إدارة الموارد البشرية الإسلامية

مثلما اتجه الناس إلى المصارف الإسلامية لأنهم أرادوا الابتعاد عن الربا ومايتبعه وتحقيق رسالتهم الإسلامية في إعمار الأرض والإنسان ولضرورة المؤسسات المالية لمعاشهم وتطورهم، كذلك يتجه الناس إلى إدارة الموارد البشرية الإسلامية لأنهم يريدون تجنب الحرام وتحقيق رسالتهم الإسلامية وكذلك لضرورتها في بناء مؤسسات ناجحة.

تتميز إدارة الموارد البشرية الإسلامية أنها يجب أن تكون “شرعية” لاتخالف الدين الإسلامي وتحقق مقاصده، و”فعالة” تضمن استمرار عمل ناجح وتحقق رسالته.

Advertisements

إسهام عالمي أم تنمية مجتمع محلي!

stock-vector-small-world-vector-illustration-68490127يشترك الناس الناجحون وذوي الإسهامات المميزة في المجتمع وعلى مستوى العالم بشغفهم وحبهم واستمتاعهم بأعمالهم، يقودهم سعي لعالم أفضل وبناء يتعدى مصالحهم، إنهم يركزون على نقاط القوة ويستغلون الفرص التي تأتي في طريقهم ليخرجوا بأفضل النتائج، إنهم يتعاونون ويعملون مع أكفأ الناس في مجالاتهم، ويشاركون في بناء أقوى المؤسسات في محيطهم، يداومون التفكير والنقاش والعمل والإنتاج العلمي والمؤسساتي، فهم يعملون ويتعلمون ممن هم أكثر خبرة منهم وفي مؤسسات تتمتع بالإمكانيات لتأمين معيشتهم وتؤمن لهم كل ما يلزمهم للتطور والإبداع، إنهم يطورون مسارات مهنية متميزة وينمون مجتمعاتهم المحلية ويقدمون اسهامات حضارية وإنسانية.

إن تطوير مسار مهني وتقديم إسهام فردي ومؤسساتي مميز على مستوى العالم من جهة و تنمية المجتمع المحلي وبناء الأجيال من جهة أخرى لاتأتي متعارضة لبعض الناس في بعض المجتمعات، بينما على الناس في مجتمعات أخرى أن يختاروا بين الأمرين، أو أن يبدعوا طرقهم الخاصة.

فمثلاً إن مهارات تخطيط وإدارة المسار المهني والتي يتطلبها كل فرد لم تعد حكراً على قلة من الناس أولئك الذين يحظون بفرصة للتوجيه والتدريب عالي الجودة ، فقد أصبحت الدورات التي توجه الشباب وتصقل المهارات الإدارية والشخصية والتقنية مقدمة مجاناً لأعداد كبيرة من الناس، تلك التي تعرف بـ MOOC، فمع بدء كل يوم تفتتح مئات الدورات وتنشر آلاف المقالات، إذ ثبت أن هذه المعلومات تغير حياة الكثير من الناس عن طريق تفاعل فعال بين المعلومات وعناصر في المجتمع المحلي قد تؤدي بهم للتغلب على الفقر والبطالة، إلا أن الإسهام العالمي في مجال معين يدعمه أن يحتوي المجتمع المحلي عناصر بعينها.

إننا في عصر مليىء بالأشياء المثيرة، إلا أنه أيضاً مليىء بالسراب والالتباس، إننا في عصر يضيىء فيه الإشعاع الحضاري للجميع، إلا أنه لا يدفئ إلا قلة من الناس، أصبح بإمكان الشباب في مجتمعاتنا معرفة كيفية تطوير مسار مهني مميز على مستوى العالم ولكنهم لايملكون – في غالبيتهم – كل الأدوات الكفيلة بذلك، إن الكثير منهم عليه أن يختار بين تنمية مجتمعه المحلي ومساعدة أبناء بلده والإسهام في نمو حضارته وبين تقديم إسهام إنساني مميز على مستوى العالم.

قديماً وفي في زمن ليس ببعيد ، كان انتقال الإشعاع الحضاري الإنساني والذي يمّكن الناس من التعاون في تحقيق المنجزات الحضارية واستلهام الأفكار واستثمار الكفاءآت يعتمد على تخطي عدد من العتبات تضمن التقارب أو الالتقاء الجغرافي وإمكانية تبادل المعلومات وفهم اللغة والقدرة على التواصل الثقافي والقيمي في ظل قانون أو نظام يضمن حركة الأشخاص والبضائع والأموال وإمكانية العمل بشكل رسمي بنّاء، إن توافر هذه الشروط ليست بالأمر الميسر، لذا فإن التعاون الحضاري كان يتم في شروط وأماكن محدودة في العالم، وكان حدوثه يعني ثورات وبزوغ حضارات ودول.

