القراءة من أجل الكتابة

مقدمة

كثيراً ما تساءلت، ما هو الطريق الأفضل لأحسن مهارتي في الكتابة، لأستطيع كتابة نصوص تربط معلومات من مصادر مختلفة بحيث أقدمها في سياق جديد، أناقشها وأقيمها، أقدر أصوات الكتاب الآخرين وأستطيع إيصال صوتي في مجال معين، لأساهم في حل مشكلة أو في تطوير فكرة أو طريقة أو أنقل تجربة أو ممارسة جربت فعاليتها، في هذه المقالة أتحدث عن القراءة الفعالة التي توصل إلى القدرة على الكتابة وخطواتها ثم أذكر تجربة شخصية من أيام الجامعة تضيئ على جوانب من تجربتي في محاولة تحسين مهارة الكتابة لدي.

3

أنواع الكتابة

وقبل أن أعرض الطريقة الفعالة لاتقان الكتابة، لنلقي نظرة على مجالات الكتابة المختلفة فجميع أنواع الكتابة ضرورية  ليستطيع المرء التعبير عن أفكاره ويتشاركها مع الآخرين، بدءاً بالكتابة الإبداعية Creative Writing والتي تتعلق بكتابة الشعر والقصص والروايات بشكل مبدع وتعبيري، أو الكتابة الأدبية Literature Writing والتي تهدف إلى إظهار فهم النص الأدبي من قصة أو مسرحية أو رواية والتي تكون عن طريق مقالات أو نصوص موسعة، والكتابة في التكنولوجيا بطريقة دقيقة وواضحة وباستخدام المخططات والجداول، أوالكتابة في العلوم الاجتماعية مقالات وأبحاث وعروض تظهر الاحترام لأسس العلوم وربطها بالتجارب والمشاكل الاجتماعية لنضعها في سياق أفضل يساعد على فهم هذه المشاكل والتجارب ويرشد إلى أفضل الممارسات، وحتى الكتابة الاحترافية Professional Writing التي أحتاجها في العمل منها تقارير العمل، خطط التسويق والعمليات، المذكرات والإيميلات وكذلك حالات العمل Case Studies، ولكن ظل السؤال، إذا أردت أن أكون أفضل في الكتابة فمن أين علي أن أبدأ؟

الطريق إلى اتقان الكتابة: القراءة الفعالة

بعد بحث وتفكير توصلت إلى إن الطريق إلى اتقان الكتابة حقيقة يبدأ بالقراءة ، ولكن ليس أي نوع من القراءة إنها القراءة الفعالة، تتحدث البرفيسور ماجي سوكوليك Maggie Sokolik  من جامعة بركلي Berkeley في الكورس الذي قدمته على منصة EdX بعنوان Principles of Written English مبادئ الكتابة بالانكليزية عن هذا الأمر بكل وضوح، فتبين كيفية القراءة من أجل تحسين مهارة الكتابة، وتقول أن الأمر يكمن في “استجواب النص” أو بكلماتها Interrogating Text، والذي يعني أن تسأل النص أسئلة عن قرب وتحاول الإجابة عنها، ولكن ماعلاقة ذلك بالكتابة، إن ذلك يتعلق بالقراءة الناقدة Critical Reading والتي تعني الانهماك الفعال والتفاعل مع النص، والقراءة بهدف، تلخيص الأفكار ثم محاولة الكتابة بكلمات القارئ.

يبدأ الكورس بهذا الفيديو الذي يعرض للقراءة الفعالة ، ويعرض أفكاراً لإجادة الكتابة في العلوم، وكتابة التعليمات، وكتابة قصص الخيال، وكذلك كتابة إيميل فعال ، تعلم المفردات الخاصة بكل مجال، ومن الجدير التنبه إلى أن مشاهدة الفيديو لاتعني أن المرء أصبح قادراً على الكتابة فهي مجرد أفكار لن يستطيع المرء اكتساب المهارة إلا بالممارسة والتدريب، يحوي الكورس نشاطات ممتعة يمكن العمل عليها للخروج بنتيجة ممتازة.

