كيف تتقدم المجتمعات ؟ وكيف تنتقل إلى الحرية ؟

صورة

تقديم …

في هذه المقالة طرح يبحث في الحالة التي يكون فيها المجتمع أكثر قابلية للتطور وإنتاج أفكار وطرق جديدة وفعالة للعمل، لابد من دراسات مكثفة في التاريخ العالمي وعلم الاجتماع وعلوم الدين الإسلامي والأخلاق والقانون وعلوم السياسة والحكم وغيرها لبيان مقاربة هذه الأطروحة للصدقية والفعالية العملية.

تقوم هذه الأطروحة على الاعتقاد أن ساحة الفكر[1] وساحة العلم وساحة علوم الدين والأخلاق يجب أن تكون مستقلة عن ساحة القانون والتشريع وساحة السياسة بل على المجموعة الأولى أن تقود الأخيرة، وكلما كانت أكثر كفاءة في القيادة كلما كان المجتمع أكثر حرية وكان أرضاً خصبة لتطور وتلاقح الأفكار، وكلما أثرت ساحات العلم والفكر والدين في ساحات القانون والسياسة بشكل أمين ومعبر[2] عن تطلعات المجتمع وتطوره، كلما كان المجتمع أكثر رضاً وأقدر على التطور والمساءلة والحفاظ على أفضل أفراده وتشجيعهم.

يتأثر الفكر المجتمعي الإسلامي بتجربة المسلمين الأوائل الحضارية التي بدأت بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي وحد ساحات الفكر والدين والقانون والسياسة – وبشكل أقل العلم – وكان هو مركزها ونجمها الناظم، وظل حلم الإمام العادل يراود عامة المسلمين، على أمل ظهور الإمام  صاحب القدرة السياسية المحنكة والالتزام الديني العميق والقدرة على وضع القانون المناسب لسير الدولة ولديه من العلم والفكر ما يمكنه من اكتساب الكفاءة اللازمة لتنفيذ مايريد القيام به دون أن يستغل السلطة ويعمل على إثراء نفسه ومن حوله، طبعاً بمساعدة مستشاريه من أهل الحل والعقد[3].

وربما يقول قائل، يمكن للمجتمع أن يكون إسلامياً ويسمح بمساحة حرة للفكر والعلم والدين، ولكن قوانيين وسياسات الدولة ستكون منضبطة بقواعد الشريعة وأسسها في الاجتهاد، وأقول مع تنوع المذاهب الفقهية وتعدد النظر في أولويات المصالح وتأثير السياسات المتبعة على حياة المجتمع وقيمه، يصبح من الصعب توحيد هذه الساحات بل يجب العمل على فصلها بجهد متعاون من الأعلام والنخب في هذه الساحات وتوضيح ذلك للمجتمع. وأذكر أمثلة على السياسات الإشكالية: وجوب قتل المرتد إلى جانب انتشار الأفكار العلمانية ومسوغاتها في مجتمعاتنا، الحاجة إلى دراسة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية بحرية واتباع أساليب بحثية تجريبية دنيوية يمكن أن تكون ذات مصلحة لتغيير الواقع وقد تمليها الظروف دون أن يكون لها سند شرعي مجمع عليه  مثل استخدام منظومة الفائدة في البنوك من أجل تسهيل وتمكين التواصل والتكامل مع الأنظمة المالية في العالم وعند العمل على دراسة ومعالجة التضخم،  عدم جواز رئاسة الدولة لغير الرجل المسلم إلى جانب إصرار الغرب على وجوب أن يتساوى الجميع في الحقوق السياسية وغيرها لكل المواطنين رجالاً ونساءً مسلمين وغير مسلمين. وعليه وبناء على هذه الأمثلة وغيرها يصبح من الصعب تطبيق أحكام الشريعة كاملة (كما وردت عن السلف وكما يجمع عليها الفقهاء والعلماء وأصحاب الفكر) دون أن يتعرض المجتمع لهزات قوية من الخارج والداخل.

ساحة للحرية …

ومن هنا أظن أنه من الأفضل أن لا تتطابق ساحة القانون والسياسة مع ساحات الفكر والعلم والدين، فلا يلوى عنق الدين أو الفكر أو العلم لأجل قانون يريده أصحاب الحكم ولا من أجل سياسة تمليها ضغوط العالم الخارجي واجتهادات الساسة، فمثلا عندما يتقلد فقيه منصباً سياسياً فقد أصبح سياسياً موكلاً بخدمة مصالح الناس ولم يعد فقيهاً، وعند ضمان حرية الاعتقاد والتعبير والعمل، فليس على جميع الفقهاء أن يكون لهم ذات آراء الفقهاء الذين تأخذ بآرائهم الحكومة. فعند استقلال هذه الساحات يستطيع المجتمع أن يختار أفضل أفراده لساحات القانون والسياسة ويحتفظ بأفضل أفراده الآخرين في ساحات العلم والفكر والدين يعملون بحرية قادرين على المساءلة واستبدال الآخرين في ساحات التنفيذ – القانون والسياسة-  متى أساؤوا استخدام السلطة[4]. إن المشكلة أن توحيد هذه الساحات يحرم المجتمع من ديناميات المساءلة حيث يصبح الجميع – بعد زمن-  من المنتفعين الذين يريدون بقاء النظام السياسي كما هو للاحتفاظ بمكانتهم، وسيتخلون عن تطلعات الناس ويفقدون صلتهم بهم ويركزون على الحفاظ على مصالحهم في خدمة قادة السياسة بدل مجابهتهم وقيادة توجهات أكثر إفادة للمجتمع بدعم منه، ومنه يمكن أن يكون هناك مصلحة مهمة في زيادة وعي المجتمع وجعله فعلياً متعدد الأقطاب تتميز هذه الأقطاب بالتباين ولكنها تركز على التعايش والمساءلة والشفافية.

