“اليوم العالمي للفتيات” والعمل وحقوق الإنسان

في “اليوم العالمي للفتيات” نتذكر الظلم الذي تعيشه الفتيات والنساء، وأنهن قادة المجتمع في المستقبل سواءً في الإطار الخاص – العائلة- أو الإطار العام – المؤسسات والأعمال – فهل علينا أن نشجعهن على تكريس وقتهن للعائلة أم للعمل وأي الحالتين أنفع للمجتمع، ومالطريق الذي يمكن نسير فيه لمعالجة هذه الأمور في سبيل حياة أفضل للنساء والفتيات وجميع أفراد المجتمع …

international-womens-day-facebook-filter-03

مرة أخرى أجد نفسي مندفعة للكتابة في دور المجتمع في تشجيع الفتيات على العمل في الإطار العام الربحي او غير الربحي و على تولي مراكز قيادية في هذه الأعمال، وماتأثير ذلك على المجتمع إيجاباً كان أم سلباً، ومما لا شك فيه أن فتيات اليوم هن قادة المجتمع في المستقبل سواءٍ في الإطار الخاص والعائلة أو في الإطار العام في المؤسسات المدنية والأهلية وفي الأعمال.

ويصادف أن يكون البارحة – 12 تشرين الأول – اليوم العالمي للفتيات، ليذكرنا الأصدقاء بوقوفهم مع الفتيات على صورهم في الفيس بوك، ولأتذكر أن كثيراً من الفتيات والنساء تتعرض يومياً للظلم في المنزل من الأخ او الأب أو الزوج أو الابن فلا تحسن معامتلهن ولا يعاملن بانصاف، وفي كثير من الأحيان لاتملك تلك الفتيات والنسوة الوسيلة أو القدرة لرفع الظلم عنهن وإيجاد طرق أكثر عدالة للعيش، وفي المقابل تتعرض كثير من النساء للظلم في العمل حيث توكل إليهن أعمال مملة أو هامشية ولا يتم الاعتناء بتطوير قدراتهن إن لم يتم إذاؤهن وقد لا تستطعن دفع الظلم عنهن لأسباب كثيرة تتعلق بالحاجة أو قلة المهارات أو قلة الأفكار أو الفرص، وتفتقر كثير من الأماكن أشخاصاً يؤمنون بكرامة المرأة وأهمية تقوية قدراتها و بحقوقها في العيش الجيد والممتع تماماً كأي إنسان، إن حقوقها كحقوق أي إنسان رجلاً كان أم امرأة، إلا أنها وفي كثير من الأحيان تكون في الموقع الأضعف وتتعرض للظلم، وفي بعض الأماكن قد تمارس الظلم ضد الرجال والنساء الأخريات!

نعم سيكون من الجيد أن تشجع الفتيات لبناء كفاءتهن وتولي مراكز قيادية فيمكن أن يكن الأقدر على فهم معاناة النساء في العمل وواجباتهن في المنزل، فيعملن على تحسين السياسات لتتمكن النساء من الموائمة بين عملهن وعائلاتهن وسيكون لهن دور في تحسين الصورة النمطية عن النساء في العمل عن كونهن أقل كفاءة من الرجال وأقل قدرة على النجاح في الأعمال الصعبة، مما يزيد فرصة النساء في الترقية والحصول على مزيد من السلطات والعلاوات، وربما على جعل العالم أكثر قدرة على استيعاب نساء يعبرن عن طاقاتهن بأفضل صورة، إلا أن هذا الدور لا يقتصر على نساء قادة وإنما على رجال قادة يؤمنون أن على الجميع رجالاً ونساءً أن يحصولوا على حقوقهم الأولية في الاختيار والعيش الجيد وفي الفرصة العادلة للنمو والتميز.

وتستوقفني هنا الرسالة التي كتبت عنها شيريل ساندبيرغ وهي مدير العمليات الأول في فيس بوك، وكاتبة ومتحدثة في كتابها “Lean In” وهي أن العالم يحتاج نساءً أكثر قويات وفاعلات، يفهمن كيف تدار الأمور ليتغير وضع النساء نحو الأفضل، يعملن معاً على تغيير الصورة النمطية وعلى جعل المؤسسات والأعمال مكاناً أفضل للعمل، إن هذه الرسالة مهمة جداً، وهنا حقيقة يبدأ التغيير ولكنها ليست كافية، فلابد من فهم الحقوق والعمل نحو الانصاف، وبذلك يجد كثير من الرجال أنفسهم مؤيدين بل ومشجعين ويسمح هذا بتمييز النساء القادة وكذلك الرجال المفعمين بالأنانية وعدم الاحترام للناس.

وفي المقابل يبادرني الأصدقاء أن كثيراً من النساء تستمتع بتربية أولادهن أكثر من أي شيئ ولايردن دوراً في الإطار العام أو الأعمال ويكون لهن أزواج يريدون أن يقوموا بإعالة الأسرة منفردين وهذه الحالة ربح وسعادة لكل الأطراف بما فيها المجتمع، إذ أن الأم التي تكرس وقتها لأطفالها تشعر بالسعادة ويشعر أطفالها بالاشباع في المنزل بعيداً عن صخب الحياة والسرعة والالتزامات الخارجية، ويحظون بفرصة كبيرة ليكونوا أفراداً سعداء ومنتجين، ومع ذلك لايمكن الإنكار أن المجتمع يستفيد أيضاً من طاقات النساء فيه عندما يكون لهن أدوار خارج المنزل، ويغنى من اسهاماتهن المنفردة الناتجة عن انسجام قيمهن وقدراتهن ورؤيتهن وإبداعاتهن في تطويره.

إن تطوير الحياة يحتاج أقوياء يحملون القيم و ينادون بالحقوق ليتم تحقيقها، ومن الخاطئ باعتقادي أن الحقوق لا يمكن إلا أن تنتزع، فاستخدام السلطة وحدها وشق الطريق إليها ربما يترك على طول الطريق خسائر أكثر مما ينبغي ، وربما ينتج في نهاية المطاف ما نودي لاتقائه وتغييره، ويعتقد كثير من الناس أن النساء والفتيات هن ذوي المنفعة في المناداة بحقوق النساء ومساواتهن من حيث الكفاءة والقدرة على القيام بالأعمال و اتخاذ القرارات و أن وجودهن في هذه المناصب هو أكبر دليل على صحة هذه المساواة،  في المقابل جرت المناداة بالمساواة وحرية الاختيار دون ضمان الحد الأدنى من الحقوق الذي يضمن صحة الاختيار الكثير من الظلم على النساء في الغرب وروسيا ولحق بهن الكثير من الاستغلال، وجر ذلك ضرراً بالمجتمع والعائلات، وشعوراً متزايداً أن على كل إنسان أن يقف على قدميه دون أي مساعدة، مما زاد الانقسام والأنانية في المجتمع، من ناحية أخرى استفادت الأعمال و المجال العام من النساء الاتي استطعن لعب اللعبة ووضع اسهاماتهن في مكانها وحمل قيمهن حتى النهاية.