خطوات القراءة من أجل الكتابة

تضع البرفيسور ماجي سوكوليك  الخطوات التي على المرء اتباعها للوصول إلى قراءة من أجل الكتابة ، في هذا الفيديو تبدأ القول أن القراءة تعني بداية تحديد الأطروحات أو المجادلات Arguments، أن نسأل الأسئلة التالية: ماذا يحاول الكاتب أن يقول؟، ماهو الدليل؟، هل يستخدم إثباتاً جيداً؟، هل يذكر أمثلة جيدة؟، هل هناك طرائق تجريبية أو تجارب تم استخدامها؟، ما قيمتها العلمية؟، وماقيمة مصادر المعلومات التي يستخدمها الكاتب؟، مانوع المعلومات التي يعتمد عليها لدعم وجهة نظره، ماهي الافتراضات؟ هل هناك معلومات يعتبرها الكاتب بديهية أو أمور لم يبحث الكاتب في أسبابها ودورها في السياق، وهل هذا عادل أو مناسب؟، ثم علينا أن نحدد الانحياز في المعلومات، هل الخلفية التي يأتي منها الكاتب تؤثر في آرائه؟، وكيف يرى العالم؟، إننا نقصد هنا أن نقوم بالنقد Critique التقيمي أو ما كنا ندعوه النقد البناء.

أما مراحل القراءة الفعالة فتبدأ بقراءة النص ثلاث مرات حسب سوكوليك، في القراءة الأولى، على المرء أن يقوم بمراجعة النص كاملاً ليفهم الأطروحات والأفكار والغايات العامة، ليسأل نفسه ماهي الأفكار الرئيسية؟ عليه أن ينتبه بشكل خاص للمقدمة، لافتتاحيات المقاطع ونهاياتها، ولعناوين المقاطع، ليستطيع أخذ فكرة عامة ويرسم هيكلاً عاماً للنص.

أما في القراءة الثانية، فيقوم القارئ بأخذ ملاحظات عن النص، يضع خطاً أو يحدد جملاً يعلمها بلون آخر وأفكاراً مهمة وأطروحات رئيسية، يضع أسئلة عن النص، يحاول أن يجد الإجابة في النص والدليل عليها ثم يقيم ذلك ويحلله ويحاول إيجاد الترابطات، ثم يفكر ماذا يقول الكاتب ولماذا؟ وما رأي القارئ في كل هذا؟ هل يمكن تصديقه؟ هل هو أقرب للحقيقة؟

القراءة الثالثة هي للمراجعة، ليس فقط لمراجعة النص ولكن لمراجعة الملاحظات والأسئلة وقيمة الإجابات والأطروحات والافتراضات التي توصل إليها، يمكن للمرء في هذه المرحلة البحث عن معاني الكلمات الغريبة أو الإصطلاحية، ويمكن هنا مراجعة المقاطع المعقدة من النص ووضعها في سياقها والتأكد من فهمها، كما يمكن في هذه المرحلة مشاركة التعليقات على الهوامش مع الآخرين Marginalia ورقياً أو الكترونياً.

المرحلة الثانية هي الكتابة بعد القراءة، على المرء أن يمسك قلماً ويكتب على الورق أو على الحاسب، إنه الوقت المناسب لمحاولة كتابة نص يرد على الكاتب، لاستخدام الكتابة الحرة Free Write ، أن يبدأ بالكتابة عما قرأ، لا داع ٍ للاهتمام بأخطاء التهجئة أو القواعد فقط عليه أن يكتب ما يخطر على باله من أفكار ربما عن تجارب مرر بها، الفكرة هنا هي أن يضع بكلماته ملخصاً عن الافكار التي قرأها، أن يضع فهرساً أو شجرة للأفكار وتفاصيل وأمثلة عنها، أن يحاول ربط مقاطع النص مع بعضها في مقاطع جديدة يكتبها، ربما يقارن بين هذه الأفكار وأفكار أخرى قرأها في مقالة أو مجلة أو شاهد فلماً عنها مؤخراً، وربما يضع مخططاً أو رسماً يقيم ويوضح الأفكار، إن هذه الخطوة مهمة جداً لانتاج أفكار ٍ جديدة.

