كيف تكون إدارة الموارد البشرية أداة لبناء علاقة مميزة مع العاملين ؟

مقدمة:

القادة الجيدون يُشعرون الناس الذين يعملون معهم بالأمان، هذا ما يتحدث عنه سيمون سينك في خطاباته، وفي كتابه الأخير “القادة يأكلون آخراً”[i]، إنهم ينشؤون عائلة متماسكة تتعاضد لتواجه أخطار العالم من حولهم، إنهم كلٌُُ واحد يشعرون بالانتماء لكل جزء منهم، إنهم كالجسد الواحد، وعندما تكون هذه المنظمة ناجحة فإن هذا الجسد يكون قوياً مادياً وروحياً، وتكون هذه العائلة نشيطة ومتقدمة، كل فرد فيها يتعاضد مع الآخر ويدعم أدائه وتطلعاته ويشاركه المعلومات والخبرات والأفكار مهما كان المستوى الإداري أو المسمى الوظيفي.

القادة المتميزون يرسمون النظام الذي تسير وفقه المنظمة بمواقفهم والالتزمات التي يعبرون عنها بأفعالهم وتصريحاتهم، إن لديهم الشعلة في قلوبهم والكرم في ذواتهم الذي يجعلهم يسعوون الناس ويجتهدون في جعلهم سعداء.

تعرض هذه المقالة بعض الإضاءات التي تمكن إدارة الموارد البشرية من تحقيق هذه الرؤية على أرض الواقع وتكون أداة لعلاقة بناءة مع العاملين، في هذا الزمن الذي يتسم بالتواصل العالي، ورغبة العاملين بالاختيار والمشاركة في تحقيق رؤيتهم الذاتية ورؤية المنظمة وكونهم جزءاً عضوياً يؤثر ويتأثر بالمجتمع الذي ينتمون إليه.

حيث تستند إلى إطار القيم والمبادئ الذي يرى أن المنظمة يجب أن تكون عائلة متعاضدة متماسكة ، وأن هذه الرؤية تتناسب مع أساليب الإدارة التي تلائم العصر الحديث وتتوافق مع ضرورة إعطاء الموظفين والمدراء الاختيار والمشاركة ثم تعرض أساليب إدارة الموارد البشرية التي تضمن تحقيق رؤية عائلة ناجحة، وهذا إطار نظري ملخص للمقالة:

Framework

أساليب القيادة وإدارة الموارد البشرية:

إن تصميم سياسات ونظم إدارة الموارد البشرية يعتمد بشكل كبير ليس فقط على قيم القادة وإنما على أسلوبهم في الإدارة. إن الابحاث الحديثة تؤكد أن النجاح في الأعمال في عالم اليوم يتطلب أساليباً في الإدارة لم تكن بهذه الأهمية سابقاً بسبب زيادة تنافسية بيئة العمل والحاجة إلى الابداع والتكيف الفعال والحاجة للاستجابة السريعة للمتغيرات، إلى جانب حاجات الجيل الجديد من الأفراد الموهوبين الذين يضيفون قيمة تنافسية للأعمال فهم يتطلبون الاستقلالية ويبحثون عن المعنى ويشكل العمل والمنظمة التي يعملون فيها جزءاً من ذاتهم، والناجحون منهم اليوم هم من يختارون المنظمات التي يريدون أن يستثمروا أوقاتهم فيها.

بما أن تصميم نظم إدارة الموارد البشرية يجب أن يحمل قيم القادة، ويدعم تحقيق رؤيتهم لعلاقتهم مع الأفراد في منظماتهم ، فعلى القادة ومختصين إدارة الموارد البشرية اختيار وتطبيق استراتجيات القيادة والإدارة التي تلائم تحقيق نجاح المنظمات في عالم اليوم بالتوازي مع احترام المبادئ والقيم الإنسانية[ii]، التي بينت الأمثلة الكثيرة أنها طريق جيد للنجاح في الحياة والعمل[iii] على المدى القريب والبعيد.