لقد أمنت ثورة المعلومات والاتصالات تكسير عدد من الحواجز لعدد كبير من الناس، إذ أمكن تبادل المعلومات والاتصال وحتى تبادل الصوت والصورة وفهم اللغات، وبدأ الناس بالتقارب الثقافي والقيمي – وإن كان يتم محدوداً وغامضاً أحياناً –  إلا أن صعوبات حركة الأشخاص ما تزال قائمة منها ما يتعلق بتكاليف الانتقال العالية – التي لاتتناسب مع الدخل في بعض المجتمعات – وأخرى تتعلق بإجراءآت الفيزا والقوانيين التي لاتضمن العمل أو التعاون في إطار قانوني للناس من جنسيات مختلفة، بالإضافة إلى قوانيين حركة الأموال والتي تتأثر بتغيرات السياسية، فما زال من الصعب على الناس تطوير نفس المستوى من الكفاءة وجودة المؤسسات، وذلك لتفاوت حظوظهم في الحصول على الفرص في إطارهم الجغرافي الذي يمكنهم من العمل والانجاز، إن السراب يكمن في أن الشباب يعتقدون أنه يمكنهم الانجاز في البحث وتقديم الأعمال المميزة دون المحيط المساعد والمؤسسات الداعمة والخبراء المتقدمين، أو أن اسهاماتهم عن بعد تعني تنمية للمجتمع المحلي دون أعمال على الأرض، إن ذلك يشبه رؤية الشمس وعدم القدرة على الاستفادة من دفئها وإشعاعها.

لايمكن للإشعاع الحضاري أن يحصل عن طريق تبادل المعلومات والأفكار وحتى الصوت والصورة وفهم اللغات المتبادل فقط، إنه يتطلب الإلتقاء بالناس وتمضية الوقت معهم وبناء علاقات الثقة والتعاون الحقيقي في إطار قانوني سياسي مالي يمكن الناس من الانتقال والعيش والعمل معاً، إنه يعني أيضاً أن المجتمع المحلي لايمكن أن يتطور بشباب يعيشون خارجه، فهل يمكن للتعاون بين المقيمين والمتطوعين والخبراء وذوي التجارب والمؤهلات والأموال في العالم أن يؤمن ما يترك للأجيال القادمة، فلا تخسر البلد شبابها ولايخسر الشباب تطورهم المهني وفرصتهم للتميز على مستوى العالم، فربما يحقق التعاون على هذا المستوى تأمين الحاجات المعاشية وفي نفس الوقت تأمين متطلبات البحث والتفكير والعمل والإبداع.

إن هذا الهاجس بين القيام بإسهام عالمي وبين تنمية المجتمع المحلي موجود في كثير من الأماكن في العالم، بين العيش في المدن الكبرى أو في الضواحي النائية، إنه الشغل الشاغل لصانعي السياسة وقادة المجتمعات والأعمال الاجتماعية والباحثين، إن تطوير مساحات الإبداع والعمل للأجيال في كل بقعة من البلاد هو مايحلم به الناس فتراهم يبدعون الأساليب ويمولون البنى التحتية والمؤسسات الحاضنة عرقاً وجهداً وفكراً ووقتاً ومالاً وإبداعات تقنية وإدارية وقانونية وسياسية.

من المفيد فهم هذه التجاذبات بوضوح والتفكير بها، إن ذلك يمكن المرء من تخطيط حياته ويجعله واعياً بالمساومات والتضحيات، بحيث يحقق شيئاً من الأمرين فيكون له اسهامه الحضاري والمحلي وكفاءته العلمية والعملية، كثير من الشباب يعي هذه التجاذبات فترى بعضهم يدرس في جامعات ممتازة على مستوى العالم ثم يعمل في أماكن ترفد ثقافته وحضارته، وبعضهم يعود ليعمل في مجتمعه ويساهم في بناء مؤسسات بلده ويظل على تواصل مع المجتمعات العلمية ويلتحق بالدورات الاحترافية العملية باستمرار، وبعضهم يبتدع الطرق لدعم مجتمعه فتراهم يتعاونون مع شباب آخرين ويستفيدون من وسائل الاتصال لتقديم خبراتهم فيلهمون الشباب للعمل والابتكار، ويقدمون خبرات ومهارات لا غنى عنها، وبعضهم يكتفي بالاسهام في تطوير مجتمع محلي غير ذلك الذي نشأ فيه فيكون له اسهامه في المجتمعات المحلية الأخرى يبني أفكاراً وعقولاً وانجازات.

إن التكامل بين الإسهام العالمي وتطوير المجتمع المحلي يكمن في التعاون بين الداخل والخارج بإسهامات من مواقع مختلفة ينتج على الأرض ماينفع الناس والأجيال والإنسانية، ويكمن أيضاً في تطوير البنى التي تكسر مابقي من حواجز أمام تكامل وتعاون حضاري أوسع.