وأخيراً، تولد الحلول من التكاتف والتفاهم واحترام الإنسان وخياراته، فلكل إنسان الحق في اختيار ما يريد القيام به من عمل أو تربية الاطفال و أن يوفر له القدرة المادية للاختيار فلا يجبر على شيئ ليستطيع العيش، وأن يمتلك المهارة لـيشق الانسان طريقه في الحياة، فيجرب ويتعلم ويسأل ويتشارك مع من حوله “ليصمم الحياة” التي يريدها، فيقرر في كل مرحلة من الحياة ما يريد أن يقدمه في الاطار العام و العمل أو للعائلة، وما نسبة كل منها في حياته، فمثلاً عندما يكون الاطفال صغاراً يمكن أن يساعد الأم في العناية بأطفالها كل من الزوج او أحد أفراد العائلة أو الروضة فترة ذهاب الأم إذا كانت تريد ذلك، أو كان هناك حاجة تم التوافق عليها، وهناك أمثلة كثيرة يمكننا من خلالها أن يتمكن الجميع من الاختيار والعيش بسعادة.

إن حياة كل منا هي نتاج متفرد جداً لا ينتهي إلا بموته وربما يبقى أثرها بعد الموت، وكما يقول بيل بيرنت و ديف إيفان في كتابهما “Designing Your Life “ أن “الحياة تجربة قيد التطور وليست نتيجة”، ولا يمكن الحكم على نجاحها من قبل المجتمع – الا من ناحية الاسهام الإيجابي أو محاولة ذلك في نمو هذا المجتمع وحضارته – وإنما أيضا من حيث الرضا والسعادة و الحب الذي عاشه هذا الانسان في حياته ممتعاً بحقوقه وأيضا ربما مناضلا ًمن أجل أن يحصل الناس على حقوقهم رجالاً ونساءً.

لابد من الإشارة إلى أن للفتيات حقوقاً وأموراً يحسن الالتفات لها في “اليوم العاملي للفتيات” تخص كثيراً من المجتمعات، ومنها إرغام الفتيات على الزواج المبكر قبل أن يملكن القدرة المادية والفكرية على الاختيار، الاتجار بهن، إساءة معاملتهن أو عدم انصافهن ضمن العائلة أو في المؤسسات مع نظرائهن الذكور، عدم العناية بهن كما ينبغي وحرمانهن من سماع رأيهن وتقديم أفضل الظروف للنمو المتوازن الصحي و السعيد.

إدارة الموارد البشرية الإسلامية

مثلما اتجه الناس إلى المصارف الإسلامية لأنهم أرادوا الابتعاد عن الربا ومايتبعه وتحقيق رسالتهم الإسلامية في إعمار الأرض والإنسان ولضرورة المؤسسات المالية لمعاشهم وتطورهم، كذلك يتجه الناس إلى إدارة الموارد البشرية الإسلامية لأنهم يريدون تجنب الحرام وتحقيق رسالتهم الإسلامية وكذلك لضرورتها في بناء مؤسسات ناجحة.

تتميز إدارة الموارد البشرية الإسلامية أنها يجب أن تكون “شرعية” لاتخالف الدين الإسلامي وتحقق مقاصده، و”فعالة” تضمن استمرار عمل ناجح وتحقق رسالته.

المنتدى الاقتصادي العالمي وحدود إمكانياتنا!

large_OXT1OiOLiwQCWdgCLC-y6AIYZB7BWiN8y2zRGMCpl28

بينما أتابع مجريات الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس والذي يناقش كل سنة التحديات التي يواجهها العالم، بعد أن تم نقله بشكل مباشر على الانترنت وترجمت أفكار مشتركيه في العديد من المقالات والفيدوهات، أجدها فرصة لسماع الكثير من الأفكار والأطروحات واستراتجيات العمل، ولكني وفي نفس الوقت أتذكر تعليقات من حولي وزهدهم بسماع هذه الأفكار، فالكثير منهم يشعر أن واقعنا أكثر بؤساً من واقع الكثيرين في العالم وأن هذه الأفكار غير مفيدة لنا.

وبالرغم من اختلاف ظروف الشباب في كل أنحاء العالم إلا أن هناك أفكاراً بدأت تثبت أنها فعالة في كل مكان تقريباً، الفرق فقط في عدد أولئك الشباب الرواد الذين يكملون الطريق فكلما كانت التربة صالحة كلما ازداد عددهم وكلما ازداد ازدهار المجتمع، من أمثلة هذه الأفكار تلك المتعلقة بدور الأعمال والتعليم والبيئة والتنمية والتكنولوجيا.

ففي سياق الأعمال، أجد ما عبر عنه Marc Benioff، الرئيس والمدير التنفيذي لشركة Salesforce وهو أن الأعمال تعد من أهم المنصات لإحداث التغيير وحل المشكلات الاجتماعية  قوياً ببساطته، فبالقوة والتأثير والكفاءة والمال الذي تمتلكه الأعمال يمكنها أن تدعم المنظمات التنموية وأن يكون أداؤها محققاً لتطلعات الناس ومحسنناً لظروف حياتهم إذا كان لهذه الأعمال أن تستمر وأن تكون جزءاً من حياة الناس في المستقبل وداعماً لاستقرارهم ورفاهيتهم.

