تصميم حلول لتحديات الحياة – التفكير التصميمي

تشرفت اليوم بتقديم محاضرة كمدخل إلى التفكير التصميمي في جمعية حي مسجد الأقصاب الخيرية في دمشق، وسعدت بتفاعل الحاضرين ورغبتهم في الاستفادة من مهارات التفكير التصميمي في حياتهم لحل مشكلاتهم ومواجهة تحديات الحياة برؤية جديدة، وقد تم عرض مشكلات وتحديات حياتية مثل دراسة الأبناء، استخدام الموبايل من قبل الأولاد، و مشكلة غلاء الأسعار وانخفاض الدخل، ومشكلة تعلم استخدام الحاسوب وحتى صنع كرات البوظة للأطفال،

خلال المحاضرة قمنا بالتمييز بين التخطيط والتصميم وبين حل المشاكل وتصميم الحلول، وكذلك منهجيات التفكير التصميمي في شركة IDEO وجامعة فيرجينيا وجامعة ستانفورد، وختمت المحاضرة بتوليد أفكار ونماذج الحلول للمشاكل التي طرحها المشاركون،

 

Advertisements

البوصلة الأخلاقية

download.png

تبدو البوصلة الأخلاقية للكثير منا موضوعاً فلسفياً فكرياً، وينأى كثير من الناس بأنفسهم عن التفكير في الأمور الفلسفية، معتقدين أنه لا قدرة لهم أو لا وقت لديهم لبناء بوصلتهم الأخلاقية، فيظنون أن اتباع تعليمات وأوامر دينهم أو اتباع القانون كفيل بجعل سلوكهم أخلاقياً، وأن هذا كافٍ لحياة إنسانية أخلاقية.

ولكن وفي المقابل، ألم يتعرض الواحد منا لأمور يومية في العمل والمنزل يشعر فيها بشئ من الغضاضة أو الظلم وقد لايجد ما يدعم إحساسه الداخلي هذا بأمر ديني أو بأمر قانوني أو عرف اجتماعي و قد يجد تبريراً عقلانياً لسلوكه فيستمر في أداء العمل رغم هذا الشعور الذي يسمى وخز الضمير، أو ما يمكن أن ندعوه أيضاً الشعور بانزياح البوصلة الأخلاقية، ومن هنا أستطيع القول أن كل واحد منا يمارس تفكيراً أخلاقياً مستمراً بوعي أو بدون وعي، فلماذا لا نفصح عن هذه الأمور ونتداولها بالنقاش والتفكير إلا نادراً؟

لعل قليلاً من الناس الذين صادفتهم في حياتي يزين الأمور بميزان الأخلاق الحساس فينظر في الأمور ويفكر في الدواعي الأخلاقية للقوانين والتعاليم الدينية والأعراف الاجتماعية وغيرها من التنظيمات الاجتماعية التي تملي على الإنسان مايفترض أن يقوم به، ويسعى حثيثاً لبناء بوصلته الأخلاقية، وينهمك بشكل واعيٍ  في التفكير الأخلاقي، فهل هذا أمر طبيعي، وهل يمكن أن يتغير ويصبح التفكير الأخلاقي جزءاً من حياتنا اليومية، أسأل نفسي.

نحو زيادة فعالية المنظومة البيئية للابتكارالاجتماعي

7875645136_9b24e585f5_b.jpg

مقدمة

ظن الناس لفترة ليست قصيرة أن عمل الناس لمصلحتهم الفردية سيؤدي بشكل تلقائي إلى ازدهار حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، ولكن ومع تقدم الدراسات ا لاجتماعية وازدياد شعبيتها بين الناس، وبعد الازمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتتالية التي شهدها ويشهدها العالم، جنباً إلى جنب مع تطور الاتصالات وتوافر المعلومات وازدياد الوعي، بدأت تتعالى الأصوات أن على الجميع وعلى رأسهم رؤوس الأموال أن يكونوا أكثر مسؤوليةً ووعياً وأن يعملوا بجدية على خدمة المجتمع وإلا فإن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تنتج عن أعمالهم ستتفاقم إن لم يتم الاهتمام بها ومعالجتها.

إن هذا التطور ساعد في انتشار وكثافة دعوات المسؤولية الاجتماعية وعلى رأسها الريادة الاجتماعية والتي تسعى إلى معالجة مشاكل المجتمع بشكل منهجي ابتكاري وعلى مستوى النظام الاجتماعي، حيث أصبح السؤال “كيف نزيد فعالية المنظومة البيئية للابتكار الاجتماعي؟” مهماً وعلى مستويات متعددة من حيث الدراسة والممارسة في قطاعات متنوعة تتضمن الابتكار الاجتماعي في المجال الأهلي والمدني أو في الشركات والأعمال وفي المؤسسات الحكومية وفي كل المساحات الهامة فيما بين هذه القطاعات التي أخذت الحدود بينها تقل حدة.

الفرد والمجتمع

كنت أعتقد فيما مضى أنه إن استطعنا أن نفهم العالم كمجموعة من المنظمات الحكومية وغير الحكومية الربحية وغير الربحية التي تقوم بعملها بشكل جيد وتقدم منتجات وخدمات تدعم حياة الناس فإن المجتمع سيتطور، فقد  أيقنت أن الفرد لوحده لايمكن أن يقوم بالأعمال الفعالة ولكن المنظمات والمؤسسات هي التي تستطيع القيام بالعمل الأكثر أهمية لأن لها كياناً قانونياً ولها آليات ولها هوية وامتداد زمني يفوق الامتداد الفردي، فالمنظمات هي مجموعة من الأفراد يربطهم العمل باتجاه هدف مشترك، قد يتغير بعض الأشخاص فيها ولكنها تستمر إذا ما تم تجديدها.

إن تقديم مايحتاج المجتمع من منتجات وخدمات في كل مجالات الحياة من غذاء وصحة وسكن وتعليم وغيرها أمر في منتهى الأهمية ولكن الاثر الاجتماعي الأكثر استدامة يكمن في أن تساهم  هذه المنتجات والخدمات في تحقيق حل بنوي للمشاكل يعيد إنتاج الحلول التي ترتفي بالمجتمع وليس المشاكل نفسها أو غيرها أو أن يكون دورها المساهمة في في تخفيف أعراض المشاكل الاجتماعية مثل تخفيف آثار الجوع بتأمين الغذاء، ولكن الحل البنوي يكمن في معالجة أسباب عدم توافر الغذاء وسوء التغذية والتي قد تكون مناخية أو تتعلق بتأمين الوقود أو بالعادات الغذائية للسكان أو تأمين البذار الجيد و البحث عن مصارده أو في تصريف المنتجات وحفظها أو في أسعارها، وعند معالجة جذور المشاكل وتنفيذ مشاريع ابتكارية لتقديم هذه الحلول التي تتجاوز المشاكل التي يعاني منها مجتمع معين، وعندها يكون الحل ابتكارياً وعلى مستوى النظام الاجتماعي، وغالباً ما تستغرق هذه الحلول تعاون عدة منظمات من اختصاصات وقطاعات متعددة وتتطلب جهوداً استثنائية وابتكارية كلما كانت التحديات في المنظومة البيئة أكبر.

لكن الأمر لايتعلق فقط بعمل المنظمات التي تكّون الفضاء الاجتماعي، وقدرتها على توفير المنتجات والخدمات إلى جانب سيعيها لتغيير المنظومة البيئية للنظام الاجتماعي التي تعمل فيها من أجل أن تحدث تغييرا اجتماعياً مستداماً، إن الأمر يتعلق بإيمان كل فرد بأن له دوراً وأن عليه مسؤولية تجاه المجتمعات التي يعيش فيها، خاصة وأن التاريخ الإنساني يشهد أن عمل الناس لمصلحتهم الشخصية كثيراً ما يكون أكثر فعالية من عملهم للمجموع، وكل يوم نحاول نحن البشر أن نجعل مصلحتنا الشخصية متماشية مع مصلحتنا كمجتمع ويظل صعباً علينا أن نعطي للمجتمع دون أن نتيقن أن الكل يضحي مثلنا، الأمر الذي يوهمنا بعدم جدوى تضحياتنا الصغيرة، ولكنها في الحقيقة المكان الأول الذي يبدأ منه التغيير.

