نحو هيكلة المنظمات الناشئة

يتمثل التحدي الأكبر للمنظمات الناشئة في أن تستطيع تخطي المراحل التي تكون فيها صغيرة ومتغيرة حتى تصل إلى مرحلة النجاح ومن ثم التوسع من جهة، وبين أن تكون قد طورت كفاءات وخبرات مؤسساتية يمكنها الاستناد عليها بعد ذلك من جهة أخرى. إن قوى التغيير وقوى المأسسة متناقضة وتسير في اتجاهات متعاكسه، فالهيكلة والمأسسة تحتاج إلى استقرار ويتم فيها تطوير قواعد عمل تنظيمية تتطلب الالتزام بها، بينما يحتاج التغيير والنمو باتجاه النضوج مرونة وإبداعاً واعتماداً على العلاقات والثقة.

للأسف تفشل كثير من المنظمات الناشئة في الطريق المؤدي إلى النوع الذي تريده من النضوج، فقد لا تصل إلى الوضع المرضي أبداً وتغلق قبل ذلك، وقد تفشل في الحفاظ على مكانتها عندما تجد الطريق الملائم ذلك أن بناءها كان على أساسات هشة.

إن النضوج للمنظمات الناشئة يعني أن تصبح أكثر استقراراً وأكثر تعريفاً، فعدنا تبلغ النجاح وتصبح منتجاتها وخدماتها مطلوبة في أوساط الزبائن، تحتاج إلى النمو وإلى عدد أكبر من الإمكانات والعاملين. وقد تخطط للنمو عن طريق إعادة إنتاج القيمة على مستوى أوسع Scalingأو إعادة إنتاج المنظمة في كيانات جديدةFranchising أو تتجه لتكون مكاناً للابتكار Innovationحيث يمكنها إعداد الدراسات وتطوير المعرفة في مجالها بناء على خبرتها في تقديم خدمات مميزة، إن اتجاهات النمو التي تتخذها المنظمات تعتمد بشكل كبير على رؤية المؤسسين والإدارة العليا وعلى البيئة التي تعمل فيها ونوع الصناعة وكذلك وبشكل حاسم الموارد والفرص المتاحة للنمو.

نعرض هنا نظرية هنري مينزبيرغ (1992[i]، 2009[ii]) في أنماط هيكلة المنظمات من أجل نرسم الإطار الذي سنناقش فيه توصيات تفيد في هيكلة المنظمات ومن ثم نربط ذلك بنمو المنظمات نحو النضوج وبذلك تكون التوصيات المقترحة التي تمكنها من السير في هذا الطريق منطقية ومؤسسة.

يرى البروفيسور مينزبيرغ أنه يمكن التمييز بين المنظمات بناء على ثلاثة أبعاد أساسية:

البعد الأول: الأجزاء الأساسية في المنظمة وهي الإجزاء التي تلعب دوراً في نجاح المنظمة وفشلها وهي خمسة:

  • الرأس الموجه – الإدارة العليا Strategic Apex: وتضم الأفراد الذين يقومون بالتوجيه العام وتحديد السياسة المالية وفلسفة تقديم القيمة، وهم المؤسسون والمالكون ومن يفوضونهم بهذا العمل من التنفيذين الكبار في المنظمة.
  • الإدارة الوسطى – المشرفونMiddle Line : وتضم الأفراد الذين يقومون بالإشراف على التنفيذ، والتخطيط ومعالجة المشاكل في هذا السياق.
  • عناصر الهيكلة الفنية Techno Structure وتضم الذين يقومون بإنتاج ومعايرة وتحليل طرق العمل في المنظمة.
  • عناصر الدعم الإداري Support Staff: وتضم أولئك الذين يقدمون خدمات داعمة للعمل.
  • اللب المشغل Operative Core: العاملون في تقديم الخدمات والمنتجات.

