الأعمال في خدمة المجتمع

صورة

مدينة دمشق 2005

لعل العمل في خدمة المجتمعات وبنائها من أهم ما على الأفراد والأسر والمنظمات والشركات والحكومات العمل لأجله، فالمجتمعات أينما وجدت في القرى والبلدان والمدن هي لبنات بناء الحضارة. فالمجتمعات الصحية التي ينعم الناس فيها بالرفاه والدعم الصحي والتعليمي ويجدون فرصة لاستثمار قدراتهم وتنمية مواهبهم هي مجتمعات تدفع بالحضارة والبشرية إلى الأمام. ولقد أثبت النظام الرأسمالي المبني على حرية التعاقد والتبادل بين الناس دون تدخل للحكومة بما لا يزيد عن وضع القوانين لسلامة النظام وضبط الحقوق ومنع الاستغلال قدرته على تأمين حياة أفضل للناس وأكثر رفاهً وصحة، إلا أن الأيدي الخفية في النظام الرأسمالي لا تبني مجتمعاً صحياً فعلى الناس في مؤسسات الحكومة وفي المنظمات وفي الأعمال أن يكونوا واعين لأثر أعمالهم على سلامة المجتمع. وإذ نعمل على بناء مجتمعاتنا وبناء أنظمة اقتصادية أكثر رشداً ورفاه ً لنبني حضارتنا ، يقدم هذا المقال نظرة إلى الأعمال عندما تكون في خدمة المجتمع ويناقش حالتها اليوم، وماذا على المجتمع أن يفعل، وكيف يرى الأعمال الجيدة، وماهي الطرق لبناء أعمال جيدة مستلهماً من تجارب المجتمعات ووضع النظام الرأسمالي العالمي ويضع توصيات لبناء أعمال تخدم المجتمع.

هل الأعمال اليوم في خدمة المجتمع ؟

غالباً ما ينظر الناس إلى الأعمال والشركات التجارية والصناعية أنها تجمعات بشرية أراد منها المالكون الحصول على المال عبر تقديم منتجات أو خدمات تجارةً أو صناعةً، ولكنهم قلما ما ينظرون إلى قيمة هذه الأشياء في حياتهم، وكيف تجعل حياتهم أفضل وأسهل وربما أكثر متعة مع أنهم يسعون إلى امتلاكها ويدفعون فيها مالهم الذي جنوه بعرق الجبين. ما سبب هذه الإزدواجية يا ترى ؟ وماسبب نظرة الناس من داخل الشركات (المنظمات الربحية) ومن خارجها على أنها وجدت لجمع المال؟ لماذا ينظر الناس بريبة إلى صحاب الأعمال وربما يعتقدون أنهم غير أخلاقيين في الوقت الذي يعتقدون أيضاً أن الأعمال والأخلاق لا تجتمعان ومن الصعب جمع الأعمال بأساليب تأتي على الناس بالخير سواءً كانوا زبائن أو موظفين أو موردين أو أفرداً في المجتمع الذي تعمل فيه هذه الشركات .

حل هذه الإزدواجيه في طريقة حياتنا وتنشأتنا لأبنائنا ستجعل الأعمال والشركات أكثر خيراً وأكثر خدمة للمجتمع، فالنظرة للأعمال على أنها وسيلة لجمع المال ليست صحيحة فمامن شخص بدأ عملاً ناجحاً وكان المال هدفه الوحيد ولا حتى هدفه الأول، الأعمال الناجحة في الحقيقة تبدأ بحلم لرؤية شيئ ما يتحقق وبشغف للعمل في مجال ما وجعله يخطو خطوة إلى الأمام. كثيرون قد يقولون ولكن دعونا ننظر إلى بعض أصحاب الأعمال اليوم إنهم لا يهتمون إلا بالأرباح يحاولون تقديم الخدمات بأقل جودة ممكنة وبأكثر سعر ممكن بأكثر الطرق إغراءً، إنهم لايهتمون بصحة زبائنهم ولاموظفيهم فقط بعائداتهم، إنهم لايهتمون بالبيئة حولهم فينفثون السموم في الهواء ويصدرون الضجيج وقد يلوثون المياه ويستخدمون الطاقة بطريقة غير فعالة طالما أن الكلفة أقل ما يمكن، إذن ماسبب ذلك وقد بدؤا بحلم جميل وشغف للخدمة والخير.