أجندة أولية

انطلاقاً من الحديث عن دور كل من الفرد والمنظمات والمنظومة البيئية التي يعيشون فيها في الابتكار والتغيير الاجتماعي، يمكن أن نقوم بدراسة ومناقشة طرق زيادة فعالية المنظومة البيئية لنظام الابتكار الاجتماعي الذي يتضمن الأفراد والمنظمات في القطاعات المختلفة ويتكون أيضاً من العلاقات بينها وتطوراتها، إن زيادة فعالية هذه المنظومة تعتمد على عاملين رئيسيين: الأول هو تكثيف وتعزيز العلاقات والاتصالات بين الأفراد والكينونات المشكلة للمنظومة أو مايمكن أن ندعوهم اللاعبين، وهي الجامعات ومراكز الأبحاث والرواد الاجتماعيون  والمسرعات الريادية والمستشارون  والمؤسسات الحكومية الناظمة، ويأتي في المقدمة أفراد المجتمع بكل فئاتهم وأعمالهم، إن العلاقات والاتصالات تجري بين الأفراد في هذه المساحات الاجتماعية ثم تتحول إلى علاقات بناءة بين المؤسسات تنتج مشاريع وبرامج ومراكز ومنظمات متخصصة، أما العامل الثاني فهو فهم تأثير البنى البيئية في تشكيل النتائج وتحركات اللاعبين، إن هذه البنى تشمل القوانيين والتنظيمات، إلى جانب الثقافة والأعراف الاجتماعية، وكذلك الأسواق وميكانزمات توافر القيمة الاقتصادية والاجتماعية واساليب التحفيز، وكذلك التموضع الجغرافي والبنى التحتية من اتصالات ومواصلات وغيرها، ومن ثم تشجيع البحث في كيفية تغييرها من أجل تحقيق التغيير الاجتماعي المطلوب.

إن تغيير السلوك الاجتماعي وبالتالي إحداث تغيير على مستوى النظام الاجتماعي ليس بالأمر السهل فهو إيما أن يكون ابتكاراً يتم تبنيه على نطاق واسع ويؤدي إلى تغيير السلوك أو هو نتيجة تغيير الظروف في البنية التحتية وبذلك يظهر سلوك جديد يكون ضرورياً من أجل النجاح في البيئة الجديدة، فالبداية تكمن في بناء علاقات فعالة بين اللاعبين علاقات تعاونية تتسم بالثقة والأمان للوصول إلى أفضل الطرق للعمل معاً.

ومن هنا فإن ساحات العمل الجماعي التي تلتقي فيها الأطراف يجب أن تمول ويتم دعمها و الاهتمام بها، ويكون علينا الإجابة عن الاسئلة المتعلقة بكيفية بناء الثقة بين اللاعبين وجعلهم يتعاونون للعمل معاً ويبتكرون معاً بحيث يبنون علاقات فعالة تعود بالفائدة على الجميع وتغير البنى الاجتماعية، وبحيث يحصلون على التمويل لتمويل مشاريهم المشتركة وتأمين استدامتها، التي تبدأ بمشاريع الريادة الاجتماعية والمشاريع البحثية ولاتنتهي ببناء الجسور بين اللاعبين في الداخل والخارج وتأمين الشراكات والتواصل مع المنظومات الخارجية من أجل تأمين الدعم الاجتماعي والاقتصادي وتشارك الخبرات والابتكارات.

خاتمة

إن العمل على المستوى الفردي والمستوى المنظماتي وعلى مستوى المنظومة البيئة على التوازي سيمكننا من زيادة فعالية جهود الابتكار الاجتماعي التي تؤدي إلى التغيير الاجتماعي الذي نريده لنكون مجتمعاً أقوى وذو مكانة حضارية، يبدأ ذلك ببناء العلاقات بيننا كأفراد نأتي من قطاعات وخلفيات متباينة لنشكل حلولاً ترقى لمستوى رأس المال الاجتماعي الذي نستحقه.

هذه المقالة هي واحدة من عدة مقالات سوف أنشرها عن مواضيع تتعلق المنظومة البيئية كمفهوم وإطار للتفكير بالأنظمة الاجتماعية، وحيث أن هذا الموضوع كبير ومتعدد الاختصاصات فإن الإحاطة حتى ببعض جوانبه ستكون صعبة ولكنه شغف بالنسبة لي وموضوع يثير اهتمامي وتفكيري، أرجو أن تشاركوني هذه الحماسة والشفف.

مراجع هامة:

An Ecosystem for Social Innovation in Sweden, Lund University, 2014 , pdf

Cultivate your Ecosystem, Stanford Social Innovation Review, 2008 pdf

 

 

 

التوجيه: حجر الأساس لتطوير ريادة الأعمال في المجتمع

hero_journey_mowgli

رحلة البطل

في اليوم الأخير من شهر أيار 2016، تذكرتُ الأيام التي قضيتها في بلودان إحدى ضواحي دمشق الجميلة في تشرين الأول من عام 2010 برفقة رواد وموجهي ومدربي مؤسسة موغلي Mowgli Foundation، مؤسسة عالمية تأسست في المملكة المتحدة عام 2008 لدعم رواد الأعمال في غرب آسيا وشمال افريقيا عن طريق التوجيه والإرشاد، وكانت مشاركتي في البرنامج دفعة قوية بالنسبة لي باتجاه التوجه الواثق نحو النجاح.

عرفتني موغلي على رحلة البطل التي تظهر في الصورة أعلاه – وفي الحقيقة كلنا يمكن أن نكون أبطالاً بطريقة ما – عن جوزيف كامبل “البطل بألف وجه” ، والتي تبدأ من النداء للتغيير (المرحلة 2) الذي يشّد الريادي لأخذ طريق غير عاديٍ في الحياة، فإذا قابل موجهاً (المرحلة 4) سهل عليه المحطات الأكثر تحدياً في شق طريقه في الحياة ومقابلة الأعداء والشركاء ومواجهة الظلمة والاحباط والانكسار، عندها يكون دور الموجه في جعل هذه الرحلة درساً مليئاً بالعبر والإنجاز، فإذا قادها الريادي لوحده فهناك احتمال كبير أن يحبط أو يقف قبل العودة إلى العالم الاعتيادي بنظرة أخرى ومنطلق جديد وإسهام مميز، واليوم أتذكر هذه القصة واستشعر أكثر معنى أن تُلبي النداء وتعيش الرحلة وتدعم غيرك ليلبي نداءه ويمارس شغفه.

تعرفت في هذا البرنامج على اشخاص مميزين منهم موجهتي م. نيرمين حسن، أتذكرهم اليوم  وأنا أحضر الويبنار Webinar الذي دعت إليه مؤسسة موغلي لتطلق التقرير الذي أعدته بعد خدمتها لهذه المنطقة لأكثر من 8 سنوات في 13 دولة بعنوان ” تنمية الموارد البشرية: الحلقة المفقودة في قطاع ريادة الاعمال في الشرق اوسط وشمال افريقيا”، يتحدث فيه المؤسس والرئيس توني بوري Tony Bury ، وهو رائد أعمال رفيع المستوى قام بتأسيس 19 عملاً ومنظمة، 14 منها كانت في المنطقة العربية، أن تنمية الموارد البشرية الريادية هو أهم عامل في بناء النظام البيئ لريادة الأعمال ما يدعى الـيوم بالانكليزية بـ Ecosystem، وأن للتوجيه المتكامل مهنياً وحياتياً عوائد هائلة على رائد العمل وشركته والاقتصاد ككل تصل إلى 890% كعائد على الاستثمار في التوجيه ما دعته موغلي مؤشر ROMI في التقرير الذي أعدته في 2013.