وإلى جانب دور الأعمال تبقى المعرفة العملة الأكثر قوة ويبقى تحسين الوضع الاقتصادي للأفراد مرتبطاً بحصولهم على تعليم بجودة عالية، وتبقى المؤسسات التعليمية الأداة الأهم في تحقيق المساواة، فبالتعليم يكتسب الطلاب مرونة في التفكير وصلابة في وجه التحديات ويحوزون على منافع تبقى معهم طول حياتهم كما ترى Drew Gilpin Faust رئيس جامعة هارفارد، حيث تلعب الجامعات دوراً مهماً في تعليم الناس خصوصاً بعد الانجازات التي حصلت في التعليم عبر الانترنت على منصات مثل Edx حيث رحبت جامعة هارفارد مثلا بستة ملايين طالب في صفوفها الافتراضية، وإلى جانب دورها في نشر التعليم، تضم الجامعات مراكز الأبحاث التي تدرس مشكلات العالم التنموية من زوايا متنوعة وتشكل مكاناً يمكن أن يتقاطع فيه الاقتصاد، التعليم، الإدارة الحكومية، القانون، الفلسفة، الصحة العامة، السياسات العامة بمشاركين خبراء أكاديميين وممارسبن مستفيدين من تجاربهم ووجهات نظرهم الغنية المتباينة.

فينما تشكل الأعمال منصة للتغيير، وتشكل المعرفة المكون الأهم في بناء القادة والمحترفين، تحتفظ التكنولوجيا بالدور الأكثر قوة في تحويل الأفكار إلى نتائج ملموسة، بحيث تجعل المستقبل أبعد مما نتخيل ونحلم، حيث تؤكد Alice Gast رئيس Imperial College London على الاستثمار في البحث الذي يركز على المدى البعيد وليس على إيجاد أجوبة للأسئلة الحالية، مبينة أن ذلك جهد لابد أن تتعاون فيه الحكومات والأعمال والمنظمات التنموية ومراكز الأبحاث والجامعات ليستمر ويزدهر.

وإلى جانب المحاور سابقة الذكر، يشكل الاهتمام بالبيئة وبكوكب الأرض حجر الأساس في تحقيق تطلعات الناس وأهداف الألفية المستدامة ، فلن يجد العاملون عملاً في كوكب ميت، هكذا ببساطة بكلمات  Sharan Burrow، إن الأعمال التي ستبقى وتزدهر تلك التي تعمل على تحسين حياة الناس وتقدم خدمات ومنتجات تساعد في تحقيق أهداف التنمية المستدامة 17 التي حددتها الأمم المتحدة، إنها بذلك تتبع الميول المستقبلية وتكون في موقع قوي مستعدة للنمو والازدهار،كما تقول Katherine Garrett-Cox، الرئيس التنفيذي لـ Alliance Trust.

وبينما يجد الشباب في أمريكا الشمالية وأوربا وروسيا وآسيا أن الاقتصاد هو الأمر الأكثر مدعاة للقلق، يجد الشباب في افريقيا والشرق الأوسط أن الإرهاب وعدم الاستقرار الاجتماعي هي الأمور التي تشكل هاجساً لهم حسب نتائج استطلاع منظمة Telefonica.

A6lAGlKn8Py_6LOmq8-HTpYJ1CRuwXelcronEd1Ld_w

ومن المفارقة أن الأدوات التي يمكن أن تستخدم في تقوية الاقتصاد هي تلك التي تحصن المجتمعات من الارهاب وعدم الاستقرار الاجتماعي، فللأعمال الجيدة دور كبير في الحد من عدم الاستقرار الاجتماعي والهجرة الجماعية تلك الأمور التي تشكل خطراً حقيقاً على كل البلدان مهما كانت درجة تطورها كما بين ذلك برفيسور كلاوس شواب Klaus Schwab المؤسس والرئيس للمنتدى الاقتصادي العالمي في كتابه الثورة الصناعية الرابعة The Fourth Industrial Revolution.

هذه الأفكار التي بدأت تثبت جدواها لابد أن تجد فرصة للعمل أيضاً في مجتمعاتنا، وبالنظر إلى النخبة في العالم من مؤسسين ومدراء تنفيذيين لمنظمات فاعلة كأولئك المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي، يترسخ الاعتقاد أن الوحدات الاجتماعية التي يستطيع الناس من خلالها إحداث التغيير وتحسين الحياة هي المنظمات والأعمال الجيدة، فهي الأدوات التي يمكن من خلالها تقديم المنتجات والخدمات التي تقدم الرعاية والتعليم وشروط الحياة الجيدة والفرص التي تجعل الناس مشاركين فاعلين في مجتمعاتهم.

إن المنظمات المصصمة والمنفذة بشكل جيد والتي يشكل المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس أحدها تشكل أيضاً منارة للأفكار ومنبعاً للإلهام للأجيال، والمثير في الأمر أن إنشاء المنظمات الفعالة هو أمر يكاد يكون في حدود مقدرات كل منا، فالعمل على تطوير البيئة الجيدة لازدهار المنظمات وتشجيع مزيد من الرواد  ربما يكون الأمر الأهم الذي تحتاجه مجتمعاتنا اليوم لتتطور وتزدهر.

رؤية لتعريف الأعمال الجيدة في المجتمع

وصلتني اليوم القائمة البريدية من موقع بابل Babele وهو موقع يعرض أفكار مبدعة لخدمة أهداف اجتماعية لتصبح شركات ناشئة يتم العمل على نموذج العمل الخاص بها وخطة العمل بشكل تعاوني بين فريق العمل وبين الداعمين والخبراء في الموقع، ثم تعرض في الموقع لداعمين أو مستثمرين محتملين، وقد كان الموضوع الأول فيها يتحدث عن الحركة الكبيرة للابداع الاجتماعي ٍSocial Innovation والتي بدأت تكتسب الزخم فالكثير من الجامعات، المنظمات، حاضنات الأعمال، برامج الإرشاد، المستثمرون ذوي الرؤية يعملون على الاستثمار في شركات ناشئة للأثر الاجتماعي الذي تنتجه.

ومن هنا يدعونا “بابل” أن نجمع أطراف نظام الاستثمار الاجتماعي Social Investment Ecosystem لنقوم بإعادة تعريف الأعمال وإنشاء أعمال جيدة حقيقة، وفي هذا السياق تعرض القائمة البريدية لفيديو رائع يعرف الأعمال الجيدة، أردت أن أشارك هنا ترجمته بالعربية، وقد وجدت أنه يعطي تكميلاً وتوكيداً لبعض الأفكار التي كنت قد طرحتها في تدوينة أخرى هنا بعنوان “الأعمال في خدمة المجتمع“.