نفهم أن هناك ضغوطاً من كل جانب وأن المال يحث صاحبه على جمع مال أكبر ولكن ربما هم فقط يحققون رؤية المجتمع لهم ويفعلون ما يتوقع الناس منهم، فيما يشبه النبوءة الذاتية إذ يرى الناس ما توقعوا أن يروه، لابد للناس إذن أن يغيروا نظرتهم إلى الأعمال والشركات وأن يعتقدوا أنها وجدت لتلبية حلم كان لمؤسسها في خدمة الناس وإضافة خير إلى هذه الحياة، فيتوقعوا أن تكون المنتجات والخدمات هي لخدمة الناس تنتج مع عناية بالموظفين والبيئة والموردين والمجتمع والأعمال التي تنتجها ملتزمة أمام الحكومة وتسعى لتحسين القوانين وتحسين الشفافية في المؤسسات ولها علاقات جيدة مع الإعلام والمنافسين والمنظمات غير الربحية والخيرية الأخرى.

هذه النظرة إلى الأعمال ودورها في بناء المجتمع تعتمد على رؤية العمل من منظور “المعنين بالعمل” Stakeholders وهم مجموعة من الأشخاص لها دور تؤثر أو تتأثر بانجاز المنظمة لغاية وجودها (إدوارد فريمان، 2013)[1]، هي نظرة ليست جديدة أو مبتكرة هي فقط توضيح لما تفعل الأعمال في الحقيقة وتوضح على محيطها بشكل أفضل، استعمل أول مرة من قبل جامعة ستانفور في الولايات المتحدة الأمريكية في الستينات.

صورة

نموذج المعنيون بالعمل Stakeholder Model

ماهي الأعمال الجيدة في الثقافة العربية المحلية والإسلامية؟

الأعمال التي تخدم المجتمع هي أعمال تقوم بالحصول على المال وتقدم خيراً للمجتمع، إن هذا المفهوم لا يختلف كثيراً عن نظرة الناس في المجتمعات العربية المحلية للشركة الجيدة، فالشركة الجيدة هي شركة تقدم خدمات بجودة عالية متقنة وبأسعار مناسبة، تقوم بمعاملة موظفيها باحترام وتقدر تعبهم وتعمل على تأمين حياة كريمة لهم ولعائلاتهم، هي جار جيد لا تلوث البيئة بالمواد ولا بالضجيج وتستخدم أقل ما يمكن من الموارد المتاحة من ماء وكهرباء وغيرها، تعاملها محترم مع شركائها ومورديها في السوق، الدعاية التي تقوم بها محترمة وصادقة، النشاطات الاجتماعية التي تشارك بها ذات معنى ومفيدة وتلبي حاجات مهمة للناس، إن مدراءها ومالكوها من ذوي الأخلاق الحسنة فهم مهذبون ولا يأكلون حقوق الناس في تعاملاتهم ويوفون بإالتزاماتهم، وعندما تكون الحكومة عادلة وذات سمعة جيدة  فسترى الناس ينظرون إلى الشركات الملتزمة باحترام وتقدير أكبر، وعندما تكون حالة الناس المادية جيدة فسيقبلون على شراء منتجاتها وخدماتها ويعطون لهذه الصفات قيمة أعلى أو توازي المفاضلة بالسعر، وعندما يريدون الاستثمار فسيرغبون بالشركات الجيدة التي تدر أرباحاً جيدة لأصحابها.

إن النظرة للأعمال الجيدة في هذه المجتمعات لا تختلف كثيراً عن المفهوم الإسلامي، فالأعمال الجيدة من المنظور الإسلامي هي أعمال يتمثل فيها الناس بالأخلاق الحسنة من الصدق والتعاون والتراحم والعدل والإحسان واتقان العمل والاستقامة وتطابق القول والفعل والتواضع والاعتدال والعفو وفعل الخير، وكذلك تساهم في تحقيق المجتمع لغاية وجوده من وجهة نظر الإسلام وهي بناء المجتمع وعمارة الأرض من تكنولوجيا وقوة مالية وبيئة مزدهرة وتقديم النفع للناس وتلبية حاجاتهم والذهاب في ذلك إلى درجات عالية من الإحسان والاتقان.

طرق لجعل الأعمال في خدمة المجتمع

إن ماذكر سابقاً عن الأعمال الجيدة هو مفهوم تم تعميقه في ما سمي حديثاً “الرأسمالية الواعية ذات الضمير” Conscious Capitalism  وهي تعني الطريقة الاقتصادية الرأسمالية في تنظيم العلاقات الاقتصادية ولكن الواعية لطريقة أثرها وعملها على