تقوم مؤسسة موغلي ببرامج لربط رجال أعمال ومدراءٍ كبار أتوا من كل أنحاء العالم مع رواد أعمال محليين بهدف إقامة علاقات توجيه مميزة ذات إنتاجية عالية تساعد المشاركين جميعاً على بناء مجتمع ريادة عالمي وتعزيز الأعمال المحلية وتقويتها، مستفيدين من الخبرات العالمية والمحلية للموجهين الذين يتلقون تدريبا مكثفاً ليقوموا بدورهم في تمكين الرواد ودعمهم في مسيرتهم الريادية التي لا تخلوا من صعوبات وإنجازات، لتحفيزهم على أخذ الدروس وتجاوز الفشل والصعوبات، وتضع إنجازاتهم في سياقها لمزيد من الإنجاز والنجاح،  حيث قامت بأعمال تشهد لها هذه المنطقة حيث قامت موغلي بالتعاون مع أكثر من 900 موجه لتوجيه أكثر من 780 ريادي قاموا بخلق أكثر من 3470 فرصة عمل خلال تلك السنوات.

تضع موغلي التوجيه في مكانه بين طرق تنمية الموارد البشرية ضمن مراحل التنشئة والرعاية التي يحتاجها الرياديون ليكونوا ناجحين، والتي تلخصها في أربع مراحل تبدأ من مرحلة التربية الأولى في الأسرة، ومرحلة التعليم الابتدائي ثم التعليم الثانوني والجامعي وأخيراً في مرحلة مكان العمل، وتجد موغلي من خلال عملها في الشرق الأوسط أن المراحل آنفة الذكر تفتقر للثقافة الريادية، وحيث أن الكفاءة تتألف من معارف ومهارات وسلوكيات، يتم اكتساب المعارف والمهارات من خلال القراءة والتدريب والاستماع للنصيحة والقيام بالاختبارات والتقييم، ويتم تطوير السلوكيات عادة من خلال التدريب والتوجيه، وهذه الأخيرة أي تطوير السلوكيات هي التي تفتقر إليها المنطقة العربية بشدة والتي تساهم كثيراً في خفض كفاءة الرياديين في المنطقة بشكل عام، وإليه تعزو مؤسسة موغلي العوائد المرتفعة التي حققتها لأنها عالجت بالتحديد هذا الأمر بالتركيز على التوجيه كأداة لتحسين مستوى الكفاءة عند الريادين، حيث ساهمت في صقل ذواتهم من أجل إيجاد الهدف، وتطوير كفاءآتهم القيادية وقدرتهم على إدارة المخاطر وتجاوز المعوقات، حيث تعرفه كما يلي:

التوجيــه ُ – هـو علاقـة “واحـد لواحـد” موثوقـة للغايـة، طويلـة الا­مـد، يتمكـن الموجـه مـن خلالهـا من دعـم وخدمــة متلقــي التوجيــه بشــمولية علــى الصعيديــن المهنــي والشــخصي. التوجيــه ليــس لــه علاقــة ُ بتقديـم النصـح. التوجيـه هـو تبـاد ُل الخبـرات ووجهـات النظـر، إنعـكاس وتشـجيع حتـى يحقـق متلقـي ُ التوجيـه فـي نهايـة المطـاف تنميـة ذاتـه الداخليـة ، ثقتـه، شـعوره بالغايـة والتمكـن، وكذلـك القابليـة ُ والقدرة على المضي في رحلته قدماً حتى في أوقات الخطر

كما تهتم مؤسسة موغلي بالنظام البيئي المحيط برواد الأعمال في البلاد التي يعملون فيها، وتضع خارطة للأمور التي تصنع بيئة اقتصادية حاضنة ومحفزة لريادة الأعمال، فلا يكفي الاهتمام بالبنية التحتيتة وبيئة تطور الرياديين والتمويل إن لم يتم الاهتمام بتطوير الموارد البشرية التي تعمل بأساليب الريادة وهي طرق أثبتت فعاليتها عالمياً بحل كثير من تحديات الاقتصاد والمجتمع.

ecosystem_mowgli

النظام البيئي لريادة الأعمال

تدعو موغلي في هذا الويبنار إلى تطوير الموارد البشرية للرياديين ودعمها في هذه المهمة من خلال تطوير وتحضير الموجهين، وتقديم الأسس الضرورية لنجاح علاقة التوجيه، والربط الجيد بين متلقي التوجيه والموجه، وتسهيل عملية المتابعة والإشراف على عملية التوجيه، وهذه أمور مكلفة وفي غاية الأهمية لتطوير المجتمعات والاقتصاد في منطقتنا، ولموغلي خبرة عميقة في هذا المجال.

إن مجتمعاتنا تستحق أن يكون فيها موجهون من رواد الأعمال الناجحين وروادُ أعمال مستفيدين من هذا التوجيه يوظفونه في تطوير ذواتهم وتنمية شركاتهم ومجتمعاتهم.

تطوير الرياديين عن طريق التوجيه هو من أهم المهام في تطوير النظام الريادي إن لم يكن أهمها، فبالإضافة إلى أنه طريقة فعالة لتطوير القادة الذين يحدثون التغيير فهو الطريقة التي يمكن من خلال زيادة قصص النجاح، كما تتكاثر الكائنات الأكثر ملائمةً للوسط والتي تتشابه في سلوكها، كذلك تتكاثر المنظمات الناجحة عندما تتشارك أساليب النجاح، وتقوم هي بدورها بمعالجة كثير من مشاكل النظام الريادي، فبوجود الناجحين معاً على اتصال وتفاهم على القيم والممارسات وعندما يوجه أحدهم الآخر، يمكن أن يحدثوا آثاراً إيجابية على المجتمع والاقتصاد، إن وجود موجهين بخبرة عالمية له آثار إيجابية جداً في توسيع الآفاق وتصويب الممارسات، ووجود موجهين بخبرات محلية مميزة من قادة الأعمال والمؤسسات الحكومية والأساتذة له أثر في معرفة السلوكيات الأكثر فعالية للمستفيدين من التوجيه، تدعو موغلي المجتمعات العربية إلى الاهتمام بهذا الأمر، وقد حصلت بالفعل على دعم من المؤسسات التي أدركت دورها ورعت بعض أعمالها في المنطقة.

وهذا ملف الويبنار، ويمكن حضوره كاملاُ مع المناقشة على الرابط (بالانكليزية)، من المهم شكر فريق مؤسسة موغلي على هذه الجهود والمساهمة معهم في رحلتهم الملهمة لجعل التوجيه والإرشاد عادة في مجتمعاتنا  العربية، تبدأ من جامعاتنا ومؤسساتنا الحكومية وغير الحكومية وشركاتنا وجمعياتنا لنساهم جميعاً في دعم الرواد وتعزيز الثقافة الريادية.

وأختم بما قاله م. إياد الشامي : كان الدمشقيون يقولون “مين مالو كبير يشتريلو كبير” واليوم نقول ” مين مالو mentor يشتريلو mentor”، فلماذا لا نبدأ بأنفسنا ونقدم الدعم والخبرة والتوجيه لمن يحتاجها، ويمكن أن نقوم بالتوجيه المتبادل Mutual Mentorship بحيث يوجه كل منا الآخر ليقويه ويقدم له الدعم ويعينه فكل الأبطال بحاجة لمن يشد أزرهم ويشاركهم أمرهم حتى الأنبياء صلوات الله عليهم.

