صورة

لايمر يوم إلا ونسمع في الأخبار العالمية والإقليمية عن الإرهاب والإرهابيين والعمليات الإرهابية، ولكن ماذا يقصد السياسيون والإعلاميون عند ذكر هذا المصطلح، ماهو الخطر الذي يتكلمون عنه ؟ وهل يتحدث جميعهم عن ذات الشيئ ؟ كيف تحدث السياسيون والإعلاميون عن الإرهاب خلال العصر الحديث ؟ وهل يستخدمون أساليب فعالة لمكافحته ؟ وهل هم محقون ؟

 إن موضوع الإرهاب وتعريفه وفهم ماهيته كما يفهمها السياسيون عموماً والباحثون أمر مهم، وخصوصاً أن مفهوم الإرهاب يتم التنازع عليه في السياسية وفي الإعلام، ويسبب في المجتمعات العربية والإسلامية شعوراً بالعزلة وعدم الثقة والتناقض. لابد من فهم ما المقصود عند استخدام هذا المصطلح ولماذا؟ وهل هذا مبرر ويخدم أهدافاً إنسانية عليا مثل تحقيق الأمن والرفاه لشعوب العالم أم يخدم أجندات لقلة متحكمة أو لخدمة شعب على حساب شعب آخر أو للترويج لحضارة ما على حساب حضارات أخرى. ومن جهة أخرى تتعرض بعض البلدان بشكل مكثف للإرهاب فلماذا يستخدم الإرهابيون هذه التكتيكات وهل هم محقون وكيف يمكن معالجة الأمر؟ وهل تقوم الحكومات في هذه البلاد – وبلاد العالم – بدورها في مكافحته بالطريقة الأمثل؟

 لابد أن يكون للمرء رأي ويحاول مشاركة منظمات المجتمع المدني في العالم في سعيها لتعريف أفضل للإرهاب وتحديدها لدوره ومتى يجب تجريمه ومتى يعتبر طريقة للدفاع عن النفس ضد الأنظمة أو الحكومات المستبدة أوالمحتلة والتي لا تسمح للشعوب بتقرير مصيرها ولا تؤمن لها أدوات ذلك بل وقد ترتكب جرائم ضد هذه الشعوب، ومناقشة مالذي على العالم فعله تجاه هذه الأنظمة وهل لهذا علاقة بالإرهاب أم يمكن أن يكون في ميدان القانون الدولي. وربما  يتمكن المرء من المشاركة في تطوير الممارسات والأبحاث المتعلقة بمكافحة الإرهاب خصوصاً وأن العديد من بلدان المنطقة العربية والإسلامية تعاني الكثير مثل العراق والسودان ولبنان ومصر واليمن وسورية وأفغانستان وباكستان وغيرها، يمكن الاستفادة من قاعدة البيانات هذه للمشاركة في إعداد دراسات في هذا الموضوع.

 إن ممارسات وعلم فهم الإرهاب ومكافحته ما تزال في مهدها، ويجري البحث والممارسة لصانعي السياسات والسياسيين في الفترة ذاتها، حتى أن الكثير من الممارسات تسبق الدراسات ، كما أن الأمر كثير التعقيد وينطوي على تسويات كثيرة لتحقيق الأهداف المنشودة، ويتأثر ويؤثر بالسياسة والإعلام والاقتصاد وحياة المجتمعات وعلاقتها بالمجتمعات الأخرى ونظرتنها لنفسها وللآخرين.

 يبدأ هذا المقال بنظرة على وضع الإرهاب في العالم ، ثم يبين تاريخ الإرهاب وكيف تنوعت وتغيرت مذاهبه وتكتيكاته خلال العصر الحديث، ويبحث في مصطلح الإرهاب ولماذا لايتم الاجماع عليه ولماذا علينا أن نحاول الوصول إلى تعريف متفق عليه ويذكر المحاولات التي تمت في الأمم المتحدة والمحاولات الأكاديمية لذلك، وأخيراً ماذا نعني بشكل عام عندما نقول كلمة “إرهاب”.

 إن هذا المقال يرجع في ترتيبه واختيار مصادره إلى عمل البرفيسور إدوين بيكر (2013)[i] في الكورس الذي قدمه على منصة كورسيرا في الأسبوع الأول منه، يقدم بيكر هذا الكورس مرة آخرى في مطلع عام 2014، وهو يستطلع آراء الطلاب المشاركين وهم بالآلاف في قضايا مهمة في مجال الإرهاب ومكافحته، كما أن فريق العمل من الباحثين والدارسين منفتح ومهتم بالمناقشات في هذا المجال التي تحدث على منتدى الكورس ويسعى حثيثاً لتطوير النظريات والأبحاث والممارسات في هذا المجال.