يعتقد معظم الناس اليوم أن الأعمال لا تخدم أفضل مصالحنا، وبالمقابل فإنه من غير الواقعي تخيل العالم بدون أعمال، ومن هنا فإنه من الضروري التفكير بنسخة جديدة تدعم ثقافة أعمال إنسانية ومربحة بنفس الوقت. إن

لكل شيئ كلفة وحتى نستطيع القيام بالأعمال التي تخدم أفضل مصالحنا وتلبي حاجاتنا الاجتماعية الحقيقية علينا أن نجتهد في إدخار المال للدفع لتلك الأعمال التي تلبي حاجاتنا الحقيقة، وعدم الانسياق وراء إغراءلآت تدعي أنها تلبي حاجتنا لالعليا وهي ليست إلا وسائل تلبي حاجات دنيا وتجعل منا أشخاصاً متفاخرين ومزهويين بدل أن نكون أشخصاصاً ندعم ماهو مهم وقيم في الحياة فعلاً، إن التجارة والأعمال هي طريقة أفضل لاستدامة الجهود الخيرة بدل التبرعات، وبذلك تتطابق أفكارنا وأعمالنا، فنعمل وننفق على أشياء ذات معنى تعطينا الرضى والإشباع الحيقي.

هناك ستة أمور تعتقد مدرسة الحياة The School of Life أنها ضرورية لأعمال جيدة، وهي:

أولاً: الأعمال الجيدة تكسب المال من تلبية الحاجات وليس الرغبات 

2

هناك أشياء نحتاجها بشكل أساسي كبشر لنعيش ونزدهر، وهناك أشياء نرغبها تطلبها شهواتنا والتي لا تتعلق بأي شيئ مخلص وذو معنى، نستطيع نحن البشر التمييز بين الحاجة والرغبة، ولكننا لا نعرف ماهو الجيد فعلا بالنسبة لنا، وهذا ما خلق إغراً بالرأسمالية. بالنسبة للرأسمالي لايهم من أين جنى المال، االمهم هو الأرباح سواءً تم جنيها من حاجات أو رغبات فيمكن أن نحصل عليها من بيع رباطات حذاء، مسدسات، مفرقعات أو كتب. إن هو الدفاع المعتاد عن بيع الأوساخ ، فالرأسمالية تهتم ببيع أي شيئ طالما وجد هناك من يشتريه، وهي تستغل عدم قدرتنا على التمييز بين حاجاتنا ورغباتنا عندما تكون معظم الأعمال تبع أشياءً لايحتاجها الناس. فالأعمال الجيدة لايجب أن تعرف من حيث هي رابحة أم لا ولكن من كونها تصنع أرباحها من تلبية الحاجات، وبذلك تكون الأعمال أخلاقية إذا كانت تقدم مايحتاجه الناس حقيقة.

ثانياً: الأعمال الجيدة تعمل بجد أكثر بمرتين من منافيسها 

1

إدارة أي عمل هو أمر شاق، فكيف بأعمال تريد كسب أرباحها من تلبية الحاجات، إن بيع أصابع البطاطا المقلية أسهل كثيراً من بيع الخبز الجيد، وبالمثل إدارة الجرائد الصفراء التي تعنى بالغيبة وإثارة المشاعر أسهل كثيراً من الجرائد التي تعنى بالمساءلة الجادة، وكذلك النوادي الليلية تجي أكثر كثيراً من المكتبات، ماركات الرفاهية تبيع أكثر من تعاونيات التجارة العادلة ، من الصعب أن نقوم بعمل أشياء جذابة وجيدة بنفس الوقت، وبذلك على المنتج أن يكون ماهراً في أمرين الإغراء وعمل الخير. كثير من الناس أصبحوا ماهرين في الإغراء ، مثلاً صانعو الأيس كريم ، وبالمقابل دعونا نفكر في أولئك الذين يعملون في خدمات النظام البيئ ويقومون بإنشاء مواقع تدعو إلى مكافحة الممارسات السيئة في العالم النام، قليل جداً من الناس هم ماهرون في الإغراء والخير، ليس الإغراء ضد الخير، وليس الخير هوما يطرد الإغراء، الحقيقة نحتاج إلى مهارة أفضل بكثير في التصويب، هذا هو التحدي في عصرنا أن نجعل كثيراً من الناس ينجذبون إلى الخير، يشبه النشوة التي تشعر بها عند القراءة مثلاً.

ثالثاً: الأعمال الجيدة يجب أن تكون ذات معنى 

3

ماذانريد من عملنا بالإضافة إلى المال، إننا نريد أن يكون عملنا ذو معنى، ولكن ماهو العمل ذو المعنى؟،العمل ذو المعنى هو الذي يشعرك أنه بجهودك ترفع ألماً عن أحد أو تزيد في سعادة ورضا الآخرين، وأن تترك العالم بشكل أفضل قليلاً مما وجدته، فكلما كان العمل ذو معنى كلما كان المال ذو قيمة أقل، فكر بالتضحيات التي يبذلها الناس دفاعاً عن وطنهم، أو الممرضات، أو مكتشو البيئة، والناشرون الجادون، فالدافع يأتي من خدمة هدف أعلى، فالأعمال الجيدة لا تكافئ موظفيها فقط بالمال بل بأمر يساويه في الأهمية إنه المعنى.

رابعاً: الرأسماليون الجيدون يدركون أنهم لايحتاجون المال

4

كثير من الرأسماليين الكبار لديهم مايكفي لإطعام إثنا عشر جيلاً ، ومع ذلك يدفعون باتجاه عوائد عالية ولايكتفون بعوائد تحفظ مالهم من التضخم، 30% بدل 3% مثلاً، لو أن أولئك الذين جمعون المال فهموا أنفسهم بشكل عميق لعرفوا أنهم ليسوا هنا من أجل المال ولكن من أجل الاحترام، المكانة والحب، والتي تأتي في مجتمعنا من كون المرء قد جمع الكثير من المال. إن هذا يعطينا مؤشراً مهماً في كيف يمكن لنا أن نعيد إصلاح مجتمعنا، وبذلك بجعل المكانة والاحترام بشكل مؤكد وغير مشكوك لأولئك الرأسماليين الذين اختاروا إدارة أعمالهم بطريقة نبيلة وقاموا بتلبية حاجات وليس رغبات، إن المكانة اليوم لأولئك الذين جمعوا المال بغض النظر عن كيفية ذلك، إننا نعطي القدر والاحتفاء لرجال الأعمال بقدر أرباحهم لنصنع أناساً يقودهم الزهو بشخصياتهم، بدل من أن يكون لأولئك الذين قبلوا بعوائد أقل لقاء القيام برأسمالية أخلاقية تنتج اللطف والخير للمجتمع. هدية الاحترام يجب أن تكون ليس لمن جمع قدراً أكبر من المال بل لأولئك الذين جمعوا بعض المال من القيام بأعمال جيدة.