أساليب القيادة الأربعة:

قام باحثون من كلية وارتون للأعمال[iv] في بحثهم عن أساليب الإدارة وملائمتها للعصرالرقمي بتفصيل أربعة أنواع من أساليب القيادة والإدارة التي يمكن أن يتّبعها القادة في مستويات الإدارة المختلفة وتختلف في فعاليتها وكفاءتها في دعم نمو العمل والإبداع حسب نوع المهمة وهي:

image2

أولاً الكوماندر أو القائد العسكري، وهو أسلوب إداري يغلب عليه الاستخدام الفعال لسلاسل الأمر والتحكم، فالقائد يضع الرؤية والخطة ويقول للآخرين كيف ينفذونها، إن هذا النمط مفيد في الأعمال التي يكون فيها رأس المال مادياً ومحسوساً، وأكثر فعالية عندما يطلب فيه انتاج سلع متشابهة، يهدف العمل إلى بناء الأصول وتسثميرها، لا يصلح هذا النمط عندما يريد الموظفون والزبائن الاختيار والمشاركة، لا يتعارض هذا الأسلوب مع رؤية القائد في الحفاظ على أمان وصحة الموظفين والزبائن إلا أنها تأتي وفق رؤية القائد.

ثانياً التواصلي، وهو أسلوب للقيادة يعتمد على التواصل الفعال مع الأفراد والفرق في المنظمة،  فالقائد يضع الرؤية والخطة ويتواصل مع الفريق من أجل إلهامهم والحصول على قبولهم، رأس المال فيه هو أفراد المنظمة وهو مناسب للأعمال التي يغلب عليها تقديم الخدمات مثل المطاعم والفنادق وغيرها، يرغب الموظفون والزبائن بأن يعرفوا إلى أين تتجه المنظمة وبذلك يمكنهم من تكييف أعمالهم لتتلائم مع خطة ورؤية القائد.

ثالثاً التعاوني، هو القائد يعمل يداً بيد مع فريق العمل والزبائن من أجل تحقيق أهداف المنظمة، رأس مال المنظمة هو الفكر، إن هذا الأسلوب يحض الأفراد على الإبداع وإنتاج رأس مال فكري جديد، من أمثلة هذه المنظمات ذلك الذي يعتمد على الكثير من الإبداع في تفاصيل الأعمال مثل شركات الاستشارات وتقديم الحلول.

رابعاً الإبداعي التعاوني، القائد لا يعمل يداً بيد مع فريق العمل والزبائن فقط إنما يبني المنصة التي تمكن الأفراد من تحقيق رؤيتهم وأهدافهم بالتوازي مع تحقيق أهداف المنظمة، هذا الاسلوب هو لب المنظمات التي تعتمد على إنتاج القيمة من تشارك الأفراد مثل Babele وOpenIDEO.

بعض أساليب الإدارة والقيادة سابقة الذكر مناسبة لبعض الأعمال أكثر من غيرها، إلا أن هناك اتجاهاً ديموغرافياً واتجاهاً تنافسياً في بيئة الأعمال يرجح بعض أساليب الإدارة أكثر من غيرها.

ومن هنا فإن هذه الإضاءات على وظائف إدارة الموارد البشرية تدعم تحقيق رؤية القادة الذين يريدون منظمتهم عائلة متماسكة وتضمن لهم النجاح حيث تلبي حاجة الأفراد وحاجة العمل، وتدعم أساليب القيادة الحديثة من أهمها التواصلي والتعاوني والإبداعي التعاوني، في إطار دعم قيم الثقة والتفاهم والاحترام والتشارك الحقيقي ووضع الذات مكان الآخرين وفهم مشاعرهم وتطلعاتهم والعمل الجاد لتحقيقها بالتوازي مع تحقيق أهداف العمل.

وظائف إدارة الموارد البشرية في إطار القيم وأساليب الإدارة الحديثة

نبدأ أولاً بالتوظيف، وهو ضم أفراد جدد إلى العائلة، أهم ما يجب الانتباه إليه هو اختيار الأفراد ذوي الموهبة والدافع الذاتي والكفاءة والقدرة على التعلم والالتزام بالمبادئ الإنسانية والرغبة في العمل من أجل هدف سام يعود على الفرد وعلى مجتمعه ومن حوله بالفائدة والخير، فالعمل ليس من أجل المصلحة الشخصية فقط ولكنه تحقيق لرسالة سامية في الحياة، يتم تحقيقها ضمن المنظمة وعن طريق تكامل قدرات الأفراد.