زواج تكاملي أم زواج تشاركي ؟

download

يقدم هذا المقال لسؤال مهم أقترح أن على الشباب والشابات المقبلين على الزواج أن يسألوه لأنفسهم، لقد أدركت أهمية هذا السؤال بعد التعليقات المهمة التي تلقيتها على المقالة السابقة “تمكين النساء: ضرورة إنسانية ومجتمعية“، ووجدت أنه مهم لأسر أكثر تماسكاً ونساء أكثر تمكيناً وقوة، لاترغب كل النساء في التمكين المهني وهذا أمر جيد، ولكن من الجيد أيضاً أن يكون المرء واعياً لاختياراته والتسويات والفرص والمخاطر التي يقدم عليها.

كتبت المقالة السابقة وأنا أريد أن تؤسس النساء لحرية اختياراتهن وحرية تخطيط طريقة حياتهن بحيث لايقف ضعف قدرتهن على الانفاق على أنفسهن دون ذلك، فأردت أن أدعو الجميع من آباء وأزواج وإخوة وأصحاب أعمال إلى دعم المرأة ومساندتها ليكون لها مسار مهني لتكّون خبرة في مجال معين وتزداد بذلك مسؤولياتها وعطاؤها للمجتمع، كتبتها وأنا أريد خير المجتمع فعندما يتم تفعيل النصف الآخر من المجتمع وتعمل النساء بشكل مؤثر داخل وخارج المنزل في الأعمال والمنظمات الربحية وغير الربحية الاجتماعية مع بعض الدعم من الأسرة يكسب المجتمع خيراً كبيراً كإنتاج وعائد أكبر من التكاليف التي بذلت.

وبالرغم من البناء المنطقي الذي اعتمدت عليه في المقالة، وجدت نفسي أدافع عن فريق أمام فريق آخر، أحاول تقوية شرعية فعل على حساب آخر.

تلقيت الكثير من التعليقات من الأقرباء والأصدقاء فمنهم من ساند وجهة نظري ومطلبي ومنهم من قال لي أن هناك الكثير من النساء اللاتي يتمتعن بحرية اتخاذ قراراتهن ويعيشن الحياة التي يردنها وهن لايعملن ولايرغبن بالعمل، وهذا حق.

إن السجال الدائر اليوم “أن تعمل النساء أو لا تعمل” ، “أن تتفرغ لترتبية أطفالهن أولا تتفرغ”، ليس سجالاً دينياً إسلامياً أو شرقياً عربياً بشكل حصري[i]، إنه سجال عالمي عابر للثقافات والمجتمعات، إنه سجال أفكار ورؤى بين فريق اختار ودفعته ظروفه وفرصه وميوله إلى أن يكون الفريق الذي تعمل فيه النساء خارج المنزل وتلتزم بتطوير مسار مهني كأحد أهم الأولويات، حيث يساعد أو لا يساعد الرجل زوجته في أعباء المنزل ورعاية الأطفال، وفريق ثان اختار واختارت النساء فيه أن تتفرغ لشؤون المنزل وأن يتفرغ الرجل للعمل خارج المنزل وأن يكون العمل إن وجد خيرياً أو مدفوعاً ذو أولوية أدنى.

يستمد الفريق الأول والذي سأدعوه  أصحاب “الزواج التكاملي” حيث يعمل الرجل ولا تعمل المرأة خارج المنزل شرعيته التاريخية وقبوله العرفي المجتمعي كأجمل أشكال الزواج وأكثرها رفاهية واستقراراً، أما الزواج الآخر والذي سأدعوه أصحاب “الزواج التشاركي” حيث يعمل الرجل والمرأة ويكون لكل منها مسيرة مهنية ومسؤوليات كبيرة في العمل المدفوع فلا يملك شرعية تاريخية ويعتبر في بعض الأوساط ضرورة تصح عند ضرورة الانفاق على المنزل وضيق ذات اليد.

يبني النساء في الزواج الأول “الزواج التكاملي”  اختيارهن أو بعضاً منه على قبول المجتمع لأسلوبهن ويتحملن مخاطر لقاء ذلك (حال ذهاب الزوج أو غيابه لا قدر الله) ولذلك فهن لا يرن شرعية أو ضرورة لعمل النساء في “الزواج التشاركي” والعكس بالعكس، ترى النساء في “الزواج التشاركي” أنهن يساهمن في المجتمع ويؤسسن لاستقلالية واستقرار أكبر لا يتاح للنساء في الفريق الأول، وبالمقابل فالرجال في “الزواج التكاملي” أو أولئك الذين يفضلونه ويريدون أن يكونوا فيه، ينظرون إلى الرجال في “الزواج التشاركي” بأنهم غير أذكياء أو فقراء أو مستغلين ونادراً ما يحترمون خيارهم لجعل نسائهم أكثر قوة وسعادة وأكثر اسهاماً، فوجود الفريق الآخر هو تهديد لشرعية الفريق الأول، وتذكير له بأن رؤيته وخياراته في الحياة غير مرضية تماماً.

الحقيقة قلما تجد رجالاً يريدون وبشكل واع أن يبذلوا من ذواتهم وأوقاتهم ويجابهوا المجتمع التقليدي ليساعدوا زوجاتهن أن يشكلن الخبرة اللازمة ليكن في أفضل الأماكن في صناعتهن وبمصاف أكثر الرجال كفاءة فيها، حتى وإن كان ذلك على حساب رغباتهم وتفضيلاتهم في بعض الأحيان، وبالمقابل قلة من النساء يملكن الصبر والقدرة ليمشين هذا الطريق بالرغم من كل الصعوبات لأسباب كثيرة لايتسع المقال هنا لدراستها.

ومن الجدير بالقول، أن كلا الفريقين ينشدان أن يكونا أعضاء فعالين يرفدون المجتمع بماهو أهل له لتطوره ونهضته، وقد يكون “الزواج التكاملي” خياراً أنفع للمجتمع وأكثر سعادة وراحة للأفراد، فليس من المتوقع أن ترنو كل النساء أو جلهن للريادة في العمل، وبالمقابل فتنشئة الأطفال السعداء الناجحين الصالحين من أرفع ما يمكن أن تقدمه أسرة للمجتمع وهو أمر تتطلع له كل العائلات أمهات وآباء.

إن جميع النساء الاتي لايعملن خارج المنزل أو يعملن بأجر أو بدون أجر داخل المنزل أو خارجه في “زواج تكاملي” أو “زواج تشاركي” يحتجن للدعم لعيش حياة سعيدة، تحتاج هذه الأسر أزواجاً وزوجات إلى دعم المجتمع لخياراتهم مهما كانت دعمنا جميعاً، فكلا الفريقان يعملان على تطور المجتمع، كل بطريقته.

إن ما نحتاج إليه اليوم هي أن ندرك أن أي إنسان رجلاً أم امرأة يستحق أن يكون حراً ليختار وأن يكون لديه القدرة والدعم ليفعّل اختياره بشكل واقعي ويعيش سعيداً ومقبولاً.

من المهم اليوم أن يسأل كل شاب وفتاة أنفسهم هذا السؤال ويحاولوا الإجابة عنه بصدق وعمق ” هل أريد أن أكون في زواج تكاملي أم زواج تشاركي؟”، ربما تكون الإجابة عن هذا السؤال عاملاً جيداً لاستقرار الزواج وتوضيح التوقعات.