هناك أربع حالات أساسية من الاستبداد …

لنبدأ بالحالة الأولى، فعندما تنعم المجتمعات بحالة من الحرية والتعايش الطبيعي بين الأفكار ولا تنتبه إلى إمكانية إساءة استخدام الحرية، يستغل بعض الأفراد (من داخل المجتمع أو خارجه) هذه الحالة فيتمكنون من التحكم بالمجتمع لتتركز السلطة والثروة في أيديهم (مثال الانقلابيون أو رجال الأعمال الأثرياء جداً) غالباً ما لا يكون لهؤلاء عقيدة واضحة أو فكر مهيمن معين ولكنهم يسعون بأي شكل للحفاظ على مكتسباتهم، عندها تتقلص مساحة الأفكار الحرة ويحدث الاستبداد.

وعندما تتركز الثروة والسلطة في أيدي فئة قليلة ومن ثم – وبعد زمن – تحدث ثورات الفقراء الذين يتجمعون تحت راية فكرة عقائدية تشغف بها الجماهير كما حدث مع الشيوعية والاشتراكية والقومية ، فإذا استطاعوا التغلب على الأنظمة القديمة وسيطروا على السلطة وأصبحت متماسكة أرادوا لفكرهم أن يهيمن، وينحون نحو الاستبداد ومن ثم – وبعد زمن –  تتركز السلطة والمال في أيديهم لعدم المساءلة وعدم وجود حرية للأفكار في المجتمع ويتحولون شيئاً فشيئاً نحو اليمين ليحافظوا على مكتسباتهم فيصبح الهدف من الهينمة الحفاظ على السلطة والمال.

وعليه أعتقد أن الوضع الأكثر مناسبة لتقدم المجتمع وتحقيق أكبر نسبة ممكنة من العدالة الاجتماعية هو أن يطالب المجتمع بوجود مساحة حرة للأفكار ويمارس ويدعم ويشجع الفكر الحر والمساءلة فلا يسيطر فكر واحد ولايتمكن عدد قليل من الناس من تركيز المال أو السلطة في أيديهم عن طريق قوانيين لمصلحتهم أو عن طريق إجراءات أمنية أو عن طريق الفساد والنهب.

عندما يكون للإسلام دور مهم في حياة المجتمع وعندما تسقط العقائد العلمانية الأخرى فإن الفقراء في البلدان ذات الأغلبية المسلمة لا تجد إلا أفكار الأصولية الإسلامية الملتزمة للتجمع حولها لما لها من وقع في نفوس الجماهير ولقوتها، ولكن حتى تنجح إحدى هذه التيارات في الاستحواذ على السلطة فإن تياراً واحداً يسيطر ويلزم الآخرين برؤيته – غالباً ما يكون أحادي الفكر ليستطيع هزيمة التيارات الأقل تماسكاً – وقد يتهم معارضيه بالكفر أو الفسوق إن تخطوا الحدود ويتحول شيئاً فشيئاً نحو تجمع الثروة والسلطة في أيدي فئة قليلة وممارسة الاستبداد.

وإذا نظرنا إلى الأنظمة الملكية غير الدستورية في بلاد المسلمين، نجد أن الحاكم مع أسرته وعشيرته يعمد إلى تقييد مساحة الأفكار خوفاً من تيار معارض له فكر مختلف أكثر التزاماً قد يجتمع حوله الناس ومن هنا يحدث الاستبداد وتضيق مساحة الأفكار.

يتبين لدينا من هذا العرض أن هناك أربع حالات أساسية للاستبداد هي الأنظمة الملكية والأنظمة الشيوعية والاشتراكية والقومية والأصولية الإسلامية – خصوصاً بعد الثورات المسلحة التي تنجح في قلب نظام الحكم – والرأسمالية التي تتجلى في تحكم رجال الأعمال الأثرياء جداً أو فيمن استفاد من فساد الدولة في مرحلة ما وكذلك الأنظمة الاقطاعية القديمة، موضح في الشكل في الأعلى.

والسؤال الأكثر أهمية كيف يمكن الانتقال من حالات الاستبداد إلى حالة الحرية؟

إن الشعوب التي تتمكن من الانتقال من حالة الأستبداد إلى حالة من الحرية بالتتالي غالباً ما تفعل ذلك بثورات شعبية سلمية، تلك الثورات التي تنجح وتؤدي إلى أن يأخذ زمام المبادرة مجموعة من المفكرين الأحرار في المجتمع تدعمهم القوى القديمة من أثرياء وأصحاب نفوذ أمن وجيش مثلاً ويأخذون شرعيتهم من سلطتهم الأخلاقية ومن دعمهم لطموحات الشعب، أما المجتمعات التي يصر فيها الحكام المستبدون على تغييب الأعلام الحرة قتلاً أو اعتقالاً أو نفياً فتذهب باتجاه ثورات مسلحة، ليسيطر على الحكم – بعد هذه الثورات –  قلة ذات عقيدة قوية لتمر مرحلة من الاستبداد يتماسك فيها الحكم لهذه المجموعة ليتمكن بعدها المجتمع من المطالبة بمساحة أكبر وتبدأ عملية التحول نحو الحرية، وكلما ساهمت هذه القلة في بناء مقومات مادية وملموسة للاقتصاد، وبنت مؤسسات دولة قوية وكلما كانت أكثر تنوراً وانفتاحاً على المجتمع كلما كان التحول ممكناً أكثر دون أن تنزلق مرة أخرى إلى ثورة يحدث فيها اقتتال أو تستأثر مجموعة مستبدة أخرى بالحكم .

