صورةمقدمة

لعل من الأشياء الجميلة التي دعا إليها رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم والتي يتعاظم دورها في عالمنا المعاصر هي الحض على الأوقاف وتنظيمها، حيث تسن لها القوانيين لتعزيز دورها في التنمية ومكافحة الفقر وتقوية المجتمع المدني.

ولكن ماهو الوقف الإسلامي الذي نتحدث عنه، وكيف يتعاظم دوره في عالم اليوم، سنتحدث هنا باختصار عن الوقف الإسلامي كما أمر به رسول الله، وحال الأوقاف في البلاد الإسلامية وفي شرق المتوسط، وأمثلة الوقف أو مفهوم قفل الأصول في العالم اليوم، والتطورات التي حدثت لتشجيع الناس على الوقف في بعض البلدان العربية بما فيها أدوات إنشاء الصيغة الوقفية لنختم بتحية لأولئك الذين يوقفون من أموالهم للأمة.

الوقف الإسلامي

فالوقف هو حبس الأصل وتسييل الثمرة، حسب قوله صلى الله عليه وسلم ” لايباع أصلها ولايوهب ولايورث”[1]، ويكون الأصل أي شيئ يتم به كسب المال أو يتم به تأمين خدمة للناس فلا يتم التصرف به ونقل ملكيته وإنما يستخدم نفسه أو تنفق ثمرته في أعمال الخير وفي إصلاح وتطوير الأصل وأجور المشرفين أو النّظار ومعيشة الأبناء في كثير من الأحيان.

فإنشاء وقف إسلامي هو بمثابة إنشاء مؤسسة اقتصادية ذات وجود دائم أو مؤقت حسب نوع الوقف، فهو عملية استثمار تراكمي للمستقبل، ولبناء ثروة إنتاجية للأجيال القادمة، توزع خيراتها المستقبلية على أغراض الوقف بشكل منافع وخدمات أو إيرادات وعوائد.

والوقف قطاع ثالث لايدخل في القطاع الخاص الذي يراد به المنفعة الشخصية ولا القطاع العام الذي يؤل أمره إلى الحكومة، فعن ابن عمر رضي الله عنه قال” أصاب عمر أرضاً بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس منها فكيف تأمرني به؟ قال: إن شئت أصلحها وتصدق بها، فتصدق بها عمر أنه لايباع أصلها ولايوهب ولايورث في الفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل لاجناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقاً غير متمول فيه”[2].

الوقف في البلاد الإسلامية تاريخياً

ومن الملاحظ أن إدارة الوقف في بعض البلاد الإسلامية وخاصة شرق المتوسط ومنها سوريا تعود إلى الدولة وهذا الأمر حديث نسبياً فقد حدث هذا التغيير على الأوقاف التي كانت إدارتها للنّظار يعينهم الواقف حين أنشأت وزارة الأوقاف التي أوكلت لها مهمة إدارة الأوقاف الإسلامية المباشرة بنوعيها الديني والخيري كما أوكل إليها دور الإشراف على نظار الأوقاف الإسلامية الاستثمارية والذرية (العائلية التي تنفق أموالها على الذراري) وذلك في منتصف القرن التاسع عشر حيث صدر قانون الأوقاف العثماني، والذي كان مسوغه الفساد في دوائر النّظار ولكن القانون لم يعالج المشكلة فقد انتقل الفساد إلى الدوائر الحكومية مع مجموعة من الأضرار الأخرى منها أن رجال الدين أصبحوا موظفين في الحكومة بعد أن كانت الأوقاف تؤمن لهم دخلاً مستقلاً، ثم جرت يد المستعمر في الأوقاف بالمصادرة وتحويل لملكية الحكومة أو ملكية الأشخاص ذوي الحظوة، ثم أتت فترة الاستقلال التي لم تصلح هذا الأمر[3].