في مجتمعنا، يتحمل الزوج مسؤولية الانفاق على زوجته، ويعود إليهما معاً أمر عمل الزوجة من عدمه، وفي الحقيقة هذا أمر منطقي وعملي فلايمكن للمرأة أن تعيش مع رجل لاتثق به ولاتثق بخياراته، فإذا اختارت المرأة أن تثق بهذا الرجل وأن تتعاهد معه على أن يتولى أمر الانفاق على المنزل ووتولى هي رعايته ورعاية أطفاله ومنزله، وبحيث يسعد الأطفال في جو مستقر ومريح ، فإذا حسن اتفاقهما عاشا برضا وسعادة في “زواج تكاملي”، وفي المقابل إذا اتفقا على أن يعمل الزوجة والزوج ويعيشا حياة عادية مريحة ليس فيها إرهاق زائد بحيث يتعين على أحدهما العمل دوامين كاملين أحدهما في العمل والآخر في المنزل، وبحيث يحقق الرجل رغباته وسعادته فيتفقان على أن يساعد كل منهما الآخر في أعباء الإنفاق على المنزل ورعاية الأطفال يتفقان على أوقات الراحة والعمل في “زواج تشاركي” عاشا حياة راضية ومستقرة، فأكثر الأزواج تعاسة من تريد أن تعمل وتريد من زوجها أن يدعمها، وهو يريدها أن لا تعمل وتتفرغ للمنزل ولايريد مساعدتها، وتلك التي تريد أن تتفرغ للمنزل ويريد زوجها منها مساعدته في أعباء الانفاق.

ومن هنا فإن طرح هذا السؤال والتخطيط للحياة مع الشريك أمر مهم بحيث يعملان معاً على تلبية توقعات كل منهما، هل تريد أن تكون في “زواج تكاملي” أم “زواج تشاركي”؟، هل تريد أن تكون كزوج المسؤول الأول عن الانفاق في العائلة أم تريد من زوجتك أن يكون لها دور في ذلك ويترتب على ذلك أن تساعدها في الإفاء بهذا الدور؟ هل تريدين أن تتطوري مهنياً وتزدادي خبرة وتلتزمي بتطوير العمل ، فتواجهي الصعوبات والمعيقات للوصول إلى أرفع الأماكن في الصناعة التي تعملين فيها ليكون لك إسهام ودور أكبر في المجتمع أم أن العمل هو مجرد طريقة لكسب بعض المال والترويح عن النفس حال عدم وجود مسؤوليات كبيرة؟ وبذلك يكون زوجك مسؤولاً عن الانفاق وتكوني أنت مسؤولة بشكل رئيسي عن الأولاد ومايحتاجون ؟ هل تريدين أن تتفرغي للبيت والأولاد بحيث تقومي على تربيتهم تربية راقية وتسمتعي بوقتك ويكون لديك الفرصة لبناء المجتمع بعيداً عن العمل المدفوع؟  هل تريد أن تساعد زوجتك في عمل المنزل وتربية الأطفال وتتغاضى عندما تكون الأمور غير مثالية إن كانت تعمل أو لا تعمل خارج المنزل، الحقيقة أن المرأة لا تسطيع أن تقول بجميع الأعمال بشكل ممتاز، هناك قلة فقط من النساء تسطيع ذلك وربما على حساب راحتهن وسعادتهن.

في النهاية، أرجو أن أكون قد أفدت وساهمت في وضع إطار لحياة أكثر سعادة وتفاهماً، بحين نبني أسراً قوية ومنظمات للمجتمع متماسكة وذات دور فعال رجالاً ونساءً.

[i]  كمثال عن هذا السجال ما تم طرحه في كتاب “Lean In” للسيدة شيريل ساندبيرغ والمراجعات.

رؤية لتعريف الأعمال الجيدة في المجتمع

وصلتني اليوم القائمة البريدية من موقع بابل Babele وهو موقع يعرض أفكار مبدعة لخدمة أهداف اجتماعية لتصبح شركات ناشئة يتم العمل على نموذج العمل الخاص بها وخطة العمل بشكل تعاوني بين فريق العمل وبين الداعمين والخبراء في الموقع، ثم تعرض في الموقع لداعمين أو مستثمرين محتملين، وقد كان الموضوع الأول فيها يتحدث عن الحركة الكبيرة للابداع الاجتماعي ٍSocial Innovation والتي بدأت تكتسب الزخم فالكثير من الجامعات، المنظمات، حاضنات الأعمال، برامج الإرشاد، المستثمرون ذوي الرؤية يعملون على الاستثمار في شركات ناشئة للأثر الاجتماعي الذي تنتجه.

ومن هنا يدعونا “بابل” أن نجمع أطراف نظام الاستثمار الاجتماعي Social Investment Ecosystem لنقوم بإعادة تعريف الأعمال وإنشاء أعمال جيدة حقيقة، وفي هذا السياق تعرض القائمة البريدية لفيديو رائع يعرف الأعمال الجيدة، أردت أن أشارك هنا ترجمته بالعربية، وقد وجدت أنه يعطي تكميلاً وتوكيداً لبعض الأفكار التي كنت قد طرحتها في تدوينة أخرى هنا بعنوان “الأعمال في خدمة المجتمع“.

يعتقد معظم الناس اليوم أن الأعمال لا تخدم أفضل مصالحنا، وبالمقابل فإنه من غير الواقعي تخيل العالم بدون أعمال، ومن هنا فإنه من الضروري التفكير بنسخة جديدة تدعم ثقافة أعمال إنسانية ومربحة بنفس الوقت. إن

لكل شيئ كلفة وحتى نستطيع القيام بالأعمال التي تخدم أفضل مصالحنا وتلبي حاجاتنا الاجتماعية الحقيقية علينا أن نجتهد في إدخار المال للدفع لتلك الأعمال التي تلبي حاجاتنا الحقيقة، وعدم الانسياق وراء إغراءلآت تدعي أنها تلبي حاجتنا لالعليا وهي ليست إلا وسائل تلبي حاجات دنيا وتجعل منا أشخاصاً متفاخرين ومزهويين بدل أن نكون أشخصاصاً ندعم ماهو مهم وقيم في الحياة فعلاً، إن التجارة والأعمال هي طريقة أفضل لاستدامة الجهود الخيرة بدل التبرعات، وبذلك تتطابق أفكارنا وأعمالنا، فنعمل وننفق على أشياء ذات معنى تعطينا الرضى والإشباع الحيقي.

هناك ستة أمور تعتقد مدرسة الحياة The School of Life أنها ضرورية لأعمال جيدة، وهي:

أولاً: الأعمال الجيدة تكسب المال من تلبية الحاجات وليس الرغبات 

2

هناك أشياء نحتاجها بشكل أساسي كبشر لنعيش ونزدهر، وهناك أشياء نرغبها تطلبها شهواتنا والتي لا تتعلق بأي شيئ مخلص وذو معنى، نستطيع نحن البشر التمييز بين الحاجة والرغبة، ولكننا لا نعرف ماهو الجيد فعلا بالنسبة لنا، وهذا ما خلق إغراً بالرأسمالية. بالنسبة للرأسمالي لايهم من أين جنى المال، االمهم هو الأرباح سواءً تم جنيها من حاجات أو رغبات فيمكن أن نحصل عليها من بيع رباطات حذاء، مسدسات، مفرقعات أو كتب. إن هو الدفاع المعتاد عن بيع الأوساخ ، فالرأسمالية تهتم ببيع أي شيئ طالما وجد هناك من يشتريه، وهي تستغل عدم قدرتنا على التمييز بين حاجاتنا ورغباتنا عندما تكون معظم الأعمال تبع أشياءً لايحتاجها الناس. فالأعمال الجيدة لايجب أن تعرف من حيث هي رابحة أم لا ولكن من كونها تصنع أرباحها من تلبية الحاجات، وبذلك تكون الأعمال أخلاقية إذا كانت تقدم مايحتاجه الناس حقيقة.