 مواضيع المقال:

أين تحدث العمليات الإرهابية في العالم؟ ماهو تاريخ الإرهاب ؟ كيف يستخدم مصطلح “الإرهاب” Terrorism ؟ لماذا لا يوجد تعريف متفق عليه للإرهاب ؟ لماذا علينا أن نحاول الوصول إلى تعريف متفق عليه ؟

 1-      أين تحدث العمليات الإرهابية في العالم؟

 توضح الخريطة أدناه أعداد ضحايا العمليات الإرهابية من قتلى ومصابين في العالم في سنة 2011، أعلى البلدان تعرضاً للعمليات الإرهابية أفغانستان، ثم العراق ، باكستان ، نيجيريا، وروسيا. أما أقل الدول تعرضاً للإرهاب في فهي على سبيل المثال دول أمريكا اللاتينية، الصين، أوربا، الولايات المتحدة الأمريكية.

 وبالرغم من أن كثيراً من بلدان العالم لا تتعرض لعمليات إرهابية كثيرة، إلا أن مكافحة الإرهاب على أولويات أجندات حكوماتها، وكذلك من أهم أهداف المنظمات الدولية مثل UN والإقليمية مثل NATO وغيرها.

صورة

 2-      تاريخ الإرهاب ؟

 الإرهاب كعمل عنيف يقوم به أشخاص من خارج الحكومة (السلطة) ضد أهداف حكومية ليس بجديد، ففي القرن الحادي عشر ظهرت مجموعة أطلق عليها “الحشاشون” Assassins والذين قاموا باغتيال المسؤولين والقادة العسكريين من أجل تشكيل أحلاف أو من أجل الانتقام.

 عرف ديفيد رابابور David Rapoport (2002)i أربع موجات للإرهاب الحديث وهي:

1- أناريكسيست Anarchists  1882 بدأت من روسيا، وامتدت إلى بقية أنحاء العالم، واستخدمت تقنيات التليغراف والجرائد، أما أهم مجموعاتها فهي “إرادة الناس” Narodnaya Volya قامت بقتل قيصر روسيا، وإمبراطورة أوستريا، وملك إيطاليا، ورئيس الولايات المتحدة ماكنلي. 2- موجة ضد الاستيطان  Anti-Colonial  s1920 وكانت في سياق الصراع من أجل تقرير المصير في المستعمرات البريطانية والانكليزية وغيرها، واعتمدت تكتيكات حرب العصابات (اضرب واهرب) وكان من الصعب على الجيوش النظامية مواجهتها، سمى هؤلاء أنفسهم “مقاتلون من أجل الحرية” وليس “إرهابيين” ، من أهم المجموعات IRA – جيش الجمهورية الإيرلندية ، ومجموعة FLN – جبهة التحرير الوطنية في الجزائر، أريغون – مجموعة صهيونية كانت تقاتل حكم البريطانيين في فلسطين. 3- موجة اليسار الجديد 1960s –  1970s كانت في سياق الحرب الباردة، وشكلت حرب فيتنام دافعاً قوياً لتشكل مجموعاتها في غرب أوربا وشمال أمريكا، منها مجموعة Under Ground من أمريكا و RAF من فرنسا والذين اعتبروا أنفسهم “طليعة” من العالم المتقدم للجموع المقموعة في العالم الثالث ، ومنها أيضاً مجموعات حرب العصابات في أمريكا اللاتينية، كما كانت منظمة التحرير الفلسطينية PLO بقيادة ياسر عرفات منها. استخدمت هذه المجموعات أساليب احتجاز الرهائن وخطف الطائرات كأسلوب لجذب الانتباه والضغط على الحكومات لتحقيق أهداف معينة. 4-  الموجة الدينية 1979 – ؟ في عام 1979 انتصرت الثورة الإسلامية في إيران، واحتلت القوات الروسية أفغانستان ، كما تم اقتحام الحرم المكي. وفي هذه الموجة تشكلت الكثير من المجموعات الإسلامية، اليهودية وكذلك مجموعات من السيخ والمسيحيين ، كمثال عليها تلك التي اغتالت اسحاق رابين في تل أبيب 1995، وكذلك الـ Aum Shinrikyo مجموعة مسيحية في اليابان قتلت 12 وأصابت 1000 شخص في ميترو بغاز السارين، وكانت من أساليب هذه المجموعات الاغتيالات واحتجاز الرهائن، والتفجيرات الانتحارية. من المجموعات التي استخدمت أسلوب التفجير الانتحاري حزب الله اللبناني في هجومه على قواعد عسكرية فرنسية وأمريكية في لبنان أثناء الحرب الأهلية في لبنان، مجموعات نمور التاميل الساعين للاستقلال في سيريلانكا، القاعدة في أولى هجماتها التي جذبت اهتمام الإعلام وكانت على سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في تنزانيا في نيروبي.

