صورة

تقديم …

في هذه المقالة طرح يبحث في الحالة التي يكون فيها المجتمع أكثر قابلية للتطور وإنتاج أفكار وطرق جديدة وفعالة للعمل، لابد من دراسات مكثفة في التاريخ العالمي وعلم الاجتماع وعلوم الدين الإسلامي والأخلاق والقانون وعلوم السياسة والحكم وغيرها لبيان مقاربة هذه الأطروحة للصدقية والفعالية العملية.

تقوم هذه الأطروحة على الاعتقاد أن ساحة الفكر[1] وساحة العلم وساحة علوم الدين والأخلاق يجب أن تكون مستقلة عن ساحة القانون والتشريع وساحة السياسة بل على المجموعة الأولى أن تقود الأخيرة، وكلما كانت أكثر كفاءة في القيادة كلما كان المجتمع أكثر حرية وكان أرضاً خصبة لتطور وتلاقح الأفكار، وكلما أثرت ساحات العلم والفكر والدين في ساحات القانون والسياسة بشكل أمين ومعبر[2] عن تطلعات المجتمع وتطوره، كلما كان المجتمع أكثر رضاً وأقدر على التطور والمساءلة والحفاظ على أفضل أفراده وتشجيعهم.

يتأثر الفكر المجتمعي الإسلامي بتجربة المسلمين الأوائل الحضارية التي بدأت بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي وحد ساحات الفكر والدين والقانون والسياسة – وبشكل أقل العلم – وكان هو مركزها ونجمها الناظم، وظل حلم الإمام العادل يراود عامة المسلمين، على أمل ظهور الإمام  صاحب القدرة السياسية المحنكة والالتزام الديني العميق والقدرة على وضع القانون المناسب لسير الدولة ولديه من العلم والفكر ما يمكنه من اكتساب الكفاءة اللازمة لتنفيذ مايريد القيام به دون أن يستغل السلطة ويعمل على إثراء نفسه ومن حوله، طبعاً بمساعدة مستشاريه من أهل الحل والعقد[3].

وربما يقول قائل، يمكن للمجتمع أن يكون إسلامياً ويسمح بمساحة حرة للفكر والعلم والدين، ولكن قوانيين وسياسات الدولة ستكون منضبطة بقواعد الشريعة وأسسها في الاجتهاد، وأقول مع تنوع المذاهب الفقهية وتعدد النظر في أولويات المصالح وتأثير السياسات المتبعة على حياة المجتمع وقيمه، يصبح من الصعب توحيد هذه الساحات بل يجب العمل على فصلها بجهد متعاون من الأعلام والنخب في هذه الساحات وتوضيح ذلك للمجتمع. وأذكر أمثلة على السياسات الإشكالية: وجوب قتل المرتد إلى جانب انتشار الأفكار العلمانية ومسوغاتها في مجتمعاتنا، الحاجة إلى دراسة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية بحرية واتباع أساليب بحثية تجريبية دنيوية يمكن أن تكون ذات مصلحة لتغيير الواقع وقد تمليها الظروف دون أن يكون لها سند شرعي مجمع عليه  مثل استخدام منظومة الفائدة في البنوك من أجل تسهيل وتمكين التواصل والتكامل مع الأنظمة المالية في العالم وعند العمل على دراسة ومعالجة التضخم،  عدم جواز رئاسة الدولة لغير الرجل المسلم إلى جانب إصرار الغرب على وجوب أن يتساوى الجميع في الحقوق السياسية وغيرها لكل المواطنين رجالاً ونساءً مسلمين وغير مسلمين. وعليه وبناء على هذه الأمثلة وغيرها يصبح من الصعب تطبيق أحكام الشريعة كاملة (كما وردت عن السلف وكما يجمع عليها الفقهاء والعلماء وأصحاب الفكر) دون أن يتعرض المجتمع لهزات قوية من الخارج والداخل.