خامساً: الوفورات الخارجية والسعر العادل

5

عادة لايعكس سعر المنتج الكلفة الحقيقة له، لأن الكثير من الموارد قد أعطيت بشكل مجاني عن غير قصد للمنتج، فالأرض يتم تلويثها وصحة العاملين تتدهور، ولكن المستهلك لايدفع تكاليف كل ذلك، إننا نتكلم كثيراً عن أسعار متدنية ولكن لانتحدث عن أسعار عادلة، فالسعر العادل هو الذي يتضمن الكلفة الحقيقة للانتاج وبذلك يكون السعر العادل هو السعر العادي. وعندما نجد أن هناك سعراً ينخفض عن السعر العادي سنعلم أن هناك اختصراً قد تم أخذه في مكان ما، فلابد أن الشركة قد عملت وفورات خارجية حملتها للآخرين بشكل مجاني، أو عاملت عامليها بشكل سيئ، أو أنهم لايجرون إجراءات جودة متقنة بدون التصريح بذلك، فإذا أردنا أن نكون مجتمعاً أخلاقياً علينا أن ننظر إلى الطريق الذي سلكه المنتج حتى وصوله إلينا ، فالعمل الجيد هو العمل الذي في كل خطوة فيه يقوم بعمل جيد وعامل على شيئ على طريقه بلطف وخيرية.

سادساً: العمل الجيد يكسب المال من الحاجات العليا للناس 

6

في عالم مثالي، على 80% من الأرباح أن تأتي من 20% من الحاجات العليا للبشر، ولكننا نجد أنه في عالمنا أغلب الأعمال تتوجه نحو تلبية الحاجات الدنيا للناس والتي تتعلق بالطاقة والغذاء والمأوى، وهي في أدنى هرم ماسلو. نعلم أن لدينا حاجات عليا للحب، تحقيق الذات، الإبداع، ولكننا لانتوقع أن التجارة يمكن أن تقدم لنا شيئا من هذا، فلانربط دفع المال لشيئ يرتبط بالخير، ولكن ذلك ممكن. الحقيقة أن التجارة مازالت سطحية في تلبية حاجاتنا العليا، إننا نحتاج أن نعيش في مدن جميلة، نحتاج إلى النصيحة والدعم النفسي، نحتاج إلى أن ندير عواطفنا، نحتاج أن نبني عائلات ممتدة وقوية عبر الأجيال، نحتاج أن نقوي عقولنا، نريد أن تعيش في مجتمعات حيث يكون عادياً أن نكون حكماء، لطفاء وقنوعين.

ختاماً …

إن أمامنا طريقاً طويلاً لنقطعها مجتمعين، أن لاتبدو هذه الأمال مثل تمهيد شارع أو بناء برج لايعني أن ليس لها علاقة بالعمل أو التجارة، فالمنتجات والخدمات يجب أن تصنع بالبراعة والإبداع الأصيل والتنظيم والجهد، أو باختصار بالعمل الشاق. علينا أن نحضر أنفسنا لعمل لاينتهي من أجل نشر رضا ممتد وواسع بين الناس، وكثير من الناس على صراع مع الرأسمالية لأن الأعمال اليوم ليست جيدة كما يجب أن تكون، فالاعتراض ليس على الأعمال ولكن على تلك التي تكون بدينة، فالأمر ليس هو التمني بأن تذهب الأعمال بعيداً ولكن بأن تصبح أفضل وبذلك نكون راضين كمنتجين ومستهلكين.

وضع “قائمة أسعار” : من أهم الوظائف الإدارية

يعتقد بعض أصحاب الأعمال أن الاهتمام بوضع “قائمة أسعار” يخص بعضاً من الأعمال والمنظمات ولا يخص بعضها الآخر، فبينما تحتل قائمة الأسعار في محلات بيع الخضار والوجبات السريعة والألبسة ومواقع بيع التجزئة على الانترنت وغيرها مكاناً بارزاً، تغيب وظيفة التسعير في أعمال أخرى هي أشد تعقيداً وأشد حاجة لهذا الأمر.

صورة

ويقصد بقائمة الأسعار أو ما يعرف بـ Price List القائمة التي تحدد أسعار بيع المنتجات والخدمات للزبائن، إنها أبسط صورة لنتاج وظيفة التسعير Pricing، فالتسعير نشاط يتضمن عمليات وضع الأسعار المحددة للمنتجات والخدمات والقواعد التي تحكم قرارات وضع هذه الأسعار ( Schindler،2012)[1]

وجدت دراسة قامت بها شركة الاستشارات الإدارية العالمية ديلويت (2012)[2] بعنوان “سعر التسعير الكفء: هل المنظر يستحق الصعود ؟” أن الاستثمار في وظيفة التسعير في المنظمة يعود على ربحية المنظمة بزيادات مهمة، وأن المنظمات التي تستثمر في تطوير الجوانب التنظيمية والعملياتية للتسعير وتحسن من التحليلات وفهم الزبائن – وبغض النظر عن حجم المنظمة والصناعة التي تعمل فيها والمنطقة الجغرافية-  تتفوق هذه المنظمات على مثيلاتها في السوق.

يتضمن هذا المقال تعريفاً لوظيفة التسعير وكيف يتم القيام بها وكيف يتم التواصل بشأن الأسعار مع الزبائن والمستفيدين في الأعمال المختلفة، ثم يشرح الاستراتيجيات الأساسية للتسعير ويعرض هرم التسعير الاستراتيجي الذي يهيكل وظيفة التسعير ويضيف فهماً أوضح للموضوع.

إذن فما هي عملية التسعير ؟

يرى شنايدر (2012)أن عملية التسعير تبدأ بوضع سعر مبدئي للبيع وتستمر بتغيير هذا السعر لتحقيق ربح أكبر، وتعتمد هذه التغييرات على فهم استجابة السوق لتغيير السعر ثم تطوير نماذج Patterns لوضع هذه الأسعار حسب الصناعة وخصوصية المنتج أو الخدمة.

