الأولية في الاختيار والعيش الجيد وفي الفرصة العادلة للنمو والتميز.

وتستوقفني هنا الرسالة التي كتبت عنها شيريل ساندبيرغ وهي مدير العمليات الأول في فيس بوك، وكاتبة ومتحدثة في كتابها “Lean In” وهي أن العالم يحتاج نساءً أكثر قويات وفاعلات، يفهمن كيف تدار الأمور ليتغير وضع النساء نحو الأفضل، يعملن معاً على تغيير الصورة النمطية وعلى جعل المؤسسات والأعمال مكاناً أفضل للعمل، إن هذه الرسالة مهمة جداً، وهنا حقيقة يبدأ التغيير ولكنها ليست كافية، فلابد من فهم الحقوق والعمل نحو الانصاف، وبذلك يجد كثير من الرجال أنفسهم مؤيدين بل ومشجعين ويسمح هذا بتمييز النساء القادة وكذلك الرجال المفعمين بالأنانية وعدم الاحترام للناس.

وفي المقابل يبادرني الأصدقاء أن كثيراً من النساء تستمتع بتربية أولادهن أكثر من أي شيئ ولايردن دوراً في الإطار العام أو الأعمال ويكون لهن أزواج يريدون أن يقوموا بإعالة الأسرة منفردين وهذه الحالة ربح وسعادة لكل الأطراف بما فيها المجتمع، إذ أن الأم التي تكرس وقتها لأطفالها تشعر بالسعادة ويشعر أطفالها بالاشباع في المنزل بعيداً عن صخب الحياة والسرعة والالتزامات الخارجية، ويحظون بفرصة كبيرة ليكونوا أفراداً سعداء ومنتجين، ومع ذلك لايمكن الإنكار أن المجتمع يستفيد أيضاً من طاقات النساء فيه عندما يكون لهن أدوار خارج المنزل، ويغنى من اسهاماتهن المنفردة الناتجة عن انسجام قيمهن وقدراتهن ورؤيتهن وإبداعاتهن في تطويره.

إن تطوير الحياة يحتاج أقوياء يحملون القيم و ينادون بالحقوق ليتم تحقيقها، ومن الخاطئ باعتقادي أن الحقوق لا يمكن إلا أن تنتزع، فاستخدام السلطة وحدها وشق الطريق إليها ربما يترك على طول الطريق خسائر أكثر مما ينبغي ، وربما ينتج في نهاية المطاف ما نودي لاتقائه وتغييره، ويعتقد كثير من الناس أن النساء والفتيات هن ذوي المنفعة في المناداة بحقوق النساء ومساواتهن من حيث الكفاءة والقدرة على القيام بالأعمال و اتخاذ القرارات و أن وجودهن في هذه المناصب هو أكبر دليل على صحة هذه المساواة،  في المقابل جرت المناداة بالمساواة وحرية الاختيار دون ضمان الحد الأدنى من الحقوق الذي يضمن صحة الاختيار الكثير من الظلم على النساء في الغرب وروسيا ولحق بهن الكثير من الاستغلال، وجر ذلك ضرراً بالمجتمع والعائلات، وشعوراً متزايداً أن على كل إنسان أن يقف على قدميه دون أي مساعدة، مما زاد الانقسام والأنانية في المجتمع، من ناحية أخرى استفادت الأعمال و المجال العام من النساء الاتي استطعن لعب اللعبة ووضع اسهاماتهن في مكانها وحمل قيمهن حتى النهاية.

وأخيراً، تولد الحلول من التكاتف والتفاهم واحترام الإنسان وخياراته، فلكل إنسان الحق في اختيار ما يريد القيام به من عمل أو تربية الاطفال و أن يوفر له القدرة المادية للاختيار فلا يجبر على شيئ ليستطيع العيش، وأن يمتلك المهارة لـيشق الانسان طريقه في الحياة، فيجرب ويتعلم ويسأل ويتشارك مع من حوله “ليصمم الحياة” التي يريدها، فيقرر في كل مرحلة من الحياة ما يريد أن يقدمه في الاطار العام و العمل أو للعائلة، وما نسبة كل منها في حياته، فمثلاً عندما يكون الاطفال صغاراً يمكن أن يساعد الأم في العناية بأطفالها كل من الزوج او أحد أفراد العائلة أو الروضة فترة ذهاب الأم إذا كانت تريد ذلك، أو كان هناك حاجة تم التوافق عليها، وهناك أمثلة كثيرة يمكننا من خلالها أن يتمكن الجميع من الاختيار والعيش بسعادة.

إن حياة كل منا هي نتاج متفرد جداً لا ينتهي إلا بموته وربما يبقى أثرها بعد الموت، وكما يقول بيل بيرنت و ديف إيفان في كتابهما “Designing Your Life “ أن “الحياة تجربة قيد التطور وليست نتيجة”، ولا يمكن الحكم على نجاحها من قبل المجتمع – الا من ناحية الاسهام الإيجابي أو محاولة ذلك في نمو هذا المجتمع وحضارته – وإنما أيضا من حيث الرضا والسعادة و الحب الذي عاشه هذا الانسان في حياته ممتعاً بحقوقه وأيضا ربما مناضلا ًمن أجل أن يحصل الناس على حقوقهم رجالاً ونساءً.

لابد من الإشارة إلى أن للفتيات حقوقاً وأموراً يحسن الالتفات لها في “اليوم العاملي للفتيات” تخص كثيراً من المجتمعات، ومنها إرغام الفتيات على الزواج المبكر قبل أن يملكن القدرة المادية والفكرية على الاختيار، الاتجار بهن، إساءة معاملتهن أو عدم انصافهن ضمن العائلة أو في المؤسسات مع نظرائهن الذكور، عدم العناية بهن كما ينبغي وحرمانهن من سماع رأيهن وتقديم أفضل الظروف للنمو المتوازن الصحي و السعيد.