في هذا العصر وفي المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة فإن ثورات الفقراء ضد من يتركز المال والسلطة في أيديهم تأخذ منحى التجمع حول عقيدة إسلامية ملتزمة “أصولية”  قد تعمل على إقصاء بقية التيارات التي لا تشاركها الرأي لتعمل على تماسك الحكم في يدها وتدعمها الجموع المخلصة الملتزمة، تحدث هذه الثورات وقد تكون مسلحة لأن الإسلام الملتزم يحمل قيماًَ قتالية أيضاً، وغالباً ما تحدث بسبب وقوع مظالم وفقر فتحمل شرعية وقوعها. إذا لم تستطع فئة السيطرة فإن الصراع و الاقتتال سيحدث بين الفئات المتنافسة وقد يعود النظام القديم ليسيطر أو يأتي نظام يكون مدعوماً من الخارج بقوة عسكرية أو غيرها وعندها لن يتمكن المجتمع من الذهاب إلى مساحة الحرية إلا بمطالبة النخب المستبدة – أو الأنظمة الخارجية –  بشكل سلمي وبالعمل الحثيث على بناء النخب فيه.

لذلك أظن أن الانتقال إلى مرحلة الحرية لا يكون إلا بنخب يبنيها – أو يحافظ عليها أو لا يكترث لوجودها- نظام مستبد ثم ترغب بالتنوير وتفتح للمجتمع مساحة أكبر من الحرية يطالب بها المجتمع ويشغلها مفكرون وعلماء أحرار ومحترمون ذوي فكر قيم.، ليكون الحل الأنسب من أجل الانتقال إلى الحرية هو العمل على تنوير النخب  وعلى الأجيال التي يمكن أن ترثها وحماية النخب الحرة لنأمل انفراج ساحة الفكر وتحررها.

ختاماً …

قديماً قال الحسن البصري “ظلم الحكام لا يرفع بالسيوف” اليوم أقول صدق الإمام البصري، فالثورات المسلحة ليست وسيلة مضمونة لتقدم المجتمع، إلا أن الثورات مهما كان نوعها سلمية أو مسلحة حالة شعبية تدل على أن الاستبداد قد بلغ حده، ولكنها لا تبني بذاتها مجتمعاً حراً ومتقدماً ، فالأمر يكمن في النظام الاجتماعي الذي يضمن أن تكون النخب السياسية والتشريعية والقانونية معبرة عن آمال المجتمع وتتطلعاته فتسير به خطوات نحو الأمام ضمن رؤيته ووفق وعيه، ويضمن أن يستطيع المجتمع التطور والتقدم بعيداً عن قبضة هذه النخب في مساحة للحرية يبني فيها ويطور ويغذي نخباً تبني مستقبله وتجعل منه أفضل.


[1] يقصد بالساحة هي الحيز الذي تلتقي فيه الأفكار وتظهر ويصبح لها تأثير على حياة المجتمع، وتتمثل باشكال كثيرة مثل القنوات الفضائية ومراكز البحث في الجامعات والبرلمانات والمنتديات والمؤتمرات والكتب والمجلات وحتى محركات البحث والمدونات ومجموعات الفيس بوك، هي تلك التي تؤثر في أراء أولئك الذين يصنعون قرارات وسياسات تغير حياة المجتمع أو حتى في تعيينهم ، وتؤثر أيضاً في آراء وسلوكيات مؤيديهم أو منتقديهم.

[2]  يمكن أن تقدم الأنظمة الديمقراطية اليوم بعض الحلول لتحقيق هذا التعبير الأمين عن تطلعات المجتمع في ساحات السياسة والقانون، ولكن بالتأكيد هناك مشكلات في بناء مؤسساتها الفعالة في مجتمعاتنا وهناك أيضاً مشكلات تعانيها هذه الأنظمة في الدول التي بنتها وتعمل فيها حتى أصبحوا يفكرون في ما بعد الديمقراطية.

[3]  هذا جانب يسير من طروحات من ضرورة قيام الدولة الإسلامية بحاجة إلى دراسة معمقة.

[4]  لابد من دراسة معمقة للأساليب والسياسات التي يجب إقرارها لضمان فصل الساحات إلى جانب ضمان الحريات، وكذلك تصميم المؤسسات “الديمقراطية” القادرة على اختيار القادة السياسيين والمشرعين والقانونيين ومساءلتهم ومعاقبتهم واستبعادهم متى استغلوا مناصبهم أو لا يعملوا بكفاءة.

كيف نبني مؤسسات واثقة ؟

صورة

جامعة دمشق:من المؤسسات التي يجب البناء على منوالها والحفاظ عليها.

بدأت العمل مؤخراً كاستشاري في الأمور الإدارية والتنظيمية لمنظمة[1] تعليمية صغيرة تعنى بالتدريب والتعليم للأطفال الذين يعانون من صعوبات في التعلم ذات منشأ عضوي أو انفعالي نفسي، حيث يقع اختصاص المركز فيما يدعى بالتربية المختصة كأول مركز مختص يعنى بهذا الأمر في سورية. وهو مركز صغير حالياً إذ لا يتجاوز عدد العاملين فيه 25 فرداً.

يتميز المركز بأن لدى المدير العام/المؤسس معرفة وكفاءة تقنية واسعة وخبرة امتدت حوالي 20 سنة في هذا المجال، إضافة إلى رؤية عميقة وطموحة لمستقبل المركز، ولديها قيم احترافية وذات جودة وشفافية وهي ملتزمة بتطبيقها في كل التفاصيل. كما تم أخذ الكثير من الخطوات باتجاه بناء الكفاءة الاحترافية التقنية للمركز وأخذ زمام المبادرة لمعالجة هذه المشكلة في المجتمع، فقد قامت المدير العام بعقد شراكات مع مؤسسات تدريبية رائدة على مستوى المنطقة في هذا المجال ورتبت تدريب عالي المستوى للكادر الفني في المركز، كما أخذ التوظيف اهتماما عاليا من جدول أعمالها فجميع العاملين ذوي خبرة في المجال وعلى كفاءة بالمجمل جيدة.

تحمل هذه المنظمة الكثير من المؤهلات التي يمكن أن تجعلها في مصاف المنظمات/ المؤسسات الاحترافية العالمية، إلا أن الأوضاع الحالية في البلد وتعسر القيام بالأعمال وانجاز المهام حتى البسيطة منها مثل تأمين المواصلات شتت الكثير من الجهود وأوقع المركز في صعوبات مالية وبشرية.