ثانياً: الأعمال الجيدة تعمل بجد أكثر بمرتين من منافيسها 

1

إدارة أي عمل هو أمر شاق، فكيف بأعمال تريد كسب أرباحها من تلبية الحاجات، إن بيع أصابع البطاطا المقلية أسهل كثيراً من بيع الخبز الجيد، وبالمثل إدارة الجرائد الصفراء التي تعنى بالغيبة وإثارة المشاعر أسهل كثيراً من الجرائد التي تعنى بالمساءلة الجادة، وكذلك النوادي الليلية تجي أكثر كثيراً من المكتبات، ماركات الرفاهية تبيع أكثر من تعاونيات التجارة العادلة ، من الصعب أن نقوم بعمل أشياء جذابة وجيدة بنفس الوقت، وبذلك على المنتج أن يكون ماهراً في أمرين الإغراء وعمل الخير. كثير من الناس أصبحوا ماهرين في الإغراء ، مثلاً صانعو الأيس كريم ، وبالمقابل دعونا نفكر في أولئك الذين يعملون في خدمات النظام البيئ ويقومون بإنشاء مواقع تدعو إلى مكافحة الممارسات السيئة في العالم النام، قليل جداً من الناس هم ماهرون في الإغراء والخير، ليس الإغراء ضد الخير، وليس الخير هوما يطرد الإغراء، الحقيقة نحتاج إلى مهارة أفضل بكثير في التصويب، هذا هو التحدي في عصرنا أن نجعل كثيراً من الناس ينجذبون إلى الخير، يشبه النشوة التي تشعر بها عند القراءة مثلاً.

ثالثاً: الأعمال الجيدة يجب أن تكون ذات معنى 

3

ماذانريد من عملنا بالإضافة إلى المال، إننا نريد أن يكون عملنا ذو معنى، ولكن ماهو العمل ذو المعنى؟،العمل ذو المعنى هو الذي يشعرك أنه بجهودك ترفع ألماً عن أحد أو تزيد في سعادة ورضا الآخرين، وأن تترك العالم بشكل أفضل قليلاً مما وجدته، فكلما كان العمل ذو معنى كلما كان المال ذو قيمة أقل، فكر بالتضحيات التي يبذلها الناس دفاعاً عن وطنهم، أو الممرضات، أو مكتشو البيئة، والناشرون الجادون، فالدافع يأتي من خدمة هدف أعلى، فالأعمال الجيدة لا تكافئ موظفيها فقط بالمال بل بأمر يساويه في الأهمية إنه المعنى.

رابعاً: الرأسماليون الجيدون يدركون أنهم لايحتاجون المال

4

كثير من الرأسماليين الكبار لديهم مايكفي لإطعام إثنا عشر جيلاً ، ومع ذلك يدفعون باتجاه عوائد عالية ولايكتفون بعوائد تحفظ مالهم من التضخم، 30% بدل 3% مثلاً، لو أن أولئك الذين جمعون المال فهموا أنفسهم بشكل عميق لعرفوا أنهم ليسوا هنا من أجل المال ولكن من أجل الاحترام، المكانة والحب، والتي تأتي في مجتمعنا من كون المرء قد جمع الكثير من المال. إن هذا يعطينا مؤشراً مهماً في كيف يمكن لنا أن نعيد إصلاح مجتمعنا، وبذلك بجعل المكانة والاحترام بشكل مؤكد وغير مشكوك لأولئك الرأسماليين الذين اختاروا إدارة أعمالهم بطريقة نبيلة وقاموا بتلبية حاجات وليس رغبات، إن المكانة اليوم لأولئك الذين جمعوا المال بغض النظر عن كيفية ذلك، إننا نعطي القدر والاحتفاء لرجال الأعمال بقدر أرباحهم لنصنع أناساً يقودهم الزهو بشخصياتهم، بدل من أن يكون لأولئك الذين قبلوا بعوائد أقل لقاء القيام برأسمالية أخلاقية تنتج اللطف والخير للمجتمع. هدية الاحترام يجب أن تكون ليس لمن جمع قدراً أكبر من المال بل لأولئك الذين جمعوا بعض المال من القيام بأعمال جيدة.

خامساً: الوفورات الخارجية والسعر العادل

5

عادة لايعكس سعر المنتج الكلفة الحقيقة له، لأن الكثير من الموارد قد أعطيت بشكل مجاني عن غير قصد للمنتج، فالأرض يتم تلويثها وصحة العاملين تتدهور، ولكن المستهلك لايدفع تكاليف كل ذلك، إننا نتكلم كثيراً عن أسعار متدنية ولكن لانتحدث عن أسعار عادلة، فالسعر العادل هو الذي يتضمن الكلفة الحقيقة للانتاج وبذلك يكون السعر العادل هو السعر العادي. وعندما نجد أن هناك سعراً ينخفض عن السعر العادي سنعلم أن هناك اختصراً قد تم أخذه في مكان ما، فلابد أن الشركة قد عملت وفورات خارجية حملتها للآخرين بشكل مجاني، أو عاملت عامليها بشكل سيئ، أو أنهم لايجرون إجراءات جودة متقنة بدون التصريح بذلك، فإذا أردنا أن نكون مجتمعاً أخلاقياً علينا أن ننظر إلى الطريق الذي سلكه المنتج حتى وصوله إلينا ، فالعمل الجيد هو العمل الذي في كل خطوة فيه يقوم بعمل جيد وعامل على شيئ على طريقه بلطف وخيرية.

سادساً: العمل الجيد يكسب المال من الحاجات العليا للناس 

6

في عالم مثالي، على 80% من الأرباح أن تأتي من 20% من الحاجات العليا للبشر، ولكننا نجد أنه في عالمنا أغلب الأعمال تتوجه نحو تلبية الحاجات الدنيا للناس والتي تتعلق بالطاقة والغذاء والمأوى، وهي في أدنى هرم ماسلو. نعلم أن لدينا حاجات عليا للحب، تحقيق الذات، الإبداع، ولكننا لانتوقع أن التجارة يمكن أن تقدم لنا شيئا من هذا، فلانربط دفع المال لشيئ يرتبط بالخير، ولكن ذلك ممكن. الحقيقة أن التجارة مازالت سطحية في تلبية حاجاتنا العليا، إننا نحتاج أن نعيش في مدن جميلة، نحتاج إلى النصيحة والدعم النفسي، نحتاج إلى أن ندير عواطفنا، نحتاج أن نبني عائلات ممتدة وقوية عبر الأجيال، نحتاج أن نقوي عقولنا، نريد أن تعيش في مجتمعات حيث يكون عادياً أن نكون حكماء، لطفاء وقنوعين.

ختاماً …

إن أمامنا طريقاً طويلاً لنقطعها مجتمعين، أن لاتبدو هذه الأمال مثل تمهيد شارع أو بناء برج لايعني أن ليس لها علاقة بالعمل أو التجارة، فالمنتجات والخدمات يجب أن تصنع بالبراعة والإبداع الأصيل والتنظيم والجهد، أو باختصار بالعمل الشاق. علينا أن نحضر أنفسنا لعمل لاينتهي من أجل نشر رضا ممتد وواسع بين الناس، وكثير من الناس على صراع مع الرأسمالية لأن الأعمال اليوم ليست جيدة كما يجب أن تكون، فالاعتراض ليس على الأعمال ولكن على تلك التي تكون بدينة، فالأمر ليس هو التمني بأن تذهب الأعمال بعيداً ولكن بأن تصبح أفضل وبذلك نكون راضين كمنتجين ومستهلكين.