إن عملية التسعير تقوم على التوازن بين أمرين لتحقيق أكبر قدر منهما معاً، الأمر الأول هو تمكين المنظمة/الشركة من الحصول على القيم الاقتصادية الأعلى الممكنة العائدة على بيع منتجاتها وخدماتها والتي يمكن للزبائن المختلفين دفعها وهم الذين يختلفون في رؤيتهم للقيمة المقدمة وفي استعدادهم للدفع، والأمر الثاني هو الاستفادة من ما يمكن أن يقدمه وجود قواعد ونماذج للتسعير في المنظمة. ولكن السؤال الذي يتبادر للذهن هو إذا كان الأربح للمنظمة أن يكون لها أسعار مختلفة للزبائن المختلفين لنفس المنتجات والخدمات، فلماذا يكون تطوير قواعد تحكم عمليات التسعير مسانداً أيضاً للربحية؟

والحقيقة أن تطوير سياسات التسعير يساعد في تنويع الأسعار – طبعاً مع تنويع ميزات الخدمات والمنتجات المقدمة بنفس الكلفة الأساسية تقريباً – مع الحفاظ على سمعة المنظمة وصورتها الأخلاقية أمام الزبائن، إلى جانب تقليل كلفة عمليات البيع التي ستجري – بدون وجود هذه القواعد – بالكثير من المفاوضات وستحتاج إلى باعة بمهارات تفاوضية عالية وربما تنتج العملية في زبائن غير راضين، كما يساعد وجود القواعد على الابحار بعيون مفتوحة عند تقلب الأوضاع والتأسيس لاستراتيجيات تضمن الربحية بل وتخطط لها في الأوقات الصعبة وأوقات الرخاء،  وأخيراً يصب كل ذلك في بناء العلامة التجارية / هوية المنظمة بشكل مدروس فالسعر ذو دور أساسي في بناء هوية المنظمة وموقعها في السوق، ويعزز دورها في جذب الزبائن المستهدفين “إن السعر هو لحظة الحقيقة” بالنسبة للزبون وهو “وقت الحصاد” بالنسبة للمنظمة.

 كيف يتم التسعير ؟

تبدأ المهمة من وضع سعر أولي، لابد أن يكون للشركة/ المنظمة فهم واضح عن أولاً كلفة تقديم الخدمة أو المنتج، وثانياً  كمية المبيعات الممكنة من أجل كل سعر، والتي تعتمد على محددات العرض والطلب في السوق، وقيمة المنتج أو الخدمة وميزاتها للزبائن وتأثر طلبهم عليه مع تغير سعره صعوداً أو هبوطاً، طريقة عرضه وقنوات التواصل معهم وحاجاتهم المادية والمعنوية التي يمكن تلبيتها نسبة للمنافسين في سياق إمكانيات الصناعة، ثالثاً أهداف التسعير المرحلية للمنظمة كالبقاء أو تحقيق الأرباح أو المبيعات أو حصة السوق أو بناء الماركة، رابعاً الدور الاجتماعي للمنظمة والقيم الاقتصادية والاجتماعية التي ترغب في تحقيقها، وعليه وبناء على هذه العوامل الأربعة السابقة الذكر يتم اختيار استراتيجيات وسياسات التسعير.

كلما كانت الخدمات والمنتجات التي تقدمها المنظمة أقل شيوعاً وتفاصيلها أقل تقييساً كلما مثل ذلك تحدياً أكبر وفرصة أفضل للابتكار في عملية التسعير، وكلما كان الاتجاه نحو البحار الزرقاء والمنتجات والخدمات الجديدة والابتعاد عن  البقاء في إطار المنافسة في البحار الحمراء التي تتقاتل فيها القروش، كلما مثل ذلك ضرورة لاستخدام طرق جديدة في التسعير واستعارة أساليب من صناعات واستخدامها في صناعات أخرى.

ومن أمثلة وضع سياسات التسعير على الويب بالعربية، ما كتبه أنس معراوي (2007)[3] عن خبرته في ميدان تسعير خدمات تطوير مواقع الويب للمبرمج المستقل، حيث عرض طريقة مفصلة لوضع أسعار “مبدئية” تعتمد على الكلفة مضافاً إليها الأرباح المرغوبة، فسعر تطوير الموقع يساوي سعر ساعة المبرمج مضروباً بعدد الساعات اللازمة للتطوير مضافاً إليه كلفة التجهيزات ومبلغاً أو نسبة إضافية تمثل الأرباح، وهي طريقة تضع المبرمج المستقل في مكان مقبول في السوق مناسباً لإمكانيات المستقل في التسويق لنفسه وفي القنوات التي يستخدمها للتواصل مع زبائنه وعرض خدماته ريثما يبني هويته /علامته التجارية الاحترافية الخاصة فينتقل إلى التميز في المنتج/الخدمة والسعر بالتأكيد جاذباً نوعية محددة من الزبائن، أو الانتقال إلى تأسيس منظمة والاستفادة مما تقدمه المنظمات من اقتصاديات الحجم ومرونة بناء الهوية/ العلامة التجارية والأدوات المتاحة للتسويق والتسعير، واللافت للنظر أنه فصل في كيفية اختيار الزبائن مسهماً في تقييس صناعة  تطوير مواقع الويب وعرض خياراته التي تضمن الربحية والتنافسية في الوقت نفسه، فقد وجد أن تطوير قواعد للتسعير تضيف إلى هويته الاحترافية الاعتمادية والموثوقية وتقوي موقعه التفاوضي أمام زبائنه وتزيد من رضاهم.

ومثال آخر ماكتبت خنساء ناجي عن التسعير للمصممين المستقلين (2012)[4] وكيف انتقلت في المراحل لتبني الهوية الاحترافية الخاصة بها وبروفايل أعمالها، ثم عادت وفصلت في الموضوع في تدوينة جديدة (2014)[5] لتذكر طريقة التسعير الثابت للتصاميم وطريقة التسعير بالساعة ثم تساءلت فيما أنه يجب على المصمم أن يتقاضى أسعاراً مختلفة من زبائن مختلفين حسب أوضاعهم وقدرتهم على الدفع.