إن ما تحتاجه المنظمة اليوم هو التزام شديد وتكيز قوي على بناء النظام الإداري الذي يحفظ لها الخبرة التي اكتسبتها إلى اليوم، يحافظ على رضا العاملين ويطورهم ويضمن لها الاستمرار وتقديم خدماتها لأولئك الذين يحتاجونها بشدة. ومن هنا كانت الحاجة لرسم خارطة بسيطة للأولويات التي على المدير العام أن تركز عليها في هذه المرحلة، وماهي الدوافع والصفات التي يمكن أن تتحلى بها لتحقق ما تصبو إليه، إضافة إلى إشارة مقتضبة لدور الاستشاري في هذه العملية.

في هذه المقالة أقوم بعرض موديل “القائد/ المدير المؤسساتي” وهو مصطلح قرأته أول مرة في مقال لديفيد ماكيللاند وديفيد بيرنهام نشراه في 1976 في مجلة هارفرد للأعمال بعنوان “القوة هي الدافع العظيم”[2] وفيه يضعان الإطار لدوافع المدير/القائد وهو يؤدي عمله في إدارة منظمته أو قسمه، ويخلصان إلى أن الحاجة إلى القوة والسلطة ولكن المؤسساتية وليس الشخصية هي ما يدفع “القائد/ المدير المؤسساتي” إلى القيام بالعمل الشاق وهو بناء المنظمة، حيث أعتقد أن بناء منظمات واثقة تمشي بخطا ثابتة وتستطيع مواجهة الصعاب هي مهمة القادة المؤسسين وخصوصاً الرئيس أو المدير العام.

وأزيد على الموديل المهمتان الأساسيتان التي على “القائد/ المدير المؤسساتي” أن يوليهما تركيزه ويقود فريقه الإداري والعاملين في المنظمة في طريق إنجازهما، وأستمد المهمة الأولى وهي الالتزام ببناء النظام الإداري من أساس منطقي أقدم له بعرض ماكس فيبر لمصادر شرعية النظم السياسية، وكيف يمكن للأنظمة الناشئة أن تستمر، أما المهمة الثانية وهي بناء “المنظمة دائمة التعلم” فأستمدها من أدبيات عنيت بهذاالأمر وبدأت بكتاب بيتر سينغ عام 1990[3] الذي ذكر المصطلح لأول مرة ، فالحاجة لتنظيم النظام الإداري بحيث يضمن التعلم المستمر لجميع الأفراد وتطوير المعرفة المؤسساتية أمر فرضته الظروف الحالية ونوع الخدمات المتوقعة من المؤسسات والتحديات التي تواجهها إذا أرادت الاستمرار في تقديم خدمات بجودة عالية.

القادة الكارزماتيون وبناء نظام عقلاني قانوني

دعوني أبدأ بكيف تبني المؤسسات والنظم السياسية ، وأستعين هنا برؤية ماكس فيبر الفيلسوف السياسي وعالم الاجتماع لألماني (1864 – 1920م) الذي وضح أن شرعية النظام السياسي ويقصد بها القيمة التي تجعل هذا النظام جيداً ومقبولا لدى المحكومين تستمد من ثلاثة مصادر رئيسية: الأولى المصادر التقليدية (مثل الأنظمة الملكية)، الثانية القادة الكارزماتيون والذين يستمدون شرعية وقدرة النظام على الحكم من صفاتهم الشخصية ومن سلطتهم الروحية والأخلاقية (قادة الثورات مثل نيلسون مانديلا)، الثالثة المصادر العقلانية القانونية مثل احترام القانون، الدستور، ومن السلطة الغير شخصية للقانون الذي يحكم الأمور بشكل جيد (مثل الديمقراطيات الراسخة).

في الحقيقة، إن القادة الكارزماتيون الذين يستمدون السلطة من أنفسهم ومن صفاتهم الشخصية ومن تفاعلهم مع من حولهم فيرى الناس أنهم أهل لتقلد المهام العظام وأهل للمضي بهم إلى رؤيتهم المشتركة[4] وربما يقبلون بهم ويساعدونهم على تحقيق رؤيتهم بالعمل معهم أو بالصمت عنهم، يقع عليهم عبء ومسؤولية بناء النظام العقلاني القانوني الذي يستمد شرعيته من الدستور والقانون إذا أرادوا للأنظمة التي بنوها بسلطتهم الشخصية أن تستمر، إن عليهم في مرحلة مهمة من حياة المنظمة أو النظام السياسي هنا أن يفرقوا بين كونهم “حاملين للسلطة” وبين كونهم “مصدر السلطة”[5] فالسلطة تستمد في النظام العقلاني القانوني من القانون بينما تستمد من القائد نفسه عند بداية بناء النظام وقبل أن يكسب القانون الشرعية بذاته  بأدائه وصفاته.

الأمر لا يختلف كثيراً عما يحدث في المنظمات والشركات التي نعرفها اليوم، فبناء المنظمة الجيدة يتطلب قائداً كارزماتياً كفوءاً يبني نظاماً عقلانياً قانونياً ويعطي هذا القانون أو النظام القوة والشرعية من سلطته الأخلاقية، وهو ما ندعوه هنا “القائد المؤسساتي” الذي يبني منظمة تستطيع الاستمرار والنمو وخدمة عدد متزايد من المستفيدين والزبائن.