كيف تتقدم المجتمعات ؟ وكيف تنتقل إلى الحرية ؟

صورة

تقديم …

في هذه المقالة طرح يبحث في الحالة التي يكون فيها المجتمع أكثر قابلية للتطور وإنتاج أفكار وطرق جديدة وفعالة للعمل، لابد من دراسات مكثفة في التاريخ العالمي وعلم الاجتماع وعلوم الدين الإسلامي والأخلاق والقانون وعلوم السياسة والحكم وغيرها لبيان مقاربة هذه الأطروحة للصدقية والفعالية العملية.

تقوم هذه الأطروحة على الاعتقاد أن ساحة الفكر[1] وساحة العلم وساحة علوم الدين والأخلاق يجب أن تكون مستقلة عن ساحة القانون والتشريع وساحة السياسة بل على المجموعة الأولى أن تقود الأخيرة، وكلما كانت أكثر كفاءة في القيادة كلما كان المجتمع أكثر حرية وكان أرضاً خصبة لتطور وتلاقح الأفكار، وكلما أثرت ساحات العلم والفكر والدين في ساحات القانون والسياسة بشكل أمين ومعبر[2] عن تطلعات المجتمع وتطوره، كلما كان المجتمع أكثر رضاً وأقدر على التطور والمساءلة والحفاظ على أفضل أفراده وتشجيعهم.

يتأثر الفكر المجتمعي الإسلامي بتجربة المسلمين الأوائل الحضارية التي بدأت بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي وحد ساحات الفكر والدين والقانون والسياسة – وبشكل أقل العلم – وكان هو مركزها ونجمها الناظم، وظل حلم الإمام العادل يراود عامة المسلمين، على أمل ظهور الإمام  صاحب القدرة السياسية المحنكة والالتزام الديني العميق والقدرة على وضع القانون المناسب لسير الدولة ولديه من العلم والفكر ما يمكنه من اكتساب الكفاءة اللازمة لتنفيذ مايريد القيام به دون أن يستغل السلطة ويعمل على إثراء نفسه ومن حوله، طبعاً بمساعدة مستشاريه من أهل الحل والعقد[3].

وربما يقول قائل، يمكن للمجتمع أن يكون إسلامياً ويسمح بمساحة حرة للفكر والعلم والدين، ولكن قوانيين وسياسات الدولة ستكون منضبطة بقواعد الشريعة وأسسها في الاجتهاد، وأقول مع تنوع المذاهب الفقهية وتعدد النظر في أولويات المصالح وتأثير السياسات المتبعة على حياة المجتمع وقيمه، يصبح من الصعب توحيد هذه الساحات بل يجب العمل على فصلها بجهد متعاون من الأعلام والنخب في هذه الساحات وتوضيح ذلك للمجتمع. وأذكر أمثلة على السياسات الإشكالية: وجوب قتل المرتد إلى جانب انتشار الأفكار العلمانية ومسوغاتها في مجتمعاتنا، الحاجة إلى دراسة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية بحرية واتباع أساليب بحثية تجريبية دنيوية يمكن أن تكون ذات مصلحة لتغيير الواقع وقد تمليها الظروف دون أن يكون لها سند شرعي مجمع عليه  مثل استخدام منظومة الفائدة في البنوك من أجل تسهيل وتمكين التواصل والتكامل مع الأنظمة المالية في العالم وعند العمل على دراسة ومعالجة التضخم،  عدم جواز رئاسة الدولة لغير الرجل المسلم إلى جانب إصرار الغرب على وجوب أن يتساوى الجميع في الحقوق السياسية وغيرها لكل المواطنين رجالاً ونساءً مسلمين وغير مسلمين. وعليه وبناء على هذه الأمثلة وغيرها يصبح من الصعب تطبيق أحكام الشريعة كاملة (كما وردت عن السلف وكما يجمع عليها الفقهاء والعلماء وأصحاب الفكر) دون أن يتعرض المجتمع لهزات قوية من الخارج والداخل.

ساحة للحرية …

ومن هنا أظن أنه من الأفضل أن لا تتطابق ساحة القانون والسياسة مع ساحات الفكر والعلم والدين، فلا يلوى عنق الدين أو الفكر أو العلم لأجل قانون يريده أصحاب الحكم ولا من أجل سياسة تمليها ضغوط العالم الخارجي واجتهادات الساسة، فمثلا عندما يتقلد فقيه منصباً سياسياً فقد أصبح سياسياً موكلاً بخدمة مصالح الناس ولم يعد فقيهاً، وعند ضمان حرية الاعتقاد والتعبير والعمل، فليس على جميع الفقهاء أن يكون لهم ذات آراء الفقهاء الذين تأخذ بآرائهم الحكومة. فعند استقلال هذه الساحات يستطيع المجتمع أن يختار أفضل أفراده لساحات القانون والسياسة ويحتفظ بأفضل أفراده الآخرين في ساحات العلم والفكر والدين يعملون بحرية قادرين على المساءلة واستبدال الآخرين في ساحات التنفيذ – القانون والسياسة-  متى أساؤوا استخدام السلطة[4]. إن المشكلة أن توحيد هذه الساحات يحرم المجتمع من ديناميات المساءلة حيث يصبح الجميع – بعد زمن-  من المنتفعين الذين يريدون بقاء النظام السياسي كما هو للاحتفاظ بمكانتهم، وسيتخلون عن تطلعات الناس ويفقدون صلتهم بهم ويركزون على الحفاظ على مصالحهم في خدمة قادة السياسة بدل مجابهتهم وقيادة توجهات أكثر إفادة للمجتمع بدعم منه، ومنه يمكن أن يكون هناك مصلحة مهمة في زيادة وعي المجتمع وجعله فعلياً متعدد الأقطاب تتميز هذه الأقطاب بالتباين ولكنها تركز على التعايش والمساءلة والشفافية.

هناك أربع حالات أساسية من الاستبداد …

لنبدأ بالحالة الأولى، فعندما تنعم المجتمعات بحالة من الحرية والتعايش الطبيعي بين الأفكار ولا تنتبه إلى إمكانية إساءة استخدام الحرية، يستغل بعض الأفراد (من داخل المجتمع أو خارجه) هذه الحالة فيتمكنون من التحكم بالمجتمع لتتركز السلطة والثروة في أيديهم (مثال الانقلابيون أو رجال الأعمال الأثرياء جداً) غالباً ما لا يكون لهؤلاء عقيدة واضحة أو فكر مهيمن معين ولكنهم يسعون بأي شكل للحفاظ على مكتسباتهم، عندها تتقلص مساحة الأفكار الحرة ويحدث الاستبداد.

وعندما تتركز الثروة والسلطة في أيدي فئة قليلة ومن ثم – وبعد زمن – تحدث ثورات الفقراء الذين يتجمعون تحت راية فكرة عقائدية تشغف بها الجماهير كما حدث مع الشيوعية والاشتراكية والقومية ، فإذا استطاعوا التغلب على الأنظمة القديمة وسيطروا على السلطة وأصبحت متماسكة أرادوا لفكرهم أن يهيمن، وينحون نحو الاستبداد ومن ثم – وبعد زمن –  تتركز السلطة والمال في أيديهم لعدم المساءلة وعدم وجود حرية للأفكار في المجتمع ويتحولون شيئاً فشيئاً نحو اليمين ليحافظوا على مكتسباتهم فيصبح الهدف من الهينمة الحفاظ على السلطة والمال.

وعليه أعتقد أن الوضع الأكثر مناسبة لتقدم المجتمع وتحقيق أكبر نسبة ممكنة من العدالة الاجتماعية هو أن يطالب المجتمع بوجود مساحة حرة للأفكار ويمارس ويدعم ويشجع الفكر الحر والمساءلة فلا يسيطر فكر واحد ولايتمكن عدد قليل من الناس من تركيز المال أو السلطة في أيديهم عن طريق قوانيين لمصلحتهم أو عن طريق إجراءات أمنية أو عن طريق الفساد والنهب.

