رؤية لتعريف الأعمال الجيدة في المجتمع

وصلتني اليوم القائمة البريدية من موقع بابل Babele وهو موقع يعرض أفكار مبدعة لخدمة أهداف اجتماعية لتصبح شركات ناشئة يتم العمل على نموذج العمل الخاص بها وخطة العمل بشكل تعاوني بين فريق العمل وبين الداعمين والخبراء في الموقع، ثم تعرض في الموقع لداعمين أو مستثمرين محتملين، وقد كان الموضوع الأول فيها يتحدث عن الحركة الكبيرة للابداع الاجتماعي ٍSocial Innovation والتي بدأت تكتسب الزخم فالكثير من الجامعات، المنظمات، حاضنات الأعمال، برامج الإرشاد، المستثمرون ذوي الرؤية يعملون على الاستثمار في شركات ناشئة للأثر الاجتماعي الذي تنتجه.

ومن هنا يدعونا “بابل” أن نجمع أطراف نظام الاستثمار الاجتماعي Social Investment Ecosystem لنقوم بإعادة تعريف الأعمال وإنشاء أعمال جيدة حقيقة، وفي هذا السياق تعرض القائمة البريدية لفيديو رائع يعرف الأعمال الجيدة، أردت أن أشارك هنا ترجمته بالعربية، وقد وجدت أنه يعطي تكميلاً وتوكيداً لبعض الأفكار التي كنت قد طرحتها في تدوينة أخرى هنا بعنوان “الأعمال في خدمة المجتمع“.

يعتقد معظم الناس اليوم أن الأعمال لا تخدم أفضل مصالحنا، وبالمقابل فإنه من غير الواقعي تخيل العالم بدون أعمال، ومن هنا فإنه من الضروري التفكير بنسخة جديدة تدعم ثقافة أعمال إنسانية ومربحة بنفس الوقت. إن

لكل شيئ كلفة وحتى نستطيع القيام بالأعمال التي تخدم أفضل مصالحنا وتلبي حاجاتنا الاجتماعية الحقيقية علينا أن نجتهد في إدخار المال للدفع لتلك الأعمال التي تلبي حاجاتنا الحقيقة، وعدم الانسياق وراء إغراءلآت تدعي أنها تلبي حاجتنا لالعليا وهي ليست إلا وسائل تلبي حاجات دنيا وتجعل منا أشخاصاً متفاخرين ومزهويين بدل أن نكون أشخصاصاً ندعم ماهو مهم وقيم في الحياة فعلاً، إن التجارة والأعمال هي طريقة أفضل لاستدامة الجهود الخيرة بدل التبرعات، وبذلك تتطابق أفكارنا وأعمالنا، فنعمل وننفق على أشياء ذات معنى تعطينا الرضى والإشباع الحيقي.

هناك ستة أمور تعتقد مدرسة الحياة The School of Life أنها ضرورية لأعمال جيدة، وهي:

أولاً: الأعمال الجيدة تكسب المال من تلبية الحاجات وليس الرغبات 

2

هناك أشياء نحتاجها بشكل أساسي كبشر لنعيش ونزدهر، وهناك أشياء نرغبها تطلبها شهواتنا والتي لا تتعلق بأي شيئ مخلص وذو معنى، نستطيع نحن البشر التمييز بين الحاجة والرغبة، ولكننا لا نعرف ماهو الجيد فعلا بالنسبة لنا، وهذا ما خلق إغراً بالرأسمالية. بالنسبة للرأسمالي لايهم من أين جنى المال، االمهم هو الأرباح سواءً تم جنيها من حاجات أو رغبات فيمكن أن نحصل عليها من بيع رباطات حذاء، مسدسات، مفرقعات أو كتب. إن هو الدفاع المعتاد عن بيع الأوساخ ، فالرأسمالية تهتم ببيع أي شيئ طالما وجد هناك من يشتريه، وهي تستغل عدم قدرتنا على التمييز بين حاجاتنا ورغباتنا عندما تكون معظم الأعمال تبع أشياءً لايحتاجها الناس. فالأعمال الجيدة لايجب أن تعرف من حيث هي رابحة أم لا ولكن من كونها تصنع أرباحها من تلبية الحاجات، وبذلك تكون الأعمال أخلاقية إذا كانت تقدم مايحتاجه الناس حقيقة.