وفي النهاية يمكن للمرء أن يكتب نقداً رسمياً، وفيه يكتب مقالة عما قرأ من وجهة نظر ناقدة ومحللة، ويمكن أن يقيم نفسه ويقيم استفادته، ماهي الأمور الجديدة التي تعلمها، ثم يكتب أسئلة أخرى، ماهي الأمور الإضافية التي يريد أن يتعلم عنها أكثر، ثم يبحث عن المعلومات التي يريدها على الانترنت أو في المكتبة، ليعيد الخطوات كلها لكل نص جديد،وسيجد نفسه بعد مدة وقد تكونت لديه أفكار كثيرة مترابطة ومصقولة ويستطيع إنتاج أفكارٍ وأطروحات جديدة ربما تساهم في دفع العلم في مجال معين قدماً أو ربما تنتج نصاً يضيف فكرة أو ينير درباً، أو يطور طريقة أو ممارسة أو يلهم فكراً.

 القراءة أيام الدراسة في الجامعة

وفي سياق تعلم الكتابة عن طريق القراءة المعمقة، أريد أن أذكر هذه القصة من أيام الدراسة في الجامعة، لقد تعلمت أثناء دراستي أن أفضل طريقة للدراسة هي أن أتفاعل مع النص أن أكتب الأسئلة والملاحظات، أو أي شيئ لم أفهمه أو لم أفهم كيف يرتبط مع غيره على الهامش، وأن أقرأ الأبحاث المطلوبة على مراحل، فكنت أسميها الدراسة على طبقات، في كل قراءة كنت أركز على إطار معين أو على مستوى معين من التفاصيل ، وأكتب الأسئلة والملاحظات وأربط الأفكار وأضع النقاط التي لم أفهمها وتلك التي تذكرني بأفكار أخرى، فبعض الأبحاث في الهندسة كانت تتطلب خمس مرات من القراءة في المرة الأولى الإطار العام، وفي كل مرة أنزل مستوى أدنى من التفصيل، لأركز على المعادلات ثم على المخططات، وفي كل مرة أحاول أن أبحث عن معلومات أكثر عن موضوع معين لأستطيع ربطه مع الأجزاء الأخرى، لم أعلم وقتها أن هذه الطريقة التي أجدها جيدة للتعلم والدراسة ثم اجتياز الامتحانات الصعبة، كانت هي الطريق أيضاً للكتابة، لم أكتشف ذلك لأن فرص الكتابة في الجامعة كانت ضئيلة وأغلب المشاريع كانت تركز على التطبيقات العملية ولم تهتم كثيراً بإنتاج الأفكار والأطروحات.

بعد الانتهاء من الحصول على الإجازة الجامعية والماستر، فقدت الدافع لأبذل الجهد اللازم في القراءة الفعالة طالما أنني لن أجتاز امتحاناً ولن تكون لدي فرصة للإجابة على الأسئلة المطروحة، ولكن وعندما صرت مهتمة بالكتابة والبحث عن حلول لمشاكل العمل ولبناء المجتمع وبعد عدة تجارب للكتابة في كورسيرا في عدد من المجالات وفي هذه المدونة واتباع كورسات تعلم الكتابة مثل كورس جامعة ديوك Duke University الذي كتبت عنه في مقالة سابقة، وكورس جامعة بركلي الذي أشير إليه اليوم، أدركت أيضاً أن القراءة الفعالة ثم الكتابة الحرة للأفكار ومناقشة أطروحات الكتاب وجمع الأفكار التي خطرت لي بعد قراءة أو سماع أو مشاهدة عدة مصادر وتنظيمها في مقاطع وفي مقالات يدفعني الشغف للبحث عن إجابات للأسئلة التي تهمني وجدت أن القراءة هي الطريق لتحسين مهارة الكتابة، الأمر الذي يحتاج إلى ممارسة ونقد ذاتي للعملية والناتج واستشارة الأصدقاء، ومازالت أتعلم من كل نص أقرؤه.

خاتمة

أرجو أن تكون المعلومات المقدمة في هذه التدوينة مفيدة وعملية وأن تكون قد ساهمت ولو قليلاً في إعطاء أفكار ترشد قارئها إلى طرق لتحسين مهارة الكتابة لديه، وتدفعه وتشجعه لبذل الجهد في القراءة الفعالة النشيطة، إذا كانت هناك أسئلة أو تعليقات ناقدة، يسعدني قراءتها ومناقشتها هنا.

Advertisements

4 أفكار على ”القراءة من أجل الكتابة

  1. أجد اننا بدأنا بكيفية الكتابة الاحترافية Professional Writing وخرجنا بانتقاد النص 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s