أما الوظيفة الثانية لإدارة الموارد البشرية فهي تسهيل انخراط الأفراد الجدد في مجتمع المنظمة حيث تستخدم لذلك عدة وسائل، منها الأنشطة التي يجتمع فيها جميع أعضاء الشركة ويقومون بعمل ما سوياً يتحادثون ويتعرفون على بعضهم بشكل أعمق، فتصبح معرفتهم ببعضهم أعمق من الاسم والحالة المهنية والعائلية إلى الآمال والآلام والأهداف والتطلعات والقيم والنظرة إلى الحياة والمستقبل، ودور كل منهم في نجاح المنظمة ونجاح حياة الآخرين ويقومون بنشاطات تعرف الأفراد على أعمال بعضهم البعض وكيف يمكن لهم أن يجعلوا اسهامهم واسهام الآخرين أكثر قوة.

والوظيفة الثالثة هي تقييم أداء الأفراد الجدد خلال الأشهر الأولى من ناحية الكفاءة والقوة التقنية والموهبة ومن ناحية القدرة على العمل مع الفريق والروح الإيجابية والبحث عن الحلول والجرأة من أجل الإتيان بطرق جديدة في العمل، إن التقييم لا يأتي بمحاضرات مطولة أو وثائق ذات صفحات متعددة بل هو عمل يومي وشهري يظهر الخيارات التي يتخذها المدراء ومواقفهم تجاه من يريدونه ضمن العائلة.

أما الوظيفة الرابعة فهي الدعم المستمر للأداء الممتاز لكل العاملين وباهتمام خاص يقوم فيه المدير أو المنسق المباشر بدور أساسي، إنها تقديم كل ما يتطلبه العضو في العائلة من الدعم سواء الأدوات أو المعلومات ومصادر التدريب والخبرات، إن هذا الدعم هو البحث الحقيقي الموضوعي عن اسباب أي تباطؤ أو تراجع في مستوى الأداء أو عدم تحقيق الأهداف ويتضمن البحث في صوابية الاستراتيجية المستخدمة بشكل تعاوني وهل هي فعالة للوصول إلى الرؤية المشتركة التي يملك كل عضو في المنظمة جزءاً منها.

والوظيفة الخامسة فهي تقسيم الأعمال وتنظيمها بشكل جيد، وتشجيع العاملين على حل الإشكالات وتوثيق الحلول ودعم قدرتهم على حل المشاكل بشكل علمي وممنهج بحيث يضمن أن لا يعاد الخطأ وأن يصبح النظام الذي ينظم عمليات الأعمال اليومية أكثر متانة واعتمادية، إن توصيف الأعمال لا يجب أن يكون دقيقاً وقاسياً بل أن يكون ملهماً ويمثل الخطوط العريضة ويضيئ على مسؤولية الفرد الأساسية وأين يكون اسهامه في نجاح الفريق، كما أن إرشادات العمل هي توجيهات تفصيلية يتم تطويرها من قبل العاملين بشكل مستمر لتحسين جودة العمل كل يوم، وتصميم دور المدراء بحيث يكون دوراً تنظيمياً وداعماً.

الوظيفة السادسة هي جعل العاملين يتشاركون الخير الذي يعود على جهودهم مادياً ومعنوياً، فتصميم نظام المكافآت والحوافز يجب أن يرتبط بالأداء الفردي والجماعي وأداء المنظمة، ويكافئ أحسن الجهود والممارسات والمواهب، إن ذلك لا يعني انتقاص حق المالكين أو المستثمرين ولكن هو الاعتراف بجهود أعضاء المنظمة واسهاماتهم والتأكيد لهم أن الخير سيعم الجميع وأن تحقيق أهداف المنظمة ورؤيتها يعني تحقيق تطلعاتهم ورؤاهم.