التواصل بشأن الأسعار في ميادين العمل/ الصناعات المختلفة

من الثابت أن بعض الأعمال تتمكن من التواصل بشأن الأسعار عن طريق وضع “قائمة للاسعار” عن وحدات الخدمة أو المنتج، كالأطباء والمحامين والمدرسين الخصوصيين عن ساعات العمل المقدمة، والمدارس والمعاهد عن أجور التعليم في السنة أو الدورة، والمشافي عن أجور العمليات والغرف، ووحدات المنتجات في صالات البيع بالتجزئة ووحدات الخدمات في صالونات الحلاقة مثلاً وتكون موحدة لجميع الزبائن وتكون الإضافات التي يمكن زيادتها على الخدمة مقيسة أيضاً والحسومات الممكنة محددة وفق سياسة تسعير مسبقة، بينما يختلف الحال في أعمال أخرى مثل أعمال الديكور والدهان وحتى مبرمجي مواقع الويب والمصممين فهؤلاء عليهم أن يقدموا “تخميناً للسعر” أو “عرضاً للسعر”، أما المشاريع الأكثر تعقيداً مثل المشاريع الهندسية فيتم تقديم طلب للدخول في “مناقصة” بناء على دفتر شروط فنية يعده الزبون (Business Link UK، 2009(.[6]

ومهما تكن طريقة التواصل بشأن الأسعار مع الزبائن فإن تقييس الخدمة أو المنتج وتفصيل ميزاتها وأجزائها وتحديد أسعار تفصيلية “أساسية” لها ضروري كمرحلة أولى تأخذ بعين الاعتبار تكاليف تقديم المنتج أو الخدمة وتوقعات الزبائن لما يمكن دفعه نسبة للقيمة والمنافسين، لتشكل اللبنات الأولى لقائمة الأسعار والتخمينات وعروض الأسعار فيما بعد.

استراتيجيات التسعير

بعد إعداد قائمة الأسعار الأساسية، نأتي إلى عرض ملخص عن استراتيجيات تسعير يمكن أن تستخدم في أكثر من صناعة مثل عروض الجمع بين أكثر من منتج أو خدمة أو استحداث خطوط منتجات تتنوع بالميزات والأسعار أو بالجودة والكميات أو تنقسم إلى مراحل وخدمات أساسية وإضافية، وبذلك يتم تقسيم الزبائن إلى شرائح وجذبهم للمنتجات المناسبة وفيما يلي جدول بأهم هذه الاستراتيجيات مع أمثلة[7]، وبالرغم من أن هذه الاستراتيجيات تتحدث عن المنتجات ولكن يمكن أن تستخدم  هذه الاستراتيجيات لتسعير الخدمات تلك المعروفة والأخرى الجديدة بعد تقييسها.

من المهم أيضاً الإطلاع على الجديد دوماً في استراتيجيات التسعير، من أمثلة ذلك مقالات مايورو أندريا Mauro D’Andrea (2013) والتي يوضح أحدها التسعير باستخدام الأثر النفسي[8] والمبني على دراسات الاقتصاد السلوكي.

1. التسعير التفاضليذات المنتج/ الخدمة بأسعار مختلفة 2. التسعير التنافسيتعتمد على التسعير بناء على وضع الشركة نسبة للمنافسين 3. التسعير على خط المنتجتقدم الشركة مجموعة خطوط للمنتج ذاته بنسخ متمايزة 4. التسعير النفسيتعتمد على فكرة أن انطباع الزبون ومعتقداته عن المنتج تؤثر في تقييم السعر 5. التسعير الجغرافيتغيير الأسعار بناء على المنطقة
1.1 حسومات السوق الثانيبيع نفس المنتج بسعرين مختلفين في سوقين مختلفتين

أو بماركتين مختلفتين

2.1. تسعير الانتشارتخفيض السعر الأولى للحصول على حصة أكبر من السوق

جيدة عندما تكون هوامش الربح مجزية وهناك شريحة من الزبائن يتأثر طلبها بانخفاض السعر.

3.1. جمع أكثر من منتج في حزمةقد يؤدي رفع سعر منتج إلى التأثير على منتجات أخرى مكملة له فيتم اللجوء إلى الحزمة ، مثل التسعير في الفنادق والمطاعم وقطع وبرامج الكمبيوتر والسينما والمواد الغذائية 4.1. التسعير الغريبأقل بقليل من السعر

3.99$   أو أكثر بقليل 5.12$

5.1.  مجاني على المرفأ FOBالزبون يدفع سعر الوحدة + سعر الشحن حسب المسافة
1.2 الحسومات الدورية (الموسمية)بيع نفس المنتج بسعرين مختلفين حسب الأوقات، إحدى الأمثلة البدء بأسعار عالية ثم النزول للمنتجات الجديدة وأخذ الشرائح العليا من الزبائن ثم بالتدريج النزول إلى الشرائح الأدنى اقتصادياً. 2.2. وضع حد للتسعيروضع أسعار منخفضة لابعاد المنافسين عن الدخول في السوق. 3.2. التسعير بعلاوةوضع أسعار إضافية لنسخ فاخرة من المنتج

يكون هناك عدة نسخ من المنتج أو موديلات

4.2. التسعير المخصصالتنويع في الأسعار بدون تغيير على الميزات، مثل تغيير علب التعبئة لتبدو أكثر جاذبية بدون تغيير الحجم 5.2. التسعير الموحد لأي منطقةتضع الشركة نفس السعر بغض النظر عن البعد

تضع سعر وسطي من أجل الشحن

  2.3. وضع أسعار عالية لجودة منخفضة (غير أخلاقي)جيدة إذا وجد مجموعة من الزبائن تعتقدأن: الجودة + السعر = 0، أو قد يكون الحصول على المعلومات عن الجودة للزبائن صعباً 3.3. التسعير المجزءتجزئة السعر إلى أجزاء مع تقسيم المنتج إلى أجزاء أو مراحل

مثل سعر أساسي ثم اشتراكات إضافية

4.3. التسعير بناء على ميزة واحدةزيادة السعر بناء على تغيير ميزة واحدة 5.3. التسعير حسب المنطقةفي الوسط بين FOB وبين التسعير الموحد
  2.4. زيادة الأسعار بناء على زيادة الميزاتجيد للتقليل من حدة حروب الأسعار التي تجعل الجميع يخسر 5.4. التسعير مع مص كلفة النقلمن أجل جلب زبائن من مناطق أخرى