الدافع وراء أعمال “المدير/القائد المؤسساتي” هو السعي للقوة أو السلطة

ولكن من أين يستمد القائد المؤسساتي الدافع للقيام بما عليه القيام به، ولماذا ينجح بعض الأفراد في هذه المهمة بينما يفشل البعض الآخر. درس هذا الأمر كل من ديفيد ماكيللاند وديفيد بيرنهام في مقالهما سابق الذكر2 وخلصا إلى أن المدراء ينقسمون إلى ثلاثة مجموعات رئيسية فيما يتعلق بالدافع الذي يحركهم باتجاه العمل، تضم المجموعة الأولى المدراء الذين يحتاجون للعلاقات والإعجاب أكثر من حاجتهم إلى تحقيق الأعمال ويسعون إلى زيادة شهرتهم أكثر من سعيهم لتحقيق أهداف المؤسسة، أما المجموعة الثانية فتضم أولئك الذين يضعون الأهداف لأنفسهم ويحققونها بأنفسهم بغض النظر عن رأي الناس فيهم، أما المجموعة الثالثة فهم “المدراء المؤسساتيون” المهتمون قبل كل شيئ بالقوة والسلطة بمعناها الإيجابي وهي الحاجة للتأثير في الناس وأداء الأعمال من خلال الأشخاص وليس بالجهد الفردي.

وجد الباحثان أن الناس في المنظمات والأقسام التي يديرها قادة مهتمون بالقوة والسلطة والتأثير فيمن حولهم بطرق إيجابية وفعالة هم الأقدر على إنشاء فرق عمل تتمتع بالوضوح المؤسساتي وروح الفريق وحس المسؤولية وتقوم بالأعمال بكفاءة وباستدامة، على عكس أولئك الذين يعملون في أقسام يديرها مديرون يسعون إلى إرضاء من يرأسونهم وزيادة شهرتهم ووضع الاستثناءات بدل احترام النظام وإعطاء القوة والشرعية له وأنه فوق الجميع مما يفقد المرؤسين الاحساس بالوضوح والمسؤولية تجاه ماعليهم فعله، وكذلك في الأقسام التي يسعى المدراء فيها إلى تحقيق انجازات شخصية وزيادة كفاءتهم الذاتية ففيها يشعر الناس بالتقييد والتهميش ويعانون فيها بالانتقاد الدائم.

ماهي صفات “المدير/القائد المؤسساتي” والقادة في فريقه الإداري؟

قام الباحثان ببحث ميداني لمعرفة صفات هؤلاء المدراء ووجدا أن هؤلاء المدراء يشعرون بالمسؤولية تجاه المنظمات التي ينضمون إليها ويؤمنون بالقيادة المركزية، ويحبون العمل وبالذات انضباط العمل في المؤسسة، وهم مستعدون للتضحية بمصالحهم الشخصية من أجل المنظمة، ويتميزون بحس وإدراك قوي للعدل فهم يريدون للناس الذين يبذلون جهدهم أن يكافئوا مكافأة عادلة ويتاح لهم الطريق لتحقيق تتطلعاتهم.

كما يوصف هؤلاء المدراء بأنهم أكثر نضجاً من نظرائهم وأقل أنانية وأكثر ثقة بالنفس. يقوم هؤلاء المدراء بالبحث عن نصيحة الخبراء ولديهم نظرة بعيدة المدى عند أخذ القرارات. إنهم يعلمون أنهم لن يعيشوا للأبد ويبدو أنهم فقدوا بعضاً من الشعور أن مستقبلهم الشخصي ومستقبل من يهمونهم شخصياً هو كل ما عليهم السعي له.

كيف يبني  “المدير/القائد المؤسساتي” المنظمة ؟

إن مهمة القائد المؤسساتي تكمن في محوريين أساسيين: الأول هو وضع النظام الإداري وتنظيم استخدام الموارد المتاحة وفقه، والثاني هو إنشاء حالة التعلم والوعي المستمر في المنظمة التي تدير تفاعل الرؤية والكفاءة والموارد.

فحجر الأساس الأول هو وضع نظام إداري يحمي الجميع وهو فوق الجميع، حيث يقوم المدير/القائد بإعطاء الشرعية له والعمل على تطويره على الدوام، يحدد هذا النظام الهيكلية الإدارية والوظائف والمسؤوليات، ويحدد قواعد العمل الرئيسية وأسس التعامل والحقوق، ويؤمن المكان والزمان والموارد لتفاعل الأفراد في المؤسسة تفاعلاً يؤدي إلى أفضل النتائج الممكنة، يعمل الاستشاري هنا وفريق الإدارة التنفيذية المختار بعناية على المشاركة في تصميم هذه القواعد وتصميم اسلوب متابعتها بطرق منهجية ومنظمة، ومتابعة كل ذلك عن قرب لبحث الأخطاء وتصحيحها قبل اعتمادها تماماً، والمهم بالنسبة لأولئك المدراء أن يعملوا على بناء سلطة أخلاقية بين مرؤوسيهم واستخدامها في سبيل تطوير النظام وإقراره.

وأقصد بالنظام الإداري – في ضوء عملي في مركز التدريب سابق الذكر- أربعة أمور أساسية:

التنظيم القانوني للمنظمة:

وهو أساساً تحديد الوضع القانوني للمنظمة، إلى جانب إجراءات اتخاذ القرار والمراجعات في مجلس الإدارة للملفات المالية والعملياتية، حيث يمكن أن تسجل المنظمة على سبيل المثال كشركة محدودة المسؤولية أو منظمة غير ربحية تدعى في السياق السوري جمعية علمية، أو مؤسسة تجارية تقدم خدمات أو مؤسسة  ذات مهنة فكرية.

التنظيم الإداري والعملياتي وتنظيم المستندات:

وضع إجراءات محددة للقيام بالعمليات المتكررة الدورية الأساسية إلى جانب إرشادات واضحة، مع التأكيد على الالتزام بالعمل وفق الإجراء وتطوير الإجراء ليظل موافقاً للتحديات والتغيرات المتجددة، إضافة إلى ربط الإجراءات الالأساسية بإجراءات توثيق وبنظام ملفات تحفظ فيه جميع المعلومات عن العمليات.