ثانياً: الأعمال الجيدة تعمل بجد أكثر بمرتين من منافيسها 

1

إدارة أي عمل هو أمر شاق، فكيف بأعمال تريد كسب أرباحها من تلبية الحاجات، إن بيع أصابع البطاطا المقلية أسهل كثيراً من بيع الخبز الجيد، وبالمثل إدارة الجرائد الصفراء التي تعنى بالغيبة وإثارة المشاعر أسهل كثيراً من الجرائد التي تعنى بالمساءلة الجادة، وكذلك النوادي الليلية تجي أكثر كثيراً من المكتبات، ماركات الرفاهية تبيع أكثر من تعاونيات التجارة العادلة ، من الصعب أن نقوم بعمل أشياء جذابة وجيدة بنفس الوقت، وبذلك على المنتج أن يكون ماهراً في أمرين الإغراء وعمل الخير. كثير من الناس أصبحوا ماهرين في الإغراء ، مثلاً صانعو الأيس كريم ، وبالمقابل دعونا نفكر في أولئك الذين يعملون في خدمات النظام البيئ ويقومون بإنشاء مواقع تدعو إلى مكافحة الممارسات السيئة في العالم النام، قليل جداً من الناس هم ماهرون في الإغراء والخير، ليس الإغراء ضد الخير، وليس الخير هوما يطرد الإغراء، الحقيقة نحتاج إلى مهارة أفضل بكثير في التصويب، هذا هو التحدي في عصرنا أن نجعل كثيراً من الناس ينجذبون إلى الخير، يشبه النشوة التي تشعر بها عند القراءة مثلاً.

ثالثاً: الأعمال الجيدة يجب أن تكون ذات معنى 

3

ماذانريد من عملنا بالإضافة إلى المال، إننا نريد أن يكون عملنا ذو معنى، ولكن ماهو العمل ذو المعنى؟،العمل ذو المعنى هو الذي يشعرك أنه بجهودك ترفع ألماً عن أحد أو تزيد في سعادة ورضا الآخرين، وأن تترك العالم بشكل أفضل قليلاً مما وجدته، فكلما كان العمل ذو معنى كلما كان المال ذو قيمة أقل، فكر بالتضحيات التي يبذلها الناس دفاعاً عن وطنهم، أو الممرضات، أو مكتشو البيئة، والناشرون الجادون، فالدافع يأتي من خدمة هدف أعلى، فالأعمال الجيدة لا تكافئ موظفيها فقط بالمال بل بأمر يساويه في الأهمية إنه المعنى.

رابعاً: الرأسماليون الجيدون يدركون أنهم لايحتاجون المال

4

كثير من الرأسماليين الكبار لديهم مايكفي لإطعام إثنا عشر جيلاً ، ومع ذلك يدفعون باتجاه عوائد عالية ولايكتفون بعوائد تحفظ مالهم من التضخم، 30% بدل 3% مثلاً، لو أن أولئك الذين جمعون المال فهموا أنفسهم بشكل عميق لعرفوا أنهم ليسوا هنا من أجل المال ولكن من أجل الاحترام، المكانة والحب، والتي تأتي في مجتمعنا من كون المرء قد جمع الكثير من المال. إن هذا يعطينا مؤشراً مهماً في كيف يمكن لنا أن نعيد إصلاح مجتمعنا، وبذلك بجعل المكانة والاحترام بشكل مؤكد وغير مشكوك لأولئك الرأسماليين الذين اختاروا إدارة أعمالهم بطريقة نبيلة وقاموا بتلبية حاجات وليس رغبات، إن المكانة اليوم لأولئك الذين جمعوا المال بغض النظر عن كيفية ذلك، إننا نعطي القدر والاحتفاء لرجال الأعمال بقدر أرباحهم لنصنع أناساً يقودهم الزهو بشخصياتهم، بدل من أن يكون لأولئك الذين قبلوا بعوائد أقل لقاء القيام برأسمالية أخلاقية تنتج اللطف والخير للمجتمع. هدية الاحترام يجب أن تكون ليس لمن جمع قدراً أكبر من المال بل لأولئك الذين جمعوا بعض المال من القيام بأعمال جيدة.

