زواج تكاملي أم زواج تشاركي ؟

download

يقدم هذا المقال لسؤال مهم أقترح أن على الشباب والشابات المقبلين على الزواج أن يسألوه لأنفسهم، لقد أدركت أهمية هذا السؤال بعد التعليقات المهمة التي تلقيتها على المقالة السابقة “تمكين النساء: ضرورة إنسانية ومجتمعية“، ووجدت أنه مهم لأسر أكثر تماسكاً ونساء أكثر تمكيناً وقوة، لاترغب كل النساء في التمكين المهني وهذا أمر جيد، ولكن من الجيد أيضاً أن يكون المرء واعياً لاختياراته والتسويات والفرص والمخاطر التي يقدم عليها.

كتبت المقالة السابقة وأنا أريد أن تؤسس النساء لحرية اختياراتهن وحرية تخطيط طريقة حياتهن بحيث لايقف ضعف قدرتهن على الانفاق على أنفسهن دون ذلك، فأردت أن أدعو الجميع من آباء وأزواج وإخوة وأصحاب أعمال إلى دعم المرأة ومساندتها ليكون لها مسار مهني لتكّون خبرة في مجال معين وتزداد بذلك مسؤولياتها وعطاؤها للمجتمع، كتبتها وأنا أريد خير المجتمع فعندما يتم تفعيل النصف الآخر من المجتمع وتعمل النساء بشكل مؤثر داخل وخارج المنزل في الأعمال والمنظمات الربحية وغير الربحية الاجتماعية مع بعض الدعم من الأسرة يكسب المجتمع خيراً كبيراً كإنتاج وعائد أكبر من التكاليف التي بذلت.

وبالرغم من البناء المنطقي الذي اعتمدت عليه في المقالة، وجدت نفسي أدافع عن فريق أمام فريق آخر، أحاول تقوية شرعية فعل على حساب آخر.

تلقيت الكثير من التعليقات من الأقرباء والأصدقاء فمنهم من ساند وجهة نظري ومطلبي ومنهم من قال لي أن هناك الكثير من النساء اللاتي يتمتعن بحرية اتخاذ قراراتهن ويعيشن الحياة التي يردنها وهن لايعملن ولايرغبن بالعمل، وهذا حق.

إن السجال الدائر اليوم “أن تعمل النساء أو لا تعمل” ، “أن تتفرغ لترتبية أطفالهن أولا تتفرغ”، ليس سجالاً دينياً إسلامياً أو شرقياً عربياً بشكل حصري[i]، إنه سجال عالمي عابر للثقافات والمجتمعات، إنه سجال أفكار ورؤى بين فريق اختار ودفعته ظروفه وفرصه وميوله إلى أن يكون الفريق الذي تعمل فيه النساء خارج المنزل وتلتزم بتطوير مسار مهني كأحد أهم الأولويات، حيث يساعد أو لا يساعد الرجل زوجته في أعباء المنزل ورعاية الأطفال، وفريق ثان اختار واختارت النساء فيه أن تتفرغ لشؤون المنزل وأن يتفرغ الرجل للعمل خارج المنزل وأن يكون العمل إن وجد خيرياً أو مدفوعاً ذو أولوية أدنى.

يستمد الفريق الأول والذي سأدعوه  أصحاب “الزواج التكاملي” حيث يعمل الرجل ولا تعمل المرأة خارج المنزل شرعيته التاريخية وقبوله العرفي المجتمعي كأجمل أشكال الزواج وأكثرها رفاهية واستقراراً، أما الزواج الآخر والذي سأدعوه أصحاب “الزواج التشاركي” حيث يعمل الرجل والمرأة ويكون لكل منها مسيرة مهنية ومسؤوليات كبيرة في العمل المدفوع فلا يملك شرعية تاريخية ويعتبر في بعض الأوساط ضرورة تصح عند ضرورة الانفاق على المنزل وضيق ذات اليد.

يبني النساء في الزواج الأول “الزواج التكاملي”  اختيارهن أو بعضاً منه على قبول المجتمع لأسلوبهن ويتحملن مخاطر لقاء ذلك (حال ذهاب الزوج أو غيابه لا قدر الله) ولذلك فهن لا يرن شرعية أو ضرورة لعمل النساء في “الزواج التشاركي” والعكس بالعكس، ترى النساء في “الزواج التشاركي” أنهن يساهمن في المجتمع ويؤسسن لاستقلالية واستقرار أكبر لا يتاح للنساء في الفريق الأول، وبالمقابل فالرجال في “الزواج التكاملي” أو أولئك الذين يفضلونه ويريدون أن يكونوا فيه، ينظرون إلى الرجال في “الزواج التشاركي” بأنهم غير أذكياء أو فقراء أو مستغلين ونادراً ما يحترمون خيارهم لجعل نسائهم أكثر قوة وسعادة وأكثر اسهاماً، فوجود الفريق الآخر هو تهديد لشرعية الفريق الأول، وتذكير له بأن رؤيته وخياراته في الحياة غير مرضية تماماً.

الحقيقة قلما تجد رجالاً يريدون وبشكل واع أن يبذلوا من ذواتهم وأوقاتهم ويجابهوا المجتمع التقليدي ليساعدوا زوجاتهن أن يشكلن الخبرة اللازمة ليكن في أفضل الأماكن في صناعتهن وبمصاف أكثر الرجال كفاءة فيها، حتى وإن كان ذلك على حساب رغباتهم وتفضيلاتهم في بعض الأحيان، وبالمقابل قلة من النساء يملكن الصبر والقدرة ليمشين هذا الطريق بالرغم من كل الصعوبات لأسباب كثيرة لايتسع المقال هنا لدراستها.

ومن الجدير بالقول، أن كلا الفريقين ينشدان أن يكونا أعضاء فعالين يرفدون المجتمع بماهو أهل له لتطوره ونهضته، وقد يكون “الزواج التكاملي” خياراً أنفع للمجتمع وأكثر سعادة وراحة للأفراد، فليس من المتوقع أن ترنو كل النساء أو جلهن للريادة في العمل، وبالمقابل فتنشئة الأطفال السعداء الناجحين الصالحين من أرفع ما يمكن أن تقدمه أسرة للمجتمع وهو أمر تتطلع له كل العائلات أمهات وآباء.

إن جميع النساء الاتي لايعملن خارج المنزل أو يعملن بأجر أو بدون أجر داخل المنزل أو خارجه في “زواج تكاملي” أو “زواج تشاركي” يحتجن للدعم لعيش حياة سعيدة، تحتاج هذه الأسر أزواجاً وزوجات إلى دعم المجتمع لخياراتهم مهما كانت دعمنا جميعاً، فكلا الفريقان يعملان على تطور المجتمع، كل بطريقته.

إن ما نحتاج إليه اليوم هي أن ندرك أن أي إنسان رجلاً أم امرأة يستحق أن يكون حراً ليختار وأن يكون لديه القدرة والدعم ليفعّل اختياره بشكل واقعي ويعيش سعيداً ومقبولاً.

من المهم اليوم أن يسأل كل شاب وفتاة أنفسهم هذا السؤال ويحاولوا الإجابة عنه بصدق وعمق ” هل أريد أن أكون في زواج تكاملي أم زواج تشاركي؟”، ربما تكون الإجابة عن هذا السؤال عاملاً جيداً لاستقرار الزواج وتوضيح التوقعات.

في مجتمعنا، يتحمل الزوج مسؤولية الانفاق على زوجته، ويعود إليهما معاً أمر عمل الزوجة من عدمه، وفي الحقيقة هذا أمر منطقي وعملي فلايمكن للمرأة أن تعيش مع رجل لاتثق به ولاتثق بخياراته، فإذا اختارت المرأة أن تثق بهذا الرجل وأن تتعاهد معه على أن يتولى أمر الانفاق على المنزل ووتولى هي رعايته ورعاية أطفاله ومنزله، وبحيث يسعد الأطفال في جو مستقر ومريح ، فإذا حسن اتفاقهما عاشا برضا وسعادة في “زواج تكاملي”، وفي المقابل إذا اتفقا على أن يعمل الزوجة والزوج ويعيشا حياة عادية مريحة ليس فيها إرهاق زائد بحيث يتعين على أحدهما العمل دوامين كاملين أحدهما في العمل والآخر في المنزل، وبحيث يحقق الرجل رغباته وسعادته فيتفقان على أن يساعد كل منهما الآخر في أعباء الإنفاق على المنزل ورعاية الأطفال يتفقان على أوقات الراحة والعمل في “زواج تشاركي” عاشا حياة راضية ومستقرة، فأكثر الأزواج تعاسة من تريد أن تعمل وتريد من زوجها أن يدعمها، وهو يريدها أن لا تعمل وتتفرغ للمنزل ولايريد مساعدتها، وتلك التي تريد أن تتفرغ للمنزل ويريد زوجها منها مساعدته في أعباء الانفاق.

ومن هنا فإن طرح هذا السؤال والتخطيط للحياة مع الشريك أمر مهم بحيث يعملان معاً على تلبية توقعات كل منهما، هل تريد أن تكون في “زواج تكاملي” أم “زواج تشاركي”؟، هل تريد أن تكون كزوج المسؤول الأول عن الانفاق في العائلة أم تريد من زوجتك أن يكون لها دور في ذلك ويترتب على ذلك أن تساعدها في الإفاء بهذا الدور؟ هل تريدين أن تتطوري مهنياً وتزدادي خبرة وتلتزمي بتطوير العمل ، فتواجهي الصعوبات والمعيقات للوصول إلى أرفع الأماكن في الصناعة التي تعملين فيها ليكون لك إسهام ودور أكبر في المجتمع أم أن العمل هو مجرد طريقة لكسب بعض المال والترويح عن النفس حال عدم وجود مسؤوليات كبيرة؟ وبذلك يكون زوجك مسؤولاً عن الانفاق وتكوني أنت مسؤولة بشكل رئيسي عن الأولاد ومايحتاجون ؟ هل تريدين أن تتفرغي للبيت والأولاد بحيث تقومي على تربيتهم تربية راقية وتسمتعي بوقتك ويكون لديك الفرصة لبناء المجتمع بعيداً عن العمل المدفوع؟  هل تريد أن تساعد زوجتك في عمل المنزل وتربية الأطفال وتتغاضى عندما تكون الأمور غير مثالية إن كانت تعمل أو لا تعمل خارج المنزل، الحقيقة أن المرأة لا تسطيع أن تقول بجميع الأعمال بشكل ممتاز، هناك قلة فقط من النساء تسطيع ذلك وربما على حساب راحتهن وسعادتهن.

في النهاية، أرجو أن أكون قد أفدت وساهمت في وضع إطار لحياة أكثر سعادة وتفاهماً، بحين نبني أسراً قوية ومنظمات للمجتمع متماسكة وذات دور فعال رجالاً ونساءً.

[i]  كمثال عن هذا السجال ما تم طرحه في كتاب “Lean In” للسيدة شيريل ساندبيرغ والمراجعات.

Advertisements