أمثلة الوقف الاستثماري المعاصرة

ومن الأمثلة المعاصرة عن الوقف الاستثماري ما يعرف في بريطانبا بـ Community Interest Companies [4 أو اختصاراً CIC، وفيها يتعهد المالكون بما يدعى قفل الأصول أو Asset Lock [5 وهي أن استخدامهم للأصل سيكون لخدمة أغراض اجتماعية وليس لهدف شخصي، ويحق لهم ولورثتهم الحصول على جزء من العائدات تحدد نسبتها أما بقية العائدات فيعود نفعها للمجتمع، وهذا المفهوم “قفل الأصول” يستخدم في المنظمات الخيرية charities والمؤسسات Foundations و Trust ولكل منها قوانينها الحاكمة الخاصة التي يمكن مراجعة مثال عنها في القوانين البريطانية[6]، فهناك فروق قانونية بينها.[7]

ومن الأمثلة المهمة أيضاً هي المؤسسات غير الربحية Non-profit Foundations في كل من أمريكا وبريطانيا وتركيا على سبيل المثال حيث أن أرباحها تعود لرأس المال وليس تضاف إلى ثروة أصحابها، ولمؤسسيها سلطة في تعيين مجلس إدارتها وفي الفعاليات التي تقوم بها، ولا تنتقل بالإرث ويحق لهم بيع أصولها فقط بما يخدم المصلحة التي أنشأت لأجلها وهي القيام بالخدمة الاجتماعية واختيار طرق الإدارة الأكثر فعالية وكفاءة للقيام بذلك.

الوقف الإسلامي اليوم

ليؤسس المرء وقفاً لابد أن يهتم بالصيغة الوقفية أو مايدعى الوثائق الحاكمة Governing Docs [8 وهي الدستور الذي سيحكم حياة الوقف ويرشد النّظار أو المشرفين، قامت السعودية بتحسينات على أمور إنشاء وإدارة الأوقاف وقام رئيس المحكمة العامة في محافظة القطيف الشيخ سعد بن محمد بن سعد المهنا بكتابة كتاب لطيف ومهم بعنوان “ثلاثون خطوة لوقف مميز” قدمه الشيخ الدكتور رئيس المجلس الأعلى للقضاء صالح بن عبد الله بن حميد، بالتعاون مع مؤسسة عبد الرحمن بن صالح الراجحي وأولاده للإستثمار وتم رفدها بموقع يسهل انجاز الصيغة.[9]

أما بالنسبة لبلاد شرق المتوسط فيقوم الواقف بإدارة وقفه الاستثماري أو الذري أثناء حياته قانوناً وربما يقوم على تفويض صلاحياته إلى مجلس إدارة يقومون مقام مجلس النظار فينشئ مؤسسة تجارية تقوم بأعمال اجتماعية وتمول نفسها بأعمال استثمارية، ثم توكل أمور إدارتها بوصية لأبنائه وورثته أو من يراه مناسباً يربيهم الواقف على الأخلاق وعمل الخير وإدارة المنظمات الاجتماعية والأعمال، ليديروا هذه الأوقاف من بعده.

الواقفون أولئك الأبرار

وإذا أنظر إلى هذه الأمثلة أشعر باحترام شديد للجهد التي يمكن أن يقوم به فرد لخدمة مجتمعه بشكل مستدام يعود نفعه على الأجيال إذا ينشئ منظمة وقفية يعود نفعها للصالح العالم وتصرف في حل مشاكل اجتماعية قد لا تهتم بها الحكومة بالشكل الكافي ولايجد فيها المستمثرون جاذبية خاصة، وهذا ما تسعى إليه المنظمات الاجتماعية في كل أنحاء العالم ، وهناك أيضاً من يستغلون هذه الأدوات أيضاً.[10]

 

المراجع

[1] صفحة 27 من كتاب “ثلاثون خطوة لوقف مميز”، الشيخ سعد بن محمد بن سعد المهنا، رابط الكتاب.

[2]  المرجع السابق.

[3]  منذر القحف ، دراسات هامة في الموقع، د. محمود عكام، حال الأوقاف في سورية.

[4]  https://www.gov.uk/set-up-a-social-enterprise

[5]   https://en.wikipedia.org/wiki/Asset_lock

[6]  https://www.gov.uk/charity-types-how-to-choose-a-structure

[7]  الفرق بين Trust و Foundation في القانون البريطاني، رابط الملف، مؤسسة Nerine

[8]  https://www.gov.uk/how-to-write-your-charitys-governing-document

[9]  موقع الصيغة الوقفية هنا، شرح عن ميزات الموقع في موقع مزن هنا.

[10]  كطريقة من طرق التهرب من الضرائب، مقالة هنا في الموضوع.

 

Advertisements