ساحة للحرية …

ومن هنا أظن أنه من الأفضل أن لا تتطابق ساحة القانون والسياسة مع ساحات الفكر والعلم والدين، فلا يلوى عنق الدين أو الفكر أو العلم لأجل قانون يريده أصحاب الحكم ولا من أجل سياسة تمليها ضغوط العالم الخارجي واجتهادات الساسة، فمثلا عندما يتقلد فقيه منصباً سياسياً فقد أصبح سياسياً موكلاً بخدمة مصالح الناس ولم يعد فقيهاً، وعند ضمان حرية الاعتقاد والتعبير والعمل، فليس على جميع الفقهاء أن يكون لهم ذات آراء الفقهاء الذين تأخذ بآرائهم الحكومة. فعند استقلال هذه الساحات يستطيع المجتمع أن يختار أفضل أفراده لساحات القانون والسياسة ويحتفظ بأفضل أفراده الآخرين في ساحات العلم والفكر والدين يعملون بحرية قادرين على المساءلة واستبدال الآخرين في ساحات التنفيذ – القانون والسياسة-  متى أساؤوا استخدام السلطة[4]. إن المشكلة أن توحيد هذه الساحات يحرم المجتمع من ديناميات المساءلة حيث يصبح الجميع – بعد زمن-  من المنتفعين الذين يريدون بقاء النظام السياسي كما هو للاحتفاظ بمكانتهم، وسيتخلون عن تطلعات الناس ويفقدون صلتهم بهم ويركزون على الحفاظ على مصالحهم في خدمة قادة السياسة بدل مجابهتهم وقيادة توجهات أكثر إفادة للمجتمع بدعم منه، ومنه يمكن أن يكون هناك مصلحة مهمة في زيادة وعي المجتمع وجعله فعلياً متعدد الأقطاب تتميز هذه الأقطاب بالتباين ولكنها تركز على التعايش والمساءلة والشفافية.

هناك أربع حالات أساسية من الاستبداد …

لنبدأ بالحالة الأولى، فعندما تنعم المجتمعات بحالة من الحرية والتعايش الطبيعي بين الأفكار ولا تنتبه إلى إمكانية إساءة استخدام الحرية، يستغل بعض الأفراد (من داخل المجتمع أو خارجه) هذه الحالة فيتمكنون من التحكم بالمجتمع لتتركز السلطة والثروة في أيديهم (مثال الانقلابيون أو رجال الأعمال الأثرياء جداً) غالباً ما لا يكون لهؤلاء عقيدة واضحة أو فكر مهيمن معين ولكنهم يسعون بأي شكل للحفاظ على مكتسباتهم، عندها تتقلص مساحة الأفكار الحرة ويحدث الاستبداد.

وعندما تتركز الثروة والسلطة في أيدي فئة قليلة ومن ثم – وبعد زمن – تحدث ثورات الفقراء الذين يتجمعون تحت راية فكرة عقائدية تشغف بها الجماهير كما حدث مع الشيوعية والاشتراكية والقومية ، فإذا استطاعوا التغلب على الأنظمة القديمة وسيطروا على السلطة وأصبحت متماسكة أرادوا لفكرهم أن يهيمن، وينحون نحو الاستبداد ومن ثم – وبعد زمن –  تتركز السلطة والمال في أيديهم لعدم المساءلة وعدم وجود حرية للأفكار في المجتمع ويتحولون شيئاً فشيئاً نحو اليمين ليحافظوا على مكتسباتهم فيصبح الهدف من الهينمة الحفاظ على السلطة والمال.

وعليه أعتقد أن الوضع الأكثر مناسبة لتقدم المجتمع وتحقيق أكبر نسبة ممكنة من العدالة الاجتماعية هو أن يطالب المجتمع بوجود مساحة حرة للأفكار ويمارس ويدعم ويشجع الفكر الحر والمساءلة فلا يسيطر فكر واحد ولايتمكن عدد قليل من الناس من تركيز المال أو السلطة في أيديهم عن طريق قوانيين لمصلحتهم أو عن طريق إجراءات أمنية أو عن طريق الفساد والنهب.