الوظيفة السابعة هي رسم السلم الوظيفي الذي يرتقي فيه الأعضاء من أجل تحمل مسؤوليات أكبر والحصول على عوائد أعلى لاستثمار أوقاتهم وجهودهم، من المعلوم أن جميعنا يرغب بالأفضل لنفسه، ولكن الأمر الأكثر أهمية هو احترام الشروط والمعايير التي يصعد فيها الناس هذا السلم المهني، فهي معايير تعتمد على التعلم والخبرة والانجاز والحكمة والالتزام بالمبادئ. إن أولئك الذين يتقلدون المناصب الأرفع هم أولئك الذين يكون لهم الأثر الأكبر في تشكيل ثقافة المؤسسة وتشكيل وعي العاملين وتوجيه قيمهم وأعمالهم وما يمكن أن يتوقعوا في المستقبل، كلما كانت القرارات أكثر عدلاً ومنهجية وتخدم الرؤية المشتركة كلما كانت أدعى لرضا العاملين وزيادة انتاجيتهم وتحقيق قدر أكبر من تطلعاتهم، ليس من الضروري أن يكون السلم الوظيفي هي الترقي في المستويات الإدارية ولكن يمكن أن يكون هناك سلم للمناصب التقنية ولإدارة المشاريع.

إن الوظيفة الأساسية لفريق المدراء الأكثر مسؤولية في المنظمة هو الإبداع التراكمي التجميعي لرؤية مشتركة تجعل العاملين يرون أنفسهم راضين فيها في ظل منظمة ناجحة، إنها ليست رؤية المالكين والمدراء فقط إنما هي ناتج عن مجموع الرؤى ووجود كل فرد في المنظمة يغير في هذه الرؤية بحيث تشمله أيضاً وتشمل تطلعاته، ثم تأتي وظيفة وضع الاستراتيجية الأكثر فعالية التي تجعل الناس والمنظمة في الطريق المؤدي إلى هذه الرؤية، والتقييم الدائم لهذه الاستراتيجية والاختبار المستمر والتكيف الدائم ورصد المتغيرات ، وبناء قدرات المنظمة والعاملين فيها بحيث تكون لديهم القدرة على التكيف واكتشاف الجديد وتنفيذ المشاريع والمبادرات والبرامج وخدمة الزبائن بخدمات ومنتجات مبتكرة تضيف إلى حياتهم معنىً كما تضيف إلى حياة العاملين.

خاتمة:

إن القادة الذين يشعروننا بالأمان هم أولئك الذين تتطابق أقوالهم مع أفعالهم، إنهم أولئك الذين تعرف أن تلك القيم التي تشعرك بالأمان تنتج في أفعال تضمن قدراً كبيراً من الاحترام والرقي والنجاح والسعادة.

إذا عرف العاملون أن نجاح المنظمة يعني نجاحهم وعرفوا ماذا على كل منهم أن يفعل وكيف يوجه طاقاته وقدراته وتطلعاته نحو تحقيق هذه الغاية ، وأن تحقيق هذه الغايات سيعود على المجتمع وعلى أولادهم وعائلاتهم والأجيال القادمة بالخير، سيشعر العاملون بالأمان الواثق الموضوعي وأنهم في أفضل مكان يمكن أن يكونوا فيه، سيصبحون قادرين على الوقوف إلى جانب بعضهم البعض كالبنيان المرصوص، إن المنافسة في السوق لا تعني أنهم في حرب مع الآخرين من المنظمات والشركات المنافسة الآخرى، إنها منافسة شريفة ومبنية على المبادئ وتفيد الجميع، إنها تعني أنهم يعتقدون أن نجاحهم سيعود بالخير عليهم وعلى الآخرين وأنهم يؤكدون على ذلك بالأفعال التي يقومون بها وليس بالأقوال فقط.

إن قيم التشارك واحترام اختيارات الموظفين والزبائن وخلق بيئة آمنة ومشجعة للنمو والعمل، وتجسيد ذلك في أساليب الإدارة التي تؤسس على التشارك والتعاون والإبداع التعاوني، وعكس ذلك في ممارسات إدارة الموارد البشرية في المنظمة، هو ما تحتاج إليه المنظمات في عالم الأعمال اليوم من أجل أداء جيد على المدى القريب والبعيد ومن أجل خير المجتمع وسعادة الناس.

i] Leaders Eat Last, Jan 2014 Summary Link

ii] The Seven Habits of Highly Effective People, Stephen R. Covey Nov 2004

iii] Leading the Life You Want: Skills for Integrating Work and Life, Stewart D. Friedman, Oct 2014. Link

iv] Is Your Leadership Style Right for the Digital Age?  Feb 2015 , Link