التنظيم المالي:

ويتضمن كأولوية للمنظمات الصغيرة والتي تريد التحضير لمرحلة جديدة من التوسع أربعة أمور:

  • تنظيم عروض الخدمة وفق نماذج قياسية، وإصدار مطالبات وفواتير نظامية.
  • تصميم تقارير مالية والالتزام بانتاجها دورياَ تحلل الكلفة والربحية وكفاءة استخدام الموارد المادية والبشرية.
  • الالتزام بإجراءات محددة لتنظيم العمليات المالية اليومية النقدية والآجلة.
  • الالتزام بتدقيق احترافي لجميع العمليات المالية وفق أسس متفق عليها ورفعها دورياً إلى مجلس الإدارة.

تنظيم شؤون الأفراد:

يشمل تنظيم شؤون الأفراد الأمور التالية الأكثر أهمية وهي:

  • وضع الهيكل التنظيمي وعلاقات المسؤولية الإدارية.
  • وضع نطاقات للمراتب الوظيفية يتضمن كل منها ميزات متزايدة حسب الوظيفة والمهارات ومدة الخدمة.
  • تحديد التزامات المنظمة تجاه العاملين من تعويضات ومنافع، وسياسات وضع الرواتب الأساسية والزيادات السنوية، أما المنافع فتشمل الإجازات المأجورة والمرضية والخاصة والتأمين الاجتماعي والصحي إن أمكن.
  • تحديد وظيفة كل فرد ومرتبته الوظيفية والتزاماته تجاه المنظمة من ساعات وجدول عمل ومهام ومسؤوليات أساسية.
  • تحديد الأفعال والصفات التي يجب على العامل الالتزام بها العامة والخاصة بمجموعة محددة من الوظائف أو الاختصاصات.
  • تحديد مواعيد دورية وإجراءات محددة لتقييم الأداء التقني والإداري وتقديم التغذية الخلفية.
  • تحديد مواعيد دورية وإجراءات محددة لقياس مستوى الكفاءة وأساليب لتطويرها متاحة للعاملين.
  • تحديد مواعيد دورية لمناقشة المسار المهني واحتياجات التدريب والتطوير وقياس القدرات الكامنة لدى العاملين.
  • تحديد شروط محددة لتحسين المرتبة الوظيفية لكل وظيفة.
  • وضع نظام للمكافأة بمواعيد دورية يعتمد على أداء الأفراد وأداء المنظمة المالي وعلى مستوى تحقيق الأهداف.
  • تحديد مواعيد دورية بين فرق العمل ومشرفيهم لمناقشة أسلوب تقديم الخدمة وتطويرها والنتائج المحققة.

أما حجر الأساس الثاني فهو بناء “المنظمة دائمة التعلم”، يعمل الأفراد فيها على تحسين كفاءتهم وفهمهم المشترك للتحديات التي تواجههم ويسعون إلى تطوير استراتيجيات وآليات تمكنهم من التغلب على التحديات القائمة والمستجدة، وتطوير المنظمة والنظام فيها والخدمات التي تقدمها بناء على تطور المعرفة والخبرة لديهم. فالناس في هذه المنظمة يحبون خدمة زبائنهم والمستفيدين من خدماتهم، ويسعون لخدمتهم بشكل احترافي ومميز ومناسب لحاجتهم وما يتوقعونه، فقيمهم ورؤيتهم وكفاءتهم تقودهم إلى تقديم أجود خدمة ممكنة.

يمكن أن نفهم “المنظمة دائمة التعلم” بالتفكير في “الفرد دائم التعلم”، فالفرد دائم التعلم هو الشخص الذي لا ينفك عن تطوير معرفته بالعالم حوله وبناء نظرياته وخرائطه الذهنية عن العالم ومراجعتها وإعادة تصحيحها بما يتناسب مع ما يتعلمه وما يمر به من تجارب، فهو يبني قرارته اعتماداً على معرفته المتجددة، ويحاول دوماً زيادة كفاءته وفعاليته، ويدرس أساليبه في العمل وطرقه في حل مشكلاته ليستطيع تحقيق رؤيته لذاته ومايريد إنجازه في هذا العالم.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن المنظمة ماهي إلا مجموعة من الأفراد يعملون معاً لتحقيق هدف ما، وأن فعاليتهم في قدرتهم على العمل معاً بانسجام يجعل مردودهم أكثر بأضعاف من مردود كل واحد منهم وحده فالثلاثة لا تعطي مردود ثلاثة بل مئة أو ألف أو حتى عشرة آلاف، فالسر يكمن في العمل معاً كسرب حمام كلما ازاد انسجامه كلماً أصبحت مقاومته للهواء أعلى وكفاءة أفراده أكبر، عندها وبناء على هاتين الفكرتين نجد أن “المنظمة دائمة التعلم” هي منظمة يسعى الناس فيها ليحقق كل منهم مستوىً متميزاً في أدائه، أعينهم على رؤية مشتركة، جزء مهم من التعلم فيها يحدث في فرق عمل متعاونة منفتحة تدعم حل المشكلات بطريقة إبداعية وأصيلة، فهم يسعون لفهم الخرائط الذهنية لبعضهم تلك الافتراضات والقواعد والحقائق التي تقود أدائهم أو مايدعى الموديلات الذهنية[6] ويطورون فهمهم للعالم، لفرق عملهم ومنظمتهم والبيئة المحيطة بهم كنظام لايمكن فهمه عن طريق فهم ما يكوّنه فقط ولكن عن طريق فهم العلاقات بين المكونات التي تكون متشابكة ويسبب بعضها بعضاً، فناتج النظام هو ناتج عن المكونات والعلاقات وديناميات تفاعلها مع بعضها وعبر الزمن (بيتر سينغ، 1990)[3].