عندما يكون للإسلام دور مهم في حياة المجتمع وعندما تسقط العقائد العلمانية الأخرى فإن الفقراء في البلدان ذات الأغلبية المسلمة لا تجد إلا أفكار الأصولية الإسلامية الملتزمة للتجمع حولها لما لها من وقع في نفوس الجماهير ولقوتها، ولكن حتى تنجح إحدى هذه التيارات في الاستحواذ على السلطة فإن تياراً واحداً يسيطر ويلزم الآخرين برؤيته – غالباً ما يكون أحادي الفكر ليستطيع هزيمة التيارات الأقل تماسكاً – وقد يتهم معارضيه بالكفر أو الفسوق إن تخطوا الحدود ويتحول شيئاً فشيئاً نحو تجمع الثروة والسلطة في أيدي فئة قليلة وممارسة الاستبداد.

وإذا نظرنا إلى الأنظمة الملكية غير الدستورية في بلاد المسلمين، نجد أن الحاكم مع أسرته وعشيرته يعمد إلى تقييد مساحة الأفكار خوفاً من تيار معارض له فكر مختلف أكثر التزاماً قد يجتمع حوله الناس ومن هنا يحدث الاستبداد وتضيق مساحة الأفكار.

يتبين لدينا من هذا العرض أن هناك أربع حالات أساسية للاستبداد هي الأنظمة الملكية والأنظمة الشيوعية والاشتراكية والقومية والأصولية الإسلامية – خصوصاً بعد الثورات المسلحة التي تنجح في قلب نظام الحكم – والرأسمالية التي تتجلى في تحكم رجال الأعمال الأثرياء جداً أو فيمن استفاد من فساد الدولة في مرحلة ما وكذلك الأنظمة الاقطاعية القديمة، موضح في الشكل في الأعلى.

والسؤال الأكثر أهمية كيف يمكن الانتقال من حالات الاستبداد إلى حالة الحرية؟

إن الشعوب التي تتمكن من الانتقال من حالة الأستبداد إلى حالة من الحرية بالتتالي غالباً ما تفعل ذلك بثورات شعبية سلمية، تلك الثورات التي تنجح وتؤدي إلى أن يأخذ زمام المبادرة مجموعة من المفكرين الأحرار في المجتمع تدعمهم القوى القديمة من أثرياء وأصحاب نفوذ أمن وجيش مثلاً ويأخذون شرعيتهم من سلطتهم الأخلاقية ومن دعمهم لطموحات الشعب، أما المجتمعات التي يصر فيها الحكام المستبدون على تغييب الأعلام الحرة قتلاً أو اعتقالاً أو نفياً فتذهب باتجاه ثورات مسلحة، ليسيطر على الحكم – بعد هذه الثورات –  قلة ذات عقيدة قوية لتمر مرحلة من الاستبداد يتماسك فيها الحكم لهذه المجموعة ليتمكن بعدها المجتمع من المطالبة بمساحة أكبر وتبدأ عملية التحول نحو الحرية، وكلما ساهمت هذه القلة في بناء مقومات مادية وملموسة للاقتصاد، وبنت مؤسسات دولة قوية وكلما كانت أكثر تنوراً وانفتاحاً على المجتمع كلما كان التحول ممكناً أكثر دون أن تنزلق مرة أخرى إلى ثورة يحدث فيها اقتتال أو تستأثر مجموعة مستبدة أخرى بالحكم .