 يرى رابابور أنه في كل فترة – تمتد عدة قرون – تأتي موجة من الهجمات الإرهابية تستمر فترة من الزمن ثم يتناقص الاهتمام بها ثم مالبث أن تتلاشى ، والسؤال الجدير بالتفكير هل نحن في الموجة الخامسة أم هي استمرار للموجة الرابعة؟ هل نحن في عالم مابعد 9 أيلول 2001 أم هو استمرار لما قبل ؟ وهل يشكل “الربيع العربي” أو “الاستيقاظ العربي ” موجة جديدة ؟

 3-      كيف يستخدم مصطلح “الإرهاب” Terrorism ؟

 من الجددير بالذكر ما يسمى “إرهاباً” في أيامنا، كان يدعى بأسماء أخرى في أزمان أخرى مثل عملية قتل الرئيس ماكنلي من قبل أناريكست والتي دعيت “اغتيال”. إلا أن قاموس أكسفورد شرح كلمة “Terrorism” أو “الإرهاب” على أنه الاستخدام الغير الشرعي والغير مرخص للعنف والترهيب في سبيل تحقيق أهداف سياسية، ولكن في الحقيقة لايوجد تعريف للإرهاب مجمع عليه بين الأكادميين والباحثين وصانعي السياسة والسياسيين في العالم.

 4-      لماذا لا يوجد تعريف متفق عليه للإرهاب ؟

 يقدم أليكس شميد Alex Schmid (2004)ii أربع أسباب أساسية للصعوبة التي نواجهها في إيجاد تعريف مقبول بشكل عام، وهي أن:

  1. الإرهاب مفهوم متنازع عليه: حيث أن الإرهابي من وجهة نظرأولى هو مقاتل من أجل الحرية ومن وجهة نظر أخرى ليس إلا إرهابي، مثال ياسر عرفات، عبد الله أوجيلان، تشي كيفارا، أسامة بن لادن.
  2. الإرهاب يرتبط بتجريم وعدم تجريم بعض الأفعال والمجموعات: مثال لوائح التنظيمات الإرهابية في الولايات المتحدة الأمريكية، الأمم المتحدة، الاتحاد الأوربي من بين الآخرين.
  3. هناك الكثير من أنواع الإرهاب التي تظهر في أشكال مختلفة : قامت Europol بتعريف 5 أنواع للمجموعات الإرهابية  بناء على الأديلوجية وهي 1) الملهمة دينياً 2) الوطنيون بناءعلى الاثنية والداعون للانفصال 3) اليساريون والأناريكست 4) اليمنيون 5) المقاتلون من أجل قضية واحدة.
  4. تعرض المصطلح للكثير من التغيير خلال 200 سنة الأخيرة من وجوده : بدأ استخدامه للدلالة على ممارسات السلطات بعد الثورة الفرنسية (rain of terror) ، ولم يدل على الأفعال العنيفة ضد الحكومة إلا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

 5-      لماذا علينا أن نحاول الوصول إلى تعريف متفق عليه ؟

 علينا أن نحاول الوصول إلى تعريف متفق عليه كما يرى أدوين بيكر Edwin Bakker (2013)1 وذلك للأسباب التالية:

  • التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب ومن نحارب وماهي المنظمة التي تعتبر إرهابية.
  • تحسين الإجراءات القضائية.
  • منع الاعتداء بواسطة تهم الإرهاب من بعض الحكومات وخصوصاً تلك ذات الطبيعة الاستبداية وهذا ما حذرت منه منظمة مراقبة حقوق الإنسان Human Rights Watch مرراً.iii
  • تحسين البحث في مواضيع الإرهاب ومكافحة الإرهاب.

حاولت الأمم المتحدة بقيادة كوفي عنان (1997 – 2006) الوصول إلى نوع من الاجماع على ماهية الإرهاب، وعرفته على أنه القتل المتعمد للمدنيين والعسكريين في حالة عدم الاشباك من أجل أغراض سياسية iv، أراد كوفي عنان أن يرسل رسالة أخلاقية أن الإرهاب بهذا التعريف غير مقبول ولايمكن تبريره. إلا أن هذا التعريف لم يلق دعم كل الدول الأعضاء، فبعضهم وجد أن هناك نوعاً من الإرهاب يمكن تبريره مثل الإرهاب ضد الاحتلال الأجنبي وضد إرهاب الدول، وبعضهم لم يرد دعم تعريف لايستثني بشكل صريح أن تكون الدولة هي الإرهابية إذا استخدمت تكتيكات إرهابية ضد دول أخرى أو ضد شعوبها.