 هرم التسعير الاستراتيجي[9]

طورت مجموعة التسعير الاستراتيجي في كامبردج (2005) موديل هرم التسعير الاستراتيجي، مبيناً الأمور التي تعتبر الأساس والتي يجب أن يبني عليها التسعير تباعاً، من أجل من أجل فهم أعمق للأمور الهامة التي تتفاعل مع بعضها لتبني استرتيجية تسعير فعالة. يتألف الهرم من خمسة مستويات:

صورة

المستوى الأول: إنشاء القيمة

وتتعلق بفهم المسوقين للقيمة التي يحصل عليها الزبائن عند شراء المنتجات أو الخدمات مع ما يقابها من القيمة المقدمة من قبل المنافسين، وتحتاج إلى فهم عميق لحاجات الزبائن والتي تمكن المسوق من تحويل ميزات المنتج/ الخدمة إلى منافع للزبون والتي تترجم إلى تخمين للقيمة (أثر المنتج على واردات وتكاليف الزبون) ومن الجدير بالذكر أن القيمة ليست اقتصادية دائماً ولكنها غالباً ما تصب فيها في النهاية. المهم ان على الشركة أن تعرف ماهي القيمة التي يرضى الزبائن بدفع قيمتها في كل شريحة أو مجموعة وتصميم منتجات على أسواق مختلفة تلبي حاجات مختلفة.

المستوى الثاني: الهيكلية السعرية

المهمة هنا تتعلق بوضع استراتيجية سعرية تجعل السعر والقيمة على توازي، وتتمثل في وضع سعر من أجل كل شريحة زبائن وتصميم منتجات وخدمات وعروض تتناسب معهم، حيث تختلف القيمة التي يقدرها الزبون حسب الزبون نفسه وحالته. تتضمن الهيكلة السعرية تعريف الواحدات التي تمكن المسوق من الحصول على القيمة الاقتصادية في الشرائح المختلفة والاستفادة من فروقات كلفة تقديم المنتج/ الخدمة. مثل جعل خدمات الشحن فوراً أغلى من تلك المخططة ففيها يتم جعل الزبائن يدفعون لما يقدرونه، ولنذكر مثال آخر عن الفواصل أو “القواعد” ما تقوم به خطوط الطيران من تقديم حسم للرحلات التي يتم تخطيطها مسبقاً –زبائن العطلات، بينما تعطى برامج مرونة في تخطيط الرحلات لزبائن آخر – زبائن الأعمال.

المستوى الثالث: التواصل بشأن السعر والقيمة

يختص هذا المستوى بالادوات التي تستخدم لتعريف الزبائن بالفوائد والمزايا التي سيحصلون عليها بشراء المنتج/ الخدمة، ويتضمن ذلك تطوير أدوات التواصل والرسالة التي تريد الشركة إرسالها لشريحة الزبائن المستهدفة والتي تتضمن القيمة الاقتصادية (المنفعة التوفير أو الواردات الناتجة عن شراء المنتج) أوالنفسية الاجتماعية للخدمة أو المنتج. وتتنوع من تطبيقات تعطي تخمين للفائدة المرجوة إلى صور وأحداث وحملات للعلاقات العامة.

المستوى الرابع: سياسات التسعير

ويقصد بها القواعد التي يجب على البائعين الالتزام بها والتي تستخدم للتأثير على سلوكيات الشراء لدى الزبائن، فعلى المسوقين أن لا يضعوا الأسعار والحسومات بناء على توقعات الزبائن بل هذه القواعد يجب أن توضع لتشجيع السلوك الربحي للزبائن وإدارة توقعاتهم.

المستوى الخامس: مستوى السعر

ويختص هذا المستوى بمقدار السعر نفسه والذي يجب أن يبنى على موديل للقرار يعكس استجابة شريحة الزبائن لكل مستوى سعري للقيمة المقدمة في نسخة من الخدمات/ المنتجات، ويعتمد هذا الموديل التفاعلي على تجميع معلومات عن الزبائن، المنافسين، الكلفة، أهداف الشركة الاستراتيجية لوضع السعر الصحيح الذي يحقق أفضل ربحية على المدى القريب والبعيد.

خاتمة

الاستثمار في وظيفة التسعير في المنظمة ذو أثر مباشر على الربحية، وعلى قدرة المنظمة على تمويل أعمالها والمضي نحو تحقيق أهدافها، فعملية التسعير تضمن أن لا تخسر المنظمة/الشركة القيم الاقتصادية وكذلك الاجتماعية الناتجة عن خدمة شرائح الزبائن المتنوعة أولئك الذين لا يملكون ميزانيات للشراء وأولئك الذين يقدورن الأمور بطرق مختلفة. وفي نفس الوقت تسعى الأعمال إلى أن تستطيع الإمسكاك بالقيمة الاقتصادية التي يمكن أن يدفعها الزبائن لقاء خدماتها برضى وتقدير للقيمة المقدمة نسبة للمنافسين أو كما يقال بالتعبير الانكليزي إنها تسعى لعدم “ترك مال على الطاولة” بل الاستحواذ على القيم الاقتصادية التي يمكن تحصل عليها.

نعم “المنظر يستحق الصعود” فلابد من إعطاء وظيفة التسعير والتي تتطلب تنظيماً مؤسساتياً وعملياتياً الأولوية الكافية في الأعمال والمنظمات الصغيرة والكبيرة والمتوسطة .

 

 

[1] Schindler R. M. (2012) Pricing Strategies: A Marketing Approach, chapter 1, page 15. link

[2] Meehan, J. Port C. D. Kahlon S. (2012) The price of pricing effectiveness: Is the view worth the climb? link

[3] القواعد الأساسية لكل من يرغب بالعمل كمصمم / مبرمج مستقل (1) – (2)، مدونة أنس أونلاين 2007 رابط1 – رابط2

[4] التسعير لمصممي الجرافيك، مدونة خنساء أبو ناجي 2012 رابط

[5] كيف تسعر أعمالك دون أن تخسر، مدونة خنساء أبو ناجي 2014 رابط

[6] Price lists, estimates, quotations and tenders, Business Link UK, GOV.UK/Business, 2009. link

[7] Adapted from this file

[8] The Science of Pricing: 7 of the Best Product Pricing Strategies [Infographic]  , link

[9] Hogan J., Nagle T. (2005) What is Strategic Pricing ? SPG Insights. Link