عندما يكون للإسلام دور مهم في حياة المجتمع وعندما تسقط العقائد العلمانية الأخرى فإن الفقراء في البلدان ذات الأغلبية المسلمة لا تجد إلا أفكار الأصولية الإسلامية الملتزمة للتجمع حولها لما لها من وقع في نفوس الجماهير ولقوتها، ولكن حتى تنجح إحدى هذه التيارات في الاستحواذ على السلطة فإن تياراً واحداً يسيطر ويلزم الآخرين برؤيته – غالباً ما يكون أحادي الفكر ليستطيع هزيمة التيارات الأقل تماسكاً – وقد يتهم معارضيه بالكفر أو الفسوق إن تخطوا الحدود ويتحول شيئاً فشيئاً نحو تجمع الثروة والسلطة في أيدي فئة قليلة وممارسة الاستبداد.

وإذا نظرنا إلى الأنظمة الملكية غير الدستورية في بلاد المسلمين، نجد أن الحاكم مع أسرته وعشيرته يعمد إلى تقييد مساحة الأفكار خوفاً من تيار معارض له فكر مختلف أكثر التزاماً قد يجتمع حوله الناس ومن هنا يحدث الاستبداد وتضيق مساحة الأفكار.

يتبين لدينا من هذا العرض أن هناك أربع حالات أساسية للاستبداد هي الأنظمة الملكية والأنظمة الشيوعية والاشتراكية والقومية والأصولية الإسلامية – خصوصاً بعد الثورات المسلحة التي تنجح في قلب نظام الحكم – والرأسمالية التي تتجلى في تحكم رجال الأعمال الأثرياء جداً أو فيمن استفاد من فساد الدولة في مرحلة ما وكذلك الأنظمة الاقطاعية القديمة، موضح في الشكل في الأعلى.

والسؤال الأكثر أهمية كيف يمكن الانتقال من حالات الاستبداد إلى حالة الحرية؟

إن الشعوب التي تتمكن من الانتقال من حالة الأستبداد إلى حالة من الحرية بالتتالي غالباً ما تفعل ذلك بثورات شعبية سلمية، تلك الثورات التي تنجح وتؤدي إلى أن يأخذ زمام المبادرة مجموعة من المفكرين الأحرار في المجتمع تدعمهم القوى القديمة من أثرياء وأصحاب نفوذ أمن وجيش مثلاً ويأخذون شرعيتهم من سلطتهم الأخلاقية ومن دعمهم لطموحات الشعب، أما المجتمعات التي يصر فيها الحكام المستبدون على تغييب الأعلام الحرة قتلاً أو اعتقالاً أو نفياً فتذهب باتجاه ثورات مسلحة، ليسيطر على الحكم – بعد هذه الثورات –  قلة ذات عقيدة قوية لتمر مرحلة من الاستبداد يتماسك فيها الحكم لهذه المجموعة ليتمكن بعدها المجتمع من المطالبة بمساحة أكبر وتبدأ عملية التحول نحو الحرية، وكلما ساهمت هذه القلة في بناء مقومات مادية وملموسة للاقتصاد، وبنت مؤسسات دولة قوية وكلما كانت أكثر تنوراً وانفتاحاً على المجتمع كلما كان التحول ممكناً أكثر دون أن تنزلق مرة أخرى إلى ثورة يحدث فيها اقتتال أو تستأثر مجموعة مستبدة أخرى بالحكم .

في هذا العصر وفي المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة فإن ثورات الفقراء ضد من يتركز المال والسلطة في أيديهم تأخذ منحى التجمع حول عقيدة إسلامية ملتزمة “أصولية”  قد تعمل على إقصاء بقية التيارات التي لا تشاركها الرأي لتعمل على تماسك الحكم في يدها وتدعمها الجموع المخلصة الملتزمة، تحدث هذه الثورات وقد تكون مسلحة لأن الإسلام الملتزم يحمل قيماًَ قتالية أيضاً، وغالباً ما تحدث بسبب وقوع مظالم وفقر فتحمل شرعية وقوعها. إذا لم تستطع فئة السيطرة فإن الصراع و الاقتتال سيحدث بين الفئات المتنافسة وقد يعود النظام القديم ليسيطر أو يأتي نظام يكون مدعوماً من الخارج بقوة عسكرية أو غيرها وعندها لن يتمكن المجتمع من الذهاب إلى مساحة الحرية إلا بمطالبة النخب المستبدة – أو الأنظمة الخارجية –  بشكل سلمي وبالعمل الحثيث على بناء النخب فيه.

لذلك أظن أن الانتقال إلى مرحلة الحرية لا يكون إلا بنخب يبنيها – أو يحافظ عليها أو لا يكترث لوجودها- نظام مستبد ثم ترغب بالتنوير وتفتح للمجتمع مساحة أكبر من الحرية يطالب بها المجتمع ويشغلها مفكرون وعلماء أحرار ومحترمون ذوي فكر قيم.، ليكون الحل الأنسب من أجل الانتقال إلى الحرية هو العمل على تنوير النخب  وعلى الأجيال التي يمكن أن ترثها وحماية النخب الحرة لنأمل انفراج ساحة الفكر وتحررها.

ختاماً …

قديماً قال الحسن البصري “ظلم الحكام لا يرفع بالسيوف” اليوم أقول صدق الإمام البصري، فالثورات المسلحة ليست وسيلة مضمونة لتقدم المجتمع، إلا أن الثورات مهما كان نوعها سلمية أو مسلحة حالة شعبية تدل على أن الاستبداد قد بلغ حده، ولكنها لا تبني بذاتها مجتمعاً حراً ومتقدماً ، فالأمر يكمن في النظام الاجتماعي الذي يضمن أن تكون النخب السياسية والتشريعية والقانونية معبرة عن آمال المجتمع وتتطلعاته فتسير به خطوات نحو الأمام ضمن رؤيته ووفق وعيه، ويضمن أن يستطيع المجتمع التطور والتقدم بعيداً عن قبضة هذه النخب في مساحة للحرية يبني فيها ويطور ويغذي نخباً تبني مستقبله وتجعل منه أفضل.


[1] يقصد بالساحة هي الحيز الذي تلتقي فيه الأفكار وتظهر ويصبح لها تأثير على حياة المجتمع، وتتمثل باشكال كثيرة مثل القنوات الفضائية ومراكز البحث في الجامعات والبرلمانات والمنتديات والمؤتمرات والكتب والمجلات وحتى محركات البحث والمدونات ومجموعات الفيس بوك، هي تلك التي تؤثر في أراء أولئك الذين يصنعون قرارات وسياسات تغير حياة المجتمع أو حتى في تعيينهم ، وتؤثر أيضاً في آراء وسلوكيات مؤيديهم أو منتقديهم.

[2]  يمكن أن تقدم الأنظمة الديمقراطية اليوم بعض الحلول لتحقيق هذا التعبير الأمين عن تطلعات المجتمع في ساحات السياسة والقانون، ولكن بالتأكيد هناك مشكلات في بناء مؤسساتها الفعالة في مجتمعاتنا وهناك أيضاً مشكلات تعانيها هذه الأنظمة في الدول التي بنتها وتعمل فيها حتى أصبحوا يفكرون في ما بعد الديمقراطية.

[3]  هذا جانب يسير من طروحات من ضرورة قيام الدولة الإسلامية بحاجة إلى دراسة معمقة.

[4]  لابد من دراسة معمقة للأساليب والسياسات التي يجب إقرارها لضمان فصل الساحات إلى جانب ضمان الحريات، وكذلك تصميم المؤسسات “الديمقراطية” القادرة على اختيار القادة السياسيين والمشرعين والقانونيين ومساءلتهم ومعاقبتهم واستبعادهم متى استغلوا مناصبهم أو لا يعملوا بكفاءة.