إذن ماذا عند إرهاب الدول، يجد كثير من الباحثين وصانعي السياسة ومنهم أدوين بيكر أنه من الأفضل أن يتم تعريف الإرهاب على أنه فعل عنفي من أجل تحقيق أهداف سياسية تقوم به جهات غير حكومية، أما في حال استخدام الدول لأساليب إرهابية ضد شعوبها أو ضد شعوب دول أخرى فيفضل أن يتم التعامل معها بناءعلى القانون الدولي والقانون الإنساني وقانون الحرب واعتبارالجرم إساءة لاستخدام القوة والسلطة وجرائم ضد الإنسانية، وبذلك تستخدم أدوات دولية وقانونية لمحاربة جرائم الحرب وإساءة استخدام السلطة، أما في مجال الإرهاب فلا يوجد أدوات قضائية ودولية متفق عليها.

 ومن أجل الوصول إلى تعريف أكاديمي لمصطلح الإرهاب، قام كل من أليكس شميد  Alex Schmid و ألبرت جونكمان Albert Jongman عام 1988 بإرسال استبيان لعدد من الباحثين المرموقين في مجال الإرهاب ومكافحته، وطلبوا منهم كتابة تعريفهم للإرهاب، أعاد أليكس الكرة في عام 2011 ووجد أن هناك 12 مركب لتعريف الإرهاب[v] وهي:

  1. يجب أن يقول شيئاً عن العقيدة و/أو ممارسة فعل عنفي
  2. يجب أن يشير إلى السياق الذي يستخدم فيه الإرهاب كتكتيك
  3. يجب أن يحوي على مفهوم العنف الفيزيائي أو التهديد به
  4. يجب أن يقول شيئاً عن عمليات التواصل المعتمدة على التهديد
  5. يجب أن يشير إلى أن الإرهاب يولد الخوف، الترويع، أو مجرد الشدة
  6. لابد أن يقول شيئاً عن الضحايا المباشرين
  7. يجب أن يشير إلى الحقيقة إلى أن الضحايا المباشرين ليسوا هم الهدف النهائي
  8. لابد أن يقول شيئاً عن مرتكبي العمل
  9. يجب أن يقول شيئاً على أن الإرهاب في غالبيته سياسي
  10. يجب أن يشير إلى القصد في القيام بالأعمال الإرهابية
  11. يجب أن يحوي على الدوافع للانخراط في عمل إرهابي
  12. يجب أن يشير إلى أن الأفعال الإرهابية جزء من حملة عنفية

وبالرغم أنه لايوجد تعريف متفق عليه للإرهاب إلا أنه هناك اتفاق على أنك أسلوب أو تكتيك من جهات حكومية أو غير حكومية لتحقيق أهداف معينة، إلا أن استخدام القوة جزء من التكتيك ولكنه ليس الهدف، كما أن نشر الخوف بالنسبة للعمل الإرهابي هو أهم من نشر القتل، والضحايا المباشرين ليسوا هم الهدف الأساسي، إنما أولئك الذين يشاهدون هذا الفعل. تساهم الميديا والسياسيين في نشر الخوف والتصرف بمبالغة تجاه الفعل، كما أن للإرهاب أثراً كبيراً على المجتمعات وعلاقتها بالمجتمعات الأخرى وعلى الاقتصاد والسياسة.


Edwin Bakker, ‘Terrorism and Counterterrorism: Comparing Theory and Practice’, 2013, Leiden University, Coursera Platform, click here to view the course page.

i David C. Rapoport, ‘Four Waves or Rebel Terror and September 11’,  Antropoethics, vol. 8, no. 1 (Spring/Summer 2002). Click here to read

ii Alex P. Schmid, ‘Terrorism: The Definitional Problem’, Case Western Reserve Journal of International Law (2004), vol. 4 pp.375-419. Click here to find more information on this publication
iii Human Rights Watch, In the Name of Security: Counterterrorism Laws since September 11, June 2012, Click here to read
iv United Nations, Uniting Against Terrorism, May 2006, Click here to read

[v Alex Schmid, The Routledge Handbook of Terrorism Research (Routledge: 2011), Click here to find more information on this publication

Advertisements