خامساً: الوفورات الخارجية والسعر العادل

5

عادة لايعكس سعر المنتج الكلفة الحقيقة له، لأن الكثير من الموارد قد أعطيت بشكل مجاني عن غير قصد للمنتج، فالأرض يتم تلويثها وصحة العاملين تتدهور، ولكن المستهلك لايدفع تكاليف كل ذلك، إننا نتكلم كثيراً عن أسعار متدنية ولكن لانتحدث عن أسعار عادلة، فالسعر العادل هو الذي يتضمن الكلفة الحقيقة للانتاج وبذلك يكون السعر العادل هو السعر العادي. وعندما نجد أن هناك سعراً ينخفض عن السعر العادي سنعلم أن هناك اختصراً قد تم أخذه في مكان ما، فلابد أن الشركة قد عملت وفورات خارجية حملتها للآخرين بشكل مجاني، أو عاملت عامليها بشكل سيئ، أو أنهم لايجرون إجراءات جودة متقنة بدون التصريح بذلك، فإذا أردنا أن نكون مجتمعاً أخلاقياً علينا أن ننظر إلى الطريق الذي سلكه المنتج حتى وصوله إلينا ، فالعمل الجيد هو العمل الذي في كل خطوة فيه يقوم بعمل جيد وعامل على شيئ على طريقه بلطف وخيرية.

سادساً: العمل الجيد يكسب المال من الحاجات العليا للناس 

6

في عالم مثالي، على 80% من الأرباح أن تأتي من 20% من الحاجات العليا للبشر، ولكننا نجد أنه في عالمنا أغلب الأعمال تتوجه نحو تلبية الحاجات الدنيا للناس والتي تتعلق بالطاقة والغذاء والمأوى، وهي في أدنى هرم ماسلو. نعلم أن لدينا حاجات عليا للحب، تحقيق الذات، الإبداع، ولكننا لانتوقع أن التجارة يمكن أن تقدم لنا شيئا من هذا، فلانربط دفع المال لشيئ يرتبط بالخير، ولكن ذلك ممكن. الحقيقة أن التجارة مازالت سطحية في تلبية حاجاتنا العليا، إننا نحتاج أن نعيش في مدن جميلة، نحتاج إلى النصيحة والدعم النفسي، نحتاج إلى أن ندير عواطفنا، نحتاج أن نبني عائلات ممتدة وقوية عبر الأجيال، نحتاج أن نقوي عقولنا، نريد أن تعيش في مجتمعات حيث يكون عادياً أن نكون حكماء، لطفاء وقنوعين.

ختاماً …

إن أمامنا طريقاً طويلاً لنقطعها مجتمعين، أن لاتبدو هذه الأمال مثل تمهيد شارع أو بناء برج لايعني أن ليس لها علاقة بالعمل أو التجارة، فالمنتجات والخدمات يجب أن تصنع بالبراعة والإبداع الأصيل والتنظيم والجهد، أو باختصار بالعمل الشاق. علينا أن نحضر أنفسنا لعمل لاينتهي من أجل نشر رضا ممتد وواسع بين الناس، وكثير من الناس على صراع مع الرأسمالية لأن الأعمال اليوم ليست جيدة كما يجب أن تكون، فالاعتراض ليس على الأعمال ولكن على تلك التي تكون بدينة، فالأمر ليس هو التمني بأن تذهب الأعمال بعيداً ولكن بأن تصبح أفضل وبذلك نكون راضين كمنتجين ومستهلكين.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s