إن التعريف السابق للمنظمة دائمة التعلم والذي يتطابق مع ما قدمه بيتر سينغ في كتابه 1990، يستدعي العمل على ثلاثة مستويات:

المستوى الأول – الفردي: مساعدة الأفراد ليحقق كل منهم مستوىً متميزاً في أدائه

يمكن مساعدة الأفراد على تحقيق مستوى متميز من الأداء من خلال الأدوات التي تم ذكرها في فقرة تنظيم شؤون الأفراد، والمتمثلة في تكامل ثلاثة أمور تتمحور حول الفرد نفسه أين هو الآن؟ أين يريد أن يكون؟ كيف يمكن أن يصل إلى هنا؟ وهي:

  • إدارة أداء الفرد: تقديم أدوات لتقييم الأداء وقياس مستوى الكفاءة، عن طريق الربط بين أفعال الفرد وبين جودة الخدمة، وبين أفعال الموظف وممارسين آخرين عن طريق إتاحة الفرصة لتكوين شبكات أو مجتمعات ممارسين للاستفادة  من خبراتهم ومقارنة وتقييم أساليبهم وتقنياتهم والنتائج التي وصلوا إليها مع ما يقوم به الفرد وخصوصاً ضمن الصناعة نفسها أو في صناعات أخرى.
  • التدريب والتطوير: إتاحة أدوات وأنشطة فردية وجماعية لتحسين الأداء وزيادة مستوى الكفاءة داخل المنظمة وخارجها.
  • إدارة المسار المهني: تقديم نصائح ومعلومات تتعلق بالتحضير لوظائف ومهام تحتاج مسؤولية وكفاءة أعلى وفهم كيف يمكن الاستفادة من الأداء الحالي في تطوير هذه الكفاءات ومن الأنشطة التدريبية والتطويرية للقيام ببناء المهارات والخبرات للمستقبل.

المستوى الثاني – مستوى فرق العمل: مساعدة الأفراد على العمل في فرق فعالة

تتمثل مساعدة الأفراد هنا في خمسة أمور يقوم القائد/ المدير المؤسساتي مع فريقه الإداري ومجموعة المستشارين والأخصائيين بالسعي المتواصل لتشكيلها وإصدار القرارات التنظيمية لخلق البيئة الحاضنة لفرق العمل، إلى جانب متابعة تحقيقها على أرض الواقع وهي:

  • هيكلة المنظمة لتعتمد على فرق العمل: ويقصد بها دعم وتشجيع تشكيل فرق العمل عن طريق توضيح أهدافها ومجال عملها والخدمة الداخلية أو الخارجية التي تقدمها، ودور كل فرد في الفريق والخبرات التي يرفد بها عمل الفريق، وتدريب أفراد الفريق وقائده على العمل الجماعي دائم التعلم.
  • إتاحة الموارد اللازمة لعمل الفرق: حيث يتضمن الدعم أيضاً إتاحة الوقت والمكان والأدوات المطلوبة للعمل معاً ومناقشة الخدمة التي يقدمها الفريق وأساليب تطويرها والعمل فعلياً على تنفيذ وتجريب الأساليب الجديدة.
  • مكافأة العمل ضمن الفرق: وهي ربط تقييم الفرد وتطوره مع عمله في فرق العمل وكذلك المكافآت التي يحصل عليها سواء الملموسة وغير الملموسة.
  • بيئة العمل في الفرق داعمة: إن كل ماسبق يعين على تأمين كل الشروط اللازمة لبيئة آمنة يستطيع أفراد الفريق التعلم معاً والاستفادة من خبرات بعضهم البعض والتفكير في طرق مبدعة لتحسين مستوى الخدمات التي يقدمها، إن هذه اللحظات عالية الانتاجية لن تحدث إلا عندما يتعرف الفريق على بعضه بشكل عميق ويقرأ كل فرد الخرائط الذهنية للجميع ويقدم الآمان والدعم النفسي المتبادل المتمثل في وضوح الأهداف والقيم فيصبح التواصل بين الأفراد في أعلى مستوياته وكذلك الإنتاجية والإبداع.
  • متابعة نتائج عمل الفرق: حيث يكون التشجيع والمكافأة في عكس نتائح عمل الفرق في تطوير أساليب العمل لكل فرد في الفريق وعلى مستوى تقديم الخدمة من قبل الفريق ومن قبل المؤسسة كل فريق حسب اختصاصه ومجال عمله، وجعل هذه التطويرات من ضمن إجراءات وأساليب عمل المنظمة الرسمية والملزمة والمطلوب تطويرها بدورها لاحقاً.

المستوى الثالث – المؤسساتي:  مساعدة فرق العمل لتصبح أجزاءً متعاونة في منظمة واحدة

لابد أن يسير الجميع في اتجاه واحد ويعرف كل فرد مجال عمله واختصاصه و المجالات الذي يمكن أن تؤثر على أداء عمله وجودة الخدمة التي يقدمها بشكل مباشر أو أقل مباشرة، ففي المنظمة دائمة التعلم رؤية مشتركة، أهداف مشتركة وتفاهم واضح على تقسيم عمل المنظمة في وظائف كل وظيفة أو جهاز ذو مهمات ومسؤوليات محددة، يتم مساعدة الفرق لتصبح أجزاء متعاونة  من كل المؤسسة الواحد عن طريق أمران أساسيان:

  • تشارك التخطيط وتقييم الأداء المؤسساتي : يقوم العاملون بعقد اجتماعات في جميع فرق العمل ومستويات الإدارية ويقومون أيضاً بمشاركة تقارير الأداء لتصور رؤية المنظمة وغايتها ومهمتها، وأدائها الفعلي ويقومون في هذه الاجتماعات بإعداد الخطط السنوية والفصلية ومناقشة هذه الخطط و تقييم التقدم فيها. وهنا يتم التأكيد على عمل المؤسسة كمنظومة مفتوحة ودور عمل كل فرد وفريق فيها وتأثيرات البيئة المحيطة والطريق التي يجب أن تسلكه والتقنيات التي يتم استخدامها لتحقيق الأهداف والوصول إلى الرؤية.
  • بناء ثقافة منظمة فعالة دائمة التعلم يتشاركها العاملون: من خلال إنشاء ثقافة يفوز فيها الجميع، فثقافة المؤسسة هي انعكاس لكل القرارات، السلوكيات والمحادثات اليومية. ، ويمكن الاستعانة هنا بهذا التعريف فثقافة المؤسسة هي ” القواعد المشتركة والتي تحكم الجوانب الشعورية والفكرية للعضوية في المنظمة، والأدوات التي من خلالها يتم تشكيلها ومشاركتها”[7]، ومن الجدير بالذكر أن ثقافة المؤسسة تظهر في ثلاثة عناصر رئيسية هي: الممارسات: السياسات الرسمية والأعراف الغير رسمية، التحف: الرموز والأدوات، الطقوس، القصص والمفردات الخاصة، الترتيب الفيزيائي (العمارة والديكور)، عناصر المحتوى: الفلسفة، الأفكار، الداخلي والخارجي. (مارتين وميرسيون ، 1987)، وكلها أمور يمكن التحكم بها عن طريق التخطيط الواعي والعمل المنظم المنضبط والمبدع.