صورة

شكل يوضح أجزاء المنظمة الرئيسية عند مينز بيرغ

البعد الثاني: وسيلة التنسيق الأساسية: ويقصد بها الطريقة الأساسية للتنسيق بين الفعاليات والمهام والتي تستخدم في المؤسسة وتتضمن خمسة أنواع:

  • الإشراف المباشر: وتعني أن آلية التنسيق هي أن يشرف أحد الأشخاص عن أعمال مجموعة من الأشخاص الآخرين، وبذلك ترتفع مهمات الإشراف في سلسلة المسؤولية والإشراف في الطبقات الإدارية.
  • معايرة وتقييس عمليات العمل: عندما يكون محتوى العمل محدداً ومبرمجاً.
  • معايرة وتقييس المهارات: عندما يكون التدريب المطلوب للقيام بالعمل محدداً.
  • معايرة وتقييس النواتج: عندما يكون ناتج العمل محدداً.
  • التنسيق المتبادل : يتم تنسيق العمل عن طريق التواصل الغير مباشر

البعد الثالث : نوع اللامركزية المستخدم: وهي المدى التي يتم فيه مشاركة المساعدين في اتخاذ القرارات التي تتعلق بكل وحدة عمل، وهي ثلاثة أنماط أساسية:

  • اللامركزية العامودية: وهي توزيع السلطات على طول سلسلة المسؤولية والإشراف، أو تشارك السلطة بين الرؤساء والمرؤوسين.
  • اللامركزية الأفقية: المدى الذي يتم توزيع سلطة اتخاذ القرار بين الموظفين غير الإداريين وبين رؤساءهم
  • اللامركزية المنتقاة: المدى الذي يتم فيه تفويض سلطة القرار إلى الوحدات المختلفة في المنظمة.

وبناء على هذه الأبعاد الثلاث ميز مينزبيرغ بين خمسة أنواع من هياكل المنظمات وهي:

النوع الأول: الهيكلة البسيطة Simple Structure: هذه الهيكلية التي نجدها في المنظمات الناشئة في الشركات الصغيرة وأقسام الحكومة الجديدة والدكاكين والورشات حيث تتألف من الرئيس أو المدير العام مشكلاً القمة الموجهة الجزء الأهم هنا وعدد قليل من الموظفين ويتم توزيع السلطات أفقياً وعمودياً ويستخدم الإشراف المباشر وسيلة التواصل الرئيسية.

النوع الثاني: بيروقراطية الآلة Machine Bureaucracy : هذه الهيكلية تعتمد على مجموعة الهيكلة الفنية بشكل كبير ويتم فيها تقيسس ومعايرة الأعمال وتكون اللامركزية الأفقية محدودة ونجدها على سبيل المثال في المعامل الانتاجية في أقسام الانتاج فيها.

النوع الثالث: بيروقراطية المحترفين Professional Bureaucracy: تعتمد على اللب المشغل ويكون من الاحترافيين الذين تلقوا تدريباً متماثلاً مثل الأطباء في المستشفيات والمدرسين في المدارس، وتكون وسيلة التواصل الرئيسية هي تقييس المهارات حيث أن العاملين من الأطباء ينسقون بينهم بناء على التدريب الذي تلقوه والذي هو محدد ومؤسس بشكل واضح.

النوع الرابع: المنظمة الحية[iii]Adhocracy: تعتمد هذه المنظمات على التنسيق غير الرسمي لإنجاز الاعمال التي تكون عالية التخصيص وعالية الجودة وفيها الكثير من الإبتكار، ويكون فيها الدعم الإداري عالياً ليوفر خدمات للاختصاصيين الذين يقدمون خدمات مبتكرة ومميزة للمستفيدين.

النوع الخامس: الشكل المؤلف من وحدات Divisionalized Form: تعتمد هذه المنظمات على الإدارة الوسطى أو المشرفين وتكون فيها نتواتج العمل محددة ومقيسة وتعتمد على فريق الهيكلة الفنية عادة في إدارة الشركة التي غالباً ما تكون المركزية العاموية هي المستخدمة، وكمثال عليها الشركات الصناعية والتجارية التي تعمل في عدة أسواق، وغالباً ما تكون خطوط المسؤولية والإشراف على شكل مصفوفة.