في هذا العصر وفي المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة فإن ثورات الفقراء ضد من يتركز المال والسلطة في أيديهم تأخذ منحى التجمع حول عقيدة إسلامية ملتزمة “أصولية”  قد تعمل على إقصاء بقية التيارات التي لا تشاركها الرأي لتعمل على تماسك الحكم في يدها وتدعمها الجموع المخلصة الملتزمة، تحدث هذه الثورات وقد تكون مسلحة لأن الإسلام الملتزم يحمل قيماًَ قتالية أيضاً، وغالباً ما تحدث بسبب وقوع مظالم وفقر فتحمل شرعية وقوعها. إذا لم تستطع فئة السيطرة فإن الصراع و الاقتتال سيحدث بين الفئات المتنافسة وقد يعود النظام القديم ليسيطر أو يأتي نظام يكون مدعوماً من الخارج بقوة عسكرية أو غيرها وعندها لن يتمكن المجتمع من الذهاب إلى مساحة الحرية إلا بمطالبة النخب المستبدة – أو الأنظمة الخارجية –  بشكل سلمي وبالعمل الحثيث على بناء النخب فيه.

لذلك أظن أن الانتقال إلى مرحلة الحرية لا يكون إلا بنخب يبنيها – أو يحافظ عليها أو لا يكترث لوجودها- نظام مستبد ثم ترغب بالتنوير وتفتح للمجتمع مساحة أكبر من الحرية يطالب بها المجتمع ويشغلها مفكرون وعلماء أحرار ومحترمون ذوي فكر قيم.، ليكون الحل الأنسب من أجل الانتقال إلى الحرية هو العمل على تنوير النخب  وعلى الأجيال التي يمكن أن ترثها وحماية النخب الحرة لنأمل انفراج ساحة الفكر وتحررها.

ختاماً …

قديماً قال الحسن البصري “ظلم الحكام لا يرفع بالسيوف” اليوم أقول صدق الإمام البصري، فالثورات المسلحة ليست وسيلة مضمونة لتقدم المجتمع، إلا أن الثورات مهما كان نوعها سلمية أو مسلحة حالة شعبية تدل على أن الاستبداد قد بلغ حده، ولكنها لا تبني بذاتها مجتمعاً حراً ومتقدماً ، فالأمر يكمن في النظام الاجتماعي الذي يضمن أن تكون النخب السياسية والتشريعية والقانونية معبرة عن آمال المجتمع وتتطلعاته فتسير به خطوات نحو الأمام ضمن رؤيته ووفق وعيه، ويضمن أن يستطيع المجتمع التطور والتقدم بعيداً عن قبضة هذه النخب في مساحة للحرية يبني فيها ويطور ويغذي نخباً تبني مستقبله وتجعل منه أفضل.


[1] يقصد بالساحة هي الحيز الذي تلتقي فيه الأفكار وتظهر ويصبح لها تأثير على حياة المجتمع، وتتمثل باشكال كثيرة مثل القنوات الفضائية ومراكز البحث في الجامعات والبرلمانات والمنتديات والمؤتمرات والكتب والمجلات وحتى محركات البحث والمدونات ومجموعات الفيس بوك، هي تلك التي تؤثر في أراء أولئك الذين يصنعون قرارات وسياسات تغير حياة المجتمع أو حتى في تعيينهم ، وتؤثر أيضاً في آراء وسلوكيات مؤيديهم أو منتقديهم.

[2]  يمكن أن تقدم الأنظمة الديمقراطية اليوم بعض الحلول لتحقيق هذا التعبير الأمين عن تطلعات المجتمع في ساحات السياسة والقانون، ولكن بالتأكيد هناك مشكلات في بناء مؤسساتها الفعالة في مجتمعاتنا وهناك أيضاً مشكلات تعانيها هذه الأنظمة في الدول التي بنتها وتعمل فيها حتى أصبحوا يفكرون في ما بعد الديمقراطية.

[3]  هذا جانب يسير من طروحات من ضرورة قيام الدولة الإسلامية بحاجة إلى دراسة معمقة.

[4]  لابد من دراسة معمقة للأساليب والسياسات التي يجب إقرارها لضمان فصل الساحات إلى جانب ضمان الحريات، وكذلك تصميم المؤسسات “الديمقراطية” القادرة على اختيار القادة السياسيين والمشرعين والقانونيين ومساءلتهم ومعاقبتهم واستبعادهم متى استغلوا مناصبهم أو لا يعملوا بكفاءة.

Advertisements