الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان

show.jpgفي هذه المقالة نظرة مختصرة إلى علاقة الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان ، ومن ثم عرض مقتضب لمفهوم الكرامة الإنسانية في المجتمعات العربية والإسلامية، ومقارنتها مع الكرامة الإنسانية في المجتمعات الاسكندنافية وربط كل ذلك بالدعوة إلى تغيير السلوكيات والسياسات الفردية والمجتمعية من أجل أن تحترم بشكل أفضل الكرامة الإنسانية والتي هي أساس التكليف الرباني لكل البشر على اختلاف جنسهم ولونهم ودينهم، رجالاً كانوا أم نساء.

إن حقوق الإنسان التي يتم التحدث عنها اليوم والتي أخذت شكلها ومضمونها المعاصر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) والذي يدعى إختصاراً UDHR ، قد قامت على المبدأ الذي يقرر أن لكل إنسان حقاً في الكرامة الإنسانية، وقد وقع هذا الاتفاق 48 دولة من بينها سوريا ودول إسلامية وعربية أخرى، حيث تم الاتفاق على ضمان الكرامة الإنسانية أو ما سميت بالانكليزية human dignity كأساس لحقوق الإنسان، يظهر ذلك جلياً في المادة الأولى “يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء.”

وإذا أنظر في هذه الكلمة “الكرامة الإنسانية”، أتذكر قول الله عزوجل في كتابه الكريم “ولقد كرمنا بني آدم” (سورة الإسراء، 70)، واتذكر المعاني المرادفة للكرامة الإنسانية عند المسلمين فأتذكر المناط والمسؤولية والعقل والإرادة وحمل الأمانة، وأتذكر قول الله عزوجل “إني جاعل في الأرض خليفة”(سورة البقرة، 30)، وقول الله تعالى عند خلق آدام “ونفخت فيه من روحي”(سورة البقرة، 70) ففي كل إنسان نفحة ربانية جعلت منه هذا الكائن العاقل، فالكرامة الإنسانية وأنها لكل بني آدم كائناً من كان رجلاً أم امرأة، طفلاً أم بالغاً، مسلماً أم غير مسلم، مواطناً أم غير مواطن، حق لكل إنسان.

إن كثيراً من الممارسات في الدول العربية والإسلامية  على المستوى الفردي أو المجتمعي لاتعكس تكريم الله للإنسان ومبدأ حفظ كرامته الإنسانية في المعاملات اليومية في العمل والخدمات الحكومية وفي التعامل مع الأطفال في المنازل ومع الأجانب من عاملين مهاجرين وافدين أو لاجئين وفي احترام كرامة المرأة وحقوقها وحرياتها وواجباتها، تلك الكرامة الإنسانية التي تمكن كل البشر من القيام بمسؤولياتهم في خدمة الإنسانية وإعمار الأرض، فلا مسؤولية دون حرية وسلطة كما هو معلوم، حتى أن الثقافة الشعبية تعتبر حقوق الإنسان مفهوماً غربياً لايمكن تطويره ليتماشى مع ثقافتنا، فلا نستفيد منه في تقويم مجتمعاتنا ولا في التواصل مع الحكومات في بلادنا مع أن الالتزام بمعاهدات حقوق الإنسان على المستوى الدولي والتي صادقت عليها كثير من الدول العربية والإسلامية يتم بشكل طوعي يحترم اختلاف الثقافات، فلماذا لا نجتهد في تفعيل حقوق الإنسان التي تشمل العالم كله في مجتمعاتنا فنلبسها ثوبنا على المستوى الشعبي كما يحصل على المستوى الدبلوماسي.

ولعل مما أثار اهتمامي ودفعني للكتابة في هذا الموضوع،  أن مفهوم الكرامة الإنسانية عند العرب والمسلمين يشبه مفهوم الكرامة الإنسانية عند السويديين الاسكندنافيين بشكل عام  مايدعى باللغة السويدية värdighet ، حيث أجريت دراسة لغوية ومعرفية، سلوكية وقيمية عن معنى الكرامة الإنسانية، قامت بها مارغاريتا إدلوند و زملاؤها (2013) من أجل فهم التحديد المعرفي والسياقي لمفهوم الكرامة الإنسانية في سبيل فهم السلوكيات الأفضل التي يجب أن يتبعها الممرضون والممرضات عند تعاملهم مع كبار السن من أجل احترام كرامتهم الإنسانية بالشكل الأمثل.

لقد ربطت الدراسة بين المفهوم اللغوي القيمي والسلوكيات، مدفوعة بحس أخلاقي يرى ضرورة احترام وتمكين كل إنسان من الإحساس بكرامته الإنسانية بمن فيهم المسنيين، فاعتمدت على تصميم منهجي للترجمة الذي يعنى بالمضامين اللغوية والدلالية للكلمات hermeneutics، واتبعت الدراسة موديل إريكسون المؤلف من خمسة أجزاء، ففيه يُعنى الجزء الأول بالدراسة الدلالية والمعرفية للمفهوم ومرادفات الكلمة، والثاني بتحليل نصوص فلسفية وثيولوجية في التقاليد الاسكندنافية لتوصيف الكلمة في استخداماتها المختلفة، أما الثالث فاعتمد منهجية دلفي والتي يتم فيها سؤال 7 خبراء معاصرين في مجالات مختلفة عن التصورات المرافقة لطبيعة الكرامة الإنسانية كتابةً، أما الجزء الرابع فيقدم صورة مركبة عن الكرامة الإنسانية من وجهة نظر علم الرعاية والتمريض، وآخرها القسم الخامس وهو حوار مع 6 مسنين سويديين عن توصيفهم للكرامة الإنسانية مع التأكيد على فهم ما تمثله هذه الكلمة في السياق الذي يعنيهم.

وقد وصلت الدراسة إلى أن الكرامة الإنسانية والتي تعبر عن قيمة الإنسان وسموه تستمد تطورها من تناغم المسؤولية والحرية، وتناغم الخدمة والواجب، فاعتبروا أن الكرامة المطلقة وهي البعد الروحي تكون في التسامي في هذا الاتجاه،  أما كيف تظهر الكرامة الإنسانية ويتم التعبير عنها في سلوكيات ومظاهر فهي أمور نسبية وتختلف باختلاف البيئة الاجتماعية والسن والمكان وحاجات الإنسان المتغيرة، واعتبروا تلك الأبعاد الجسدية والفيزيائية للكرامة الإنسانية.

Untitled13.png

مفهوم الكرامة الإنسانية ، إدلوند وزملاؤها (2013)

لقد أثار هذا المنهج البحثي إعجابي، لأنه يربط  وجهة النظر الأخلاقية والتي ندركها على المستوى اللغوي الذي نتواصل به مع من حولنا في مجتمعنا ومع النصوص التي تعنينا من جهة وبين السلوكيات والإجراءات والسياسات ومن ثم اتخاذ القرارات بحيث يتم التواصل مع المعنيين لتحقيق مفهوم قيمي مهم وهو الكرامة الإنسانية، وإذ أدعي أن مفهوم الكرامة الإنسانية في الثقافة العربية الإسلامية وفي مجتمعنا المعاصر يشبه ذلك المفهوم التي يتكلم عنه الاسكندنافيون، فإني بحاجة إلى دراسة مماثلة لفهم الاختلافات والتشابهات بشكل أدق، إلا أن تصميم هذه الدراسة من حيث الأسلوب والأهداف لجدير بأن تكون مثالاً يحتذى.

إن ما نتعبد به الله – نحن المسلمين – هو إعمار الأرض وإصلاح النفس، وهذا قائم على احترام وتمكين كل فرد من الأسرة الإنسانية من الإحساس العميق والحقيقي بالكرامة الإنسانية لينطلق كل فرد في العمل والبناء، إن ذلك لايتحقق إلا بإعطاء كل ذي حق حقه، في سياق تفاعل حقوق الإنسان مع الحقوق المجتمعية الأخرى، لنكون بني آدم أولئك الذين كرمهم الله واستخلفهم.

 

للإطلاع على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، الأمم المتحدة ، على الرابط باللغة العربية، وعلى معاهدات حقوق الإنسان التي صادقت عليها الدول، باللغة العربية على الرابط، وتلك التي صوتت للاعلان العالمي لحقوق الإنسان هنا

أما الدراسة المذكورة أعلاه باللغة الانكليزية فهي على الرابط:

Edlund et. al (2013) Concept determination of Human Dignity, Nursing Ethics, SAGE Journals

مبادئ الحوكمة الرشيدة وحقوق الإنسان،هل تملك كمون توحيد الرؤى في مجتمعنا؟

people-network-collaborative-economy-thinkstock

لابد بداية من تعريف مفهوم الحوكمة وهي مجموعة العمليات والمبادئ والمؤسسات التي تتطلبها إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية لمؤسسة أو بلد أو عدة بلدان أو حتى على مستوى العالم، وتتعلق بمن يتخذ القرارات ، وبم تتعلق وكيف يمكن تحديد الحقوق والمسؤوليات، أما مفهوم الحوكمة الرشيدة فيقوم على مجموعة من الأهداف والمبادئ والمعايير والتي يتم تعريفها من قبل المنظمات العالمية والجامعات ومعاهد الأبحاث المعنية بهذا الأمر، من أهم المعايير في هذا الموضوع هو الموديل القائم على ثلاثة معايير أساسية وهي:

  • الاستجابة والمحاسبة،
  • الشفافية،
  • المشاركة.

إن محاسبة القادة في المؤسسات العامة والخاصة الربحية وغير الربحية لا يمكن أن يتم دون ضمان سيادة القانون على الجميع وضمان الحق في الحصول على محاكمة عادلة، فمستوى الاستجابة والمحاسبة في المؤسسات مرهون بقدرتها على تلبية احتياجات ورغبات المتأثرين والمؤثرين في أعمالها، واستطاعة هؤلاء أن يعبروا على رضاهم أو عدمه عن أداء هذه المؤسسات، وحتى يستطيع الناس تكوين آراء مسؤولة لابد من أن تلتزم هذه المؤسسات بالشفافية وتضمن حقوق الناس بالوصول إلى المعلومة التي يحتاجونها عن المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، وأن يستطيعوا التعبير عن آرائهم النقدية دون تمييز وأن يعملوا مع الآخرين من ذوي الاهتمام المشترك وأن يشاركوا في صناعة القرار وإدارة هذه المؤسسات وفي مناقشة وتغيير الإجراءات والقواعد والقوانين ونقدها لتكون أكثر ملائمة للناس ومصالحهم، إن هذا بدوره يعود على الناس والمؤسسات بالتفاهم وبناء جسور الثقة والتمكين المشترك، مما يساهم في التقدم الاقتصادي والاجتماعي الذي يساهم في توزيع عادل للثروة ويأخذ بعين الاعتبار الفئات الأكثر هشاشة وفقراَ، وهكذا فإن الحكم الرشيد يتطلب ضمان حقوق الإنسان الأساسية.

فهل أن تكّون هذه المبادئ أرضيةً مشتركة نستطيع الانطلاق منها لبناء مجتمعنا مهما بلغت انقساماتنا المجتمعية والسياسية والثقافية والأيديولوجية؟

سؤال برسم الإجابة …

لمزيد من المعلومات عن هذا الموضوع، مقالة للبرفيسور أنيا مهير Anja Mihr من كتيب ساغ في الحوكمة وحقوق الإنسان، ساغ للنشر، على الرابط (بالانكليزية)*.