إن هذه المنظمات التي تكون مؤلفة من وحدات/ أقسام يمكن أن تضم أكثر من نوع هيكلية واحد حيث تأخذ وحدة الإنتاج هيكلة بيروقراطية الآلة بينما تأخذ وحدة البحث والتطوير شكل المنظمة الحية Adhocracy، حيثتستخدم في كل قسموسيلة تواصل أساسية مختلفة عن الأخرى، إلا أن وجود هذه الأقسام وتشكيل كل منها كيان أشبه بمنظمة منفصلة لها ثقافتها ولغتها يعني أنه لابد من وجود وسيلة للتواصل بين رؤسها الموجهة وهنا تتميز المنظمات في قدرتها على تنمية ثقافة فعالة وطرق للتواصل بين البيئات المختلفة فيها.

وعليه يمكننا القول أن نضوج المنظمات الناشئة يعني انتقالها من الهيكلة البسيطة التي تعتمد إلى حد كبير على القمة الموجهة وهي بذلك أكثر شخصانية وتعكس شخصية المؤسس الذي يكون عادة المالك والمدير في هذه المرحلة إلى إحدى الأشكال المستقرة مثل بيروقراطية الآلة أو بيروقراطية المحترفين أو المؤلفة من وحدات أو المنظمة العضوية والتي تكون أكثر استقراراً وموضوعية. إن النمو والنضوج يترافق مع تطوير المنظمة لوسائل تواصل فعالة وتوزيع مناسب لسلطات اتخاذ القرار.

صورة

جدول بأنواع هياكل المنظمات عند مينزبيرغ

في هذه المقالة نعرض أسس التحول إلى إحدى هذه الأشكال، ونعتمد في ذلك على مستويين اثنين:

المستوى الأول: التغيير المعرفي أو ما يدعى التغيير في فهم الأمور Perception Change للإدارة العليا مما ينتج عنه تغير في عملية صناعة القرارات في كل مسألة سواء كانت تتم بشكل مدروس أو اعتماداً على الحدس.

المستوى الثاني: يتم عن طريق استخدام تقنيات لإحداث التغيير الحقيقي نحو هيكلة أكثر استقراراً للمنظمة والتي سنعرضها هنا عن طريق توصيات على الطريق تفيد في اتخاذ القرارات وتؤدي إلى تغيرات ملموسة في إدارة الشركة.

يدعى التغيير المعرفي أو التغيير في فهم الأمور Perception Change أو النصف المنسي من التغيير كما يقول Luc de Brabandere في كتابه[iv]، الأساس في التغيير وهو يحدث في لحظة بينما يستغرق التغيير الحقيقي في الواقع وقتاً، وبينما يتطلب التغيير المعرفي التفكير يتطلب التغيير الحقيقي الفعل.

إن العمل على هيكلة المنظمات الناشئة يتطلب من الإدارة العليا أن تتخذ رؤية جديدة للمنظمة وتسعى باتجاهها، ويمكن للتوصيات التالية الذكر أن تساعدها في هذا الاتجاه ذلك إذا وجدت الإدارة العليا أنها مهمة وفعالة وأحدثت نوعاً من التغيير المعرفي لديها.

إن هذه القواعد مهمة أياً كانت الطريق أو استراتجية النضوج التي تسعى لها حسب رؤيتها وتوقعاتها المادية والمعنوية لدور المنظمة وحسب الصناعة والبيئة والموارد المتاحة لبناءها.

وهي تتلخص فيما يلي:

التوصية الأولى: رؤية المنظمة ككيان اجتماعي مؤلف من مجموعة من الناس تشكل مجتمعاً يسعى لتحقيق هدف مشترك، وتقسم فعاليات وأعمال الأعضاء فيه إلى:

  • اللب المشغل أو “العمليات“: وهم الأعضاء الذين يقومون بالفعاليات المتعلقة بتقديم الخدمة أو المنتج للمستفيدين أو الزبائن مثل المدرسين في المدارس، وعمال الانتاج في المعامل وحتى المصممين في شركات التصميم.
  • الدعم الإداري والهيكلة الفنية الإدارية: وهي المتعلقة بالأمور المالية والمحاسبية وإدارة الأفراد وأمور التسويق والعلاقات مع الزبائن.
  • الهيكلة الفنية الإنتاجية: وهي المتعلقة بتفاصيل ومقاييس جودة العمل وطريقة تقديم الخدمة.
  • القمة الموجهة: وتتعلق بأعمال الإدارة العليا وتتضمن رؤية المنظمة والتوجه الاسترتيجي وفلسفة تقديم القيمة أو الخدمة.

التوصية الثانية: رؤية تطور العاملين في مسارات متخصصة: حيث يتم مساعدة العاملين على زيادة الخبرة في مجال من المجالات سابقة الذكر ويتم بالتدريج فصل هذه المهام بحيث لا يقوم موظف واحد بالقيام بها جميعاً أو بأعمال في أكثر من مجموعة منها، ويتم التطوير والتوظيف وتحديد المهام والمسؤوليات بناء على هذا الأساس.

التوصية الثالثة: تقييم العاملين على أساس الأخلاق المهنية والاعتمادية: حيث لا تكفي الكفاءة والذكاء العاطفي وإنما الاستقامة والالتزام والصدق أساسي لانتقال المنظمة من مرحلة إلى أخرى أكثر نضوجاً.

التوصية الرابعة: ضبط العلاقات بين المنظمة والعاملين من جهة (التعويضات والالتزامات) وبين المنظمة والزبائن من جهة أخرى (الخدمات والأجور) لا يمكن للمنظمة أن تنتقل إلى مرحلة جديدة ما تكن هذه الأمور معرفة وواضحة ومؤسسة بناء على دراسة وتقييم.

التوصية الخامسة: التفريق بين التغيرات الصغيرة والتغيرات الكبيرة، حيث يتم التعامل معها بشكل مختلف فالتغيرات الصغيرة تفوض إلى العاملين لحلها بينما تحتاج التغيرات الكبيرة اهتمام الإدارة العليا وإعادة التنظيم والتفويض بناء عليها.

التوصية السادسة: العمل قدر الإمكان وفق التخطيط ثم التغيير ثم التثبيت ثم التقييم واعتماد التوثيق في كل المراحل وفي كل الفعاليات وتفويض هذه المهام للأفراد بشكل رسمي ومتابعتها.

بالتأكيد هناك توصيات أخرى مفيدة للانتقال من المنظمة ذات الهيكلة البسيطة إلى هياكل أكثر استقراراً، ولكن التوصيات المذكورة سابقاً أساسية على أية حال. إن هذا التحول يترافق مع تغيرات تحصل في المنظمة الناشئة حتى تجد الطريقة التي تستطيع من خلالها تحقيق آمال مؤسسيها مثل نسبة العادية إلى جانب تحقيق فلسفة الخدمة أو المنتج بالجودة مناسبة، وفي المرحلة التي تحتاج فيها إلى زيادة أعداد العاملين و خدمة عدد أكبر من الزبائن الذين يطلبون خدماتها ومنتجاتها، تجد أن عليها أن تبني على العاملين الأوائل أو الرعيل الأول الذي كان في المراحل الأولى وتنتقل إلى هيكلة جديدة تدعم نجاحها القديم وتؤسس لنجاحات جديدة ومن هنا تفيد هذه التوصيات أيضاً في جعل العاملين الأوائل أكثر قدرة على العمل والإنتاج عندما تكبر المنظمة.

شكر لــ فرد سي. لونينبيرغ  Fred C. Lunenburg لتلخيصه إطار هيكلة المنظمات لهنري مينزبيرغ في ورقة البحث الذي نشرها على الرابط التالي:

Lunenburg, Fred C. (2012) Organizational Structure  Mintzberg Framework IJSAID V14 N1.

i] Mintzberg, H. (1992). Structure in fives: Designing effective organizations. Upper Saddle

River, NJ: Prentice Hall

ii] Mintzberg, H. (2009). Tracking strategies: Toward a general theory of strategy

formation. New York, NY: Oxford University Press

iii] Using Hage Words in Hage, J. (1965). An axiomatic theory of organizations. Administrative Science Quarterly,

10, 289-320.

iv] De Brabandere, L. (2007) The forgotten half of change, Kaplan.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s