فإذا أردنا الاختصار يمكن القول أن دور قائد المنظمة في بناء هذا النوع من المنظمات التي تكون أكثر قدرة على الاستمرار والتكيف في الظروف الصعبة والمتغيرة، يتمثل في أمران:

  • قائد المؤسسة/ المدير العام هو القدوة
  • قائد المؤسسة/ المدير العام هو ضابط الإيقاع

فهو يستخدم سلطته الرسمية والأخلاقية لوضع جوانب ثقافة المؤسسة وقيمها وأساليبها في العمل الفردي والعمل ضمن الفريق والعمل المؤسساتي، فهو المرجع الاساسي في تحديد الأفعال المقبولة وغير المقبولة.

وهو ضابط الإيقاع حيث يضع القوانيين والسياسات والإجراءات التي تحدد مساحات عمل كل فرد في المؤسسة وتضبط عمله وتضع قيوداً على كل فرد بمافيهم المدير العام، تضمن هذه القيود أداء المنظمة وقيمها، وهو يقوم بتنسيق النغمات والطاقات في اتجاه واحد وتحديد سرعة التقدم نحو الهدف وتأمين ما يلزم لذلك.

ومن الواجب التذكير أن المدير العام “القائد/ المدير المؤسساتي” لا يقوم بكل هذه الأمور التي ذكرتها في محوري “بناء النظام الإداري” وتطوير “منظمة دائمة التعلم” لوحده، فهو يستعين بالخبراء والاختصاصيين في مجال العمل الأساسي أي ما يتعلق بخدمات المنظمة للزبائن ومجال العمل الإداري ويقصد به القانوني والمالي والموارد البشرية والتنظيم العملياتي، كما يقوم بتفويض بعض هذه المسؤوليات التي ذكرت في هذا المقال لأفراد الفريق الإداري الذين يدعم سلطتهم ويحدد معهم مساحة عملهم إلى جانب فرق العمل التي تعمل معهم وفي نطاق مسؤولياتهم.

فالمنظمة المنشودة التي يبنيها “القائد/ المدير المؤسساتي” هي منظمة ذات أسس متينة وقانون – نظام إداري – مناسب للعمل ويحترمه ويطبقه جميع العاملين، ولكنها أيضاً دائمة التعلم والتطور والتكيف، الإبداع فيها متناسق وفعال وذو نتائج عالية الانتاجية تنعكس في خدمات أفضل ولعدد متزايد من الزبائن والمستفيدين ورضا وسعادة أكبر للمعنيين بالعمل، فهي قادرة على مواجهة التحديات والتقدم بخطى واثقة، إنها منظمة واثقة!


[1]  سأستخدم مصطلح منظمة ومؤسسة بشكل متبادل، مع أن المنظمة organization هي مجموعة من الأفراد يعملون لهدف واحد (قاموس أوكسفور) بينما المؤسسة Institution هي منظمة ولكن لديها قواعد للعمل وأساليب وسلوكيات يجمع عليها من يعمل فيها كطريقة لإنجاز الأعمال. المنظمات ذات النظم الإدارية والثقافة الاحترافية تدعى مؤسسات، عن صاموئيل هنيكتون في تعريفه للمؤسساتية Institutionalism.

[2]  McClelland, D. C., & Burnham, D. H. (2003). Power is the great motivator. Boston, Mass.: Harvard Business Press. رابط للإطلاع.

[3] Senge, P., (1990). The Fifth Discipline: The Art and Practice of the Learning Organization. (Doubleday, New York).

[4]  هذه الصيغة التفاعلية والتي تتمثل في أن الرؤية يجب أن تكون مشتركة ويساهم فيها الجميع هي ما تميز عصرنا الحاضر (انظر القائد التفاعلي Interactive Leader لـ David H. Burnham في 1997) وهي ربما التي تحدث عنها ابن خلدون (1332 – 1406م) في نظريته عن العصبية وبناء الدولة والتي قارن الباحث يوسف سيداني (2008) بينها وبين نموذج الأمر والتحكم الذي ساد في عصر الثورة الصناعية في الغرب وحتى الثمانينات من القرن العشرين، في مقالته بعنوان “ابن خلدون من شمال افريقيا 1377م: نظرية في القيادة” رابط للإطلاع، ملخص. وربما ضرورة هذه الصيغة التفاعلية التشاركية بين القائد وبين وتابعيه والعلاقة العضوية الممتدة في الزمن وليس فقط الفكرية والجهود الضئيلة التي بذلت لتغيير عقلية القبيلة في البلاد العربية وقصر فترة تعرض العرب للحداثة تفسر صعوبة القيادة للقادة الكارزماتيين عند العرب.

[5]  هذه نصيحة سايمر مارتين ليبست للديمقراطيات الناشئة، رابط للإطلاع.

[6] Argyris, C. and Schön, D. (1974) Theory in practice: Increasing professional effectiveness, San Francisco: Jossey-Bass. Link for review

[7]  تعريف للبرفيسور دانيل ماكفيرلان Daniel McFarland  من جامعة ستانفور (2012)، رابط للإطلاع.