تمكين النساء: حاجة مجتمعية وإنسانية!

empower مقدمة

تتميز الكتابة في موضوع تمكين المرأة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بالتحدي والصعوبة، فهي تعطي انطباعاً عن أن المتحدث يريد تغيير المجتمع والدفع باتجاه تبنيه لعادات وقيم المجتمع الغربي والتي لا تتناسب مع عادات مجتمعنا وقيمه، ويدفع بالقارئ لاتخاذ آراء مسبقة قبل البدء بالقراءة، إلا أن هذا المقال يتحدث عن تمكين النساء بعيداً عن الدفع باتجاه قيم معينة غربية أو شرقية أو إسلامية، إنه يطرح فكرة تطوير المسار المهني للنساء كأساس ليكون لهن حرية التفكير واتخاذ القرارات التي تتعلق بهن ثم تتعلق بالمجتمع الاتي تستطعن التأثير فيه وأن تمتلك النساء الأدوات اللازمة ليكون قرارهن ذو معنى وقابلاً للتحقيق، إنه يستمد من الأساس الإنساني في أن جميع البشر “ولدوا أحراراً” وهو الأساس الذي يقرره الإسلام حريةً حقيقة وذات أسس، فكل إنسان مسؤول عن نفسه أيصلحها أم يفسدها رجلاً كان أم أمرأة، فيلزم نفسه بضوابط دينية ومجتمعية اعتماداً على قبوله بها أساساً بالتفكير والرضى فلايقوم الدين بالاكراه ولابد من أن يكون للمرء أدوات يستطيع بها الاختيار فلا يجبره وضعه المادي على المضي في طريق معين لولا ظروفه لما مشى فيه.

ولقد اختار رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام امرأة ذات مكانة اقتصادية واجتماعية لتكون زوجته الأولى، السيدة خديجة رضي الله عنها، كانت صاحبة عمل وتجارة بكلمات عصرنا الحديث وكانت تقوم بالتوظيف لأفضل الرجال أمانة ومهارة لتحملهم مسؤوليات القيام بأعمالها، لقد كانت سنداً لرسول الله حيث اختارها من بين جميع النساء واختارته بدورها ليكونا رفيقا درب.

فالمرأة ذات المكانة هي امرأة لديها القدرة الاقتصادية والقانونية للاستقلال بقرارها الذاتي، والقدرة الفكرية والاحترافية للاستقلال بقرارها الفكري والإفادة والاستفادة من الرأسمال الفكري المجتمعي، وربما المضي به خطوة إلى الأمام، ووضع لبنة أخرى في إصلاحه وبنائه، إن المجتمع بحاجة لكل أفراده من ذوي المواهب، ويحسن بهم أن يتطورا ويصبحوا قادرين على العمل والبناء رجالاً ونساء، لقد أصبحت مشاركة النساء بقوة في الحياة العامة ضرورة للمجتمع ومسؤولية تقع على الرجال والنساء (2013، د. نهلة عبد الله الحريبي).

إن المجتمعات التي يكون للنساء فيها المكانة والقدرة على اتخاذ القرارات الاستراتيجية والتأثير في المجتمع، غالباً ما تكون مجتمعات أكثر رفاهية ورقي، فكثير من بلدان العالم أصبحت تعتقد أن وضع قيود على النساء عن المشاركة في بناء المجتمع  والاقتصاد يحد من تنافسية أعمالهم (2013، Hewlett) ويسعون في هذا الاتجاه (TD Economics ،2013) وهو شرط مسبق للتنمية المستدامة والاقتصاد الذي يفيد الفقراء (OECD ،2012)، ويساهم في النمو الاقتصادي لفئات واسعة (2013 ،UN Women)، إلا أن السعي باتجاه التمكين الاقتصادي للمرأة والذي ينتج عنه تمكين اجتماعي لايؤدي إلى التطور الاقتصادي بشكل سحري ولا التطور الاقتصادي يؤدي إلى تمكين المرأة مباشرة، فبينهما علاقة ترافقية، ولكن كل منهما بحاجة لاتباع سياسات مناسبة لتحقيقه إلى جانب تحقيق العامل الآخر (Duflo، 2012).

ويمكن القول أن المجتمعات التي تتمتع فيها النساء بالتمكين ويستطعن حماية حرياتهن هي مجتمعات يكون التراضي والتفاهم  فيها على الأغلب هو ناظم العلاقات الإنسانية، حيث يشاهد الطفل أباه وأمه في علاقة توافقية مبنية على رضى الطرفين، وكذلك علاقته بأهله ثم يراها في المدرسة وقد قامت علاقة المدرس بأهله على هذا الأساس وطالب بحقوقه في المدرسة لمنع الاستغلال والإجبار فيعمل بمتعة وجد، وينسحب هذا على علاقة تشملها علاقة المديربالموظف حتى الحكومة بمواطنيها، حيث يعطي الفرد لقانون المجتمع الحق بضبط حياته عن طواعية وثقة وتفكير بمصلحته والمصلحة العامة، ويعمل المجتمع على إعطاء وحفظ حقوق أكثر الفئات هشاشة وما يحتاجونه ليكونوا أحراراً مستقلين، ولكن ماعلاقة العلاقة القائمة على التراضي بتطور المجتمع حيث يؤسس الناس لعائلات ومنظمات بناء على شبكات الاتصال الطوعي الأفقي، هذا ما نجده في تعريف روبرت باتنم (1993، Robert Putnam) للمجتمع المتحضر وميزاته عن المجتمع غير المتحضر والقائم على علاقات تراتبية من الاستغلال والتبعية أو ما ندعوها العلاقات الزبونية، والذي أجده مقنعاً.

تطوير المسار المهني

وتبقى هاتان الكلمتين “تمكين النساء” بدون أثر واقعي مالم تتحول لعمل، إن الأمر يبدأ بتغيير نظرتنا إلى العمل وإلى أهمية تطوير المسار المهني، وإلى دور العمل مقابل أجر في حياتنا، فليس على المرأة أن تختار بين العمل والأسرة، بل على العمل أن يكون جزءاً موجوداً دائماً عند تخطيط النساء لحياتهن، قد تنقص نسبته فيصبح صفراً عندما تقوم بإنجاب الأطفال، وقد يستهلك وقتاً كبيراً عندما يتعلق الأمر بمشروع  يساهم في بناء مهاراتها وقدرتها كفرد محترف يبنى علمه وخبرته وحكمته، وقد يتراوح الأمر بين هذا وذاك على طول المسار المهني، إن ذلك يتطلب مساندة ومشاركة من الأهل والأزواج في جميع أعمال العناية بالأسرة وتربية الأفراد الجدد، عندما تعمل النساء فيما تحب ولهدف سام وتدير طاقاتهن وجهودهن وتحصلن على الدعم اللاتي يستحققته، فإن المجتمع سيكسب قادة جدداً لمؤسساته المتنوعة.

يقصد بالمسار المهني مجموعة الأعمال المدفوعة (مقابل أجر) وحتى التطوعية (بدون أجر) التي يقوم بها المرء خلال سنين حياته العملية بدءاً من العقد الثاني وحتى العقد السابع أو الثامن إن امتد به العمر والنشاط، والتي يزداد فيها مع مرور الوقت خبرةً ومهارة وتحملاً للمسؤولية وتزداد معها العوائد المادية والمعنوية التي يتلقاها.

يقوم تطوير المسار المهني على أساسات ومراحل، ففي العقد الثاني وعندما يكون المرء مراهقاً يتعلم العادات الجيدة للعمل والتفكير ويكتسب المعلومات التي سيبني عليها رؤيته للعالم وتصوره لمعالجة الأمور، وعندما يبدأ العقد الثالث ويكون في بداية العشرينيات يعمل على التأسيس الحقيقي لدوره في العمل والمجتمع فيما بعد فيختار نوع الدراسة وجودتها ويكتسب مهارات ومعارف ويتعرض لتجارب تصقل شخصيته وتكسبه القدرة على التعامل مع المجتمع ويستمر في التدرج في الأعمال ويكتسب خبرات جديدة، في العقد الرابع وفي بداية الثلاثين يبدأ المرء بالنضوج مهنياً ونضوجه يكون مؤسساً على ما اكتسبه في العقد الذي قبله، أما العقد الخامس فهو عقد الحكمة والعطاء والتأثير في المجتمع ، ويكون العقد السادس عقد الدعم وبناء التأثير وصناعة القادة ودعمهم ، وهكذا يستمر المرء في صقل قدراته وبناء أشياء أكبرعلى طول مساره المهني، والقيام بذلك بشكل صحيح بين العمل كموظف وبناء الأعمال والمنظمات الخاصة والتعاون مع الآخرين في تطوير المجتمع والمساهمة في بناء حضارته يمكن المرء من زيادة الخبرات وزيادة العوائد وتقوية الأرضية الاقتصادية والقانونية التي يقف عليها.

إن الإنسان الذي يبني مساره المهني لايتخلى عن حياته، بل إن العمل على على تطويره هو جزء لصيق من حياته إلى جانب الأمور الأخرى الروحية والاجتماعية ، فبينما هو كذلك يتزوج ويبني أسرته وينجب أطفالاً ويساعد جيرانه ومجتمعه ويفكر ويناقش ويبني أفكاراً واتجاهات ويتطوع ويكسب المال ويشتري ما يحتاج مايزيد رفاهيته واستقلاله وتأثيره ويوفي مسؤوليته تجاه مجتمعه وتجاه الإنسانية.

قيم المشاركة والعدالة

هل يكون تطوير المسار المهني حقاً وواجباً على الرجال دون النساء، إن ذلك لايتعلق بالعدالة فقط ، إنما يتعلق بمجتمع أفضل أيضاً، مجتمع يقوم على العلاقات التشاركية التي يتجمع فيها الناس بناء على القوة وحاجتهم للتعاضد وليس لحاجتهم للحماية أو الرعاية، وهذا الأمر ينعكس على نظرة الأطفال للأدوار التي يقوم بها الرجال والنساء في الحياة.

ومن الجدير بالذكر أن دراسة قامت بها الباحثة كاثلين ماكين Kathleen McGinn ومساعدوها في جامعة هارفارد وجدت أن أولاد النساء العاملات يكونون أكثر تعاوناً ومساندةً لنسائهم في أعمال المنزل ورعاية العائلة عندما يكبرون، وأن بنات النساء العاملات أكثر احتمالية ليشغلن وظائف اشرافية ويتحملن مسؤولية أكبر في العمل وهن مع ذلك يقضين وقتاً أطول مع العائلة من قريناتهن في المستوى الوظيفي ذاته، هذا يعني أننا نتعلم قيم المشاركة باكراً جداً في حياتنا، وأن التغيير يبدأ من تلك الأسر المتعاضدة التي تدعم أن يكون لكل من المرأة والرجل مسار مهني وأن يتم إعطاء الوقت والجهد الكافي لبنائهما معاً، هذا يعني أن المجتمع سيكسب قادة ذكوراً ونساءً يساهمون في غنائه وتطوره.

إن الأسر أباءً وأمهات الاتي يعتنين ببناتهن من حيث تعليمهم تعليماً جيداً وتشجيعهن على العمل وعلى التقدم فيه إنما يقومون بزرع بذرة التغيير في المجتمع، فالنساء الاتي يتحدين كل الصعوبات ويظلن أمينات على قيمهن ويعملن لخير المجتمع إنما يؤسسن لمستقبل جديد.

خاتمة

يفكر الرجال والنساء بطرق مختلفة ولهن دوافع متنوعة وإن هذا التنوع يكسب المجتمع رفاه وتقدماً أكثر، ولايحدث ذلك إلا عندما تكون النساء في أماكن يستطعن فيها التأثير على المجتمع كقيادات لأعمال ومنظمات وجهات حكومية وغير حكومية، مما يقود إلى توزيع أفضل للثروة وعناية أرفع بالأفراد في المجتمع.

Advertisements

فكرتان اثنتان على ”تمكين النساء: حاجة مجتمعية وإنسانية!

  1. بعث لي أحد الأصدقاء تعليقاً على مقالتي، مستفيداً من مقال الشيخ محمد صالح المنجد
    “أربعون نصيحة لإصلاح البيوت – (20) تقويم عمل المرأة خارج البيت”

    مبيناً فيها قول الله تعالى “وقرن في بيوتكن ” على أن الأصل في الإسلام أن لا تخرج الناس إلا لحاجة، فإن لم يكن للمرأة حاجة للعمل فلا يجب أن تخرج.

    وأجد أن كلامه صحيح فقول الله تعالى “وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ” يأمر النساء أن لاتخرجن بزينة بقصد التسلية إنما خروجهن لخيرهن وخير المجتمع فأجده حاجة وليس تسلية أو معصية، فإذا ما اعترفنا أن المجتمع بحاجة لمواهب جميع أبنائه ليتطور، فخروج المرأة للعمل المتقن الاحترافي المحتشم حاجة، عدا عن كونها حاجة إنسانية تؤمن عن طريقها أساس حفظها لاختياراتها وحريتها.

    وقد احتج بعض الأصدقاء، أنه يمكن أن تحفظ الدولة حقوق النساء عن طريق أوقاف أو مؤسسات خيرية أو أسر كريمة، تؤمن لهن الأساس لحفظ خيارتهن وهذا حسن، ومن جهة أخرى يمكن القول أنه من الجيد أن تكون النساء في موقف قوي تقدم بأعمال الخير، لا أن تكون متلق لها، فإذا تعاونت الأسرة على مساندة المرأة ربحت هي وربحت أسرتها امرة قوية متعلمة ومربية فاضلة، وربح المجتمع أيضاً.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s