بين المحلي والعالمي: نسيج إنساني واحد

في هذه الخاطرة، إضاءة على النسيج الإنساني الواحد الذي يجمعنا نحن البشر، إننا نعيش أفراداً، نبني علاقات، ونبني مجتمعات محلية، ويمكن أن نتواصل على مستويات أخرى لنكون فضاءات أوسع، إذا كان مفهوم “المحلية” هو البذرة ، فإن مفهوم “العالمية” هي الحقل الممتد الذي تتسع أطرافه لتشمل كل البذور الحية والنباتات اليانعة، فإذا كان لب الحياة في تقوية مجتمعاتنا المحلية فإن الحياة الرغيدة تكمن في تواصلنا كأفراد ومجتمعات وثقافات لنبني قيماً تجمعنا وحياة ذات معنى.

بدأت هذه الأفكار تتبلور لدي عندما بدأت بحضور جلسات أسبوعية تضم مجموعة متنوعة من الشباب والشابات معظمهم يسكنون ويعيشون في أوربا، بعضهم أبناء تلك البلاد وبعضهم مهاجرون أو لاجئون أتوا إليها من آسيا وإفريقيا وأمريكا، نتبادل وجهات النظر في برنامج من إعداد وتصميم منظمة تدعى “منظمة تبادل وجهات النظر” وبالإنجليزية  Sharing Perspective Foundation من أجل دراسة القضايا المتعلقة باللجوء والهجرة، إنها تجربة رائعة أن أشعر بالقرب من أناس يختلفون عني في كثير من الأشياء ولكننا ومع ذلك نشعر أن هناك الكثير مما يجمعنا.

من الأمور التي برزت أثناء تبادل وجهات النظر هو الفهم الجديد للشباب للتاريخ المحلي والعالمي وترابطهما، وكيف تم إعادة كتابة التاريخ في كثير من دول العالم ليدعم أيديولوجيات الدول القومية وطريقتها في النظر إلى الأمور، لقد ذكر أصدقائي من إسبانيا كيف أن مصطلح “الغزو العربي” ليس مصطلحاً دقيقاً وأن استيطان العرب لشبه الجزيرة الايبيرية (إسبانيا والبرتغال اليوم) لحوالي 800 عام لم يكن احتلالاً، وأن الثقافة الاسبانية اليوم هي مزيج لتلك الحقبة مع مكونات أخرى، وهم يعتبرونها جزءاً من تكوينهم الثقافي فهي تجعلهم جزءاً من محيطهم الثقافي والجغرافي وأن هذه هي طريقة أكثر صحة لفهم العالم، إن هذا مثال على أن العالم اليوم لم يعد محصوراً ضمن الدول القومية وأن الناس بدأت ترى الأمور بطريقة أخرى أكثر عالمية، إننا نحن البشر نعيش تجربة إنسانية اجتماعية لها ماض وحاضر ومستقبل، تُنوعها الظروف والشروط والجغرافيا وكثير من الأمور التي ترسم مسارها وتحدد طريقة تطورها المستقبلية في مكان ما  وفي زمان ما، بقدر ما نحتفل بتنوعنا بقدر ما ندرك أننا متشابهون وأنه يمكننا أن نتعاطف ونفهم أكثر لو تواصلنا وتعرفنا على بعضنا.

نعم إن خلق فرص للتواصل العالمي والمحلي هو أمر في غاية الأهمية، أكاد أجزم أنه الأمر الأكثر أهمية لبناء المجتمعات الإنسانية المتمدنة، إن ذلك يتطلب خلق “مجال عام” يتعرف فيه الناس على بعضهم، يشحذون قيمهم، يبنون فضائهم وفضائلهم المدينة، ويحلمون معاً بالمجتمع الجيد الذين يريدون العيش فيه، إن عالمنا ليس إلا العلاقات التي نبنيها مع من حولنا، وإذا بدأنا بإعطاء الفرصة للناس على اختلاف طبقاتهم وثقافاتهم وتوجهاتهم للتعارف وتبادل وجهات النظر وعمل مشاريع معاً في إطار خاص و إطار عام ، عندها —ربما- يمكننا أن نحلم بمستقبل أفضل، ليس فقط على المستوى المحلي وإنما المناطقي والوطني والعالمي.

هنا يبرز الدور الذي تلعبه الحدود بين الدول، جوازات السفر، تأشيرات الدخول وغيرها من الأمور التي يستخدمها السياسيون – بشكل عام-  ليبقوا الناس في أفقهم الضيق وفي مصالحهم الخاصة، إن تلك الأشياء المادية ليس فقط هي ما يفرقنا، إن ما يفرقنا أيضا نظرتنا لأنفسنا، “هم” و “نحن” أيا كانت المجموعة وأيا كان الاختلاف، إنها حدود في عقولنا، تلك التي تصنعها المجتمعات والنخب لتحافظ على الحالة الراهنة وبذلك تتزايد الاختلافات بين الناس من أديان مختلفة، بين الأغنياء والفقراء وبين المهاجرين والمضيفين وبين الناس من دول أو مناطق شتى في نفس الدولة أحياناً.

إن التكامل والتمازج بين المحلية والعالمية هي سمة عصرنا، وبقدر ما استطاع الأجداد بناء مجتمعاتهم في أثنا وفي المدينة المنورة، بقدر ما يبدو أننا نبتعد عن بناء المجال العام الذي يسعنا جميعاً والذين يمكن لنا أن نشعر فيه بإنسانيتنا وقيمتنا كبشر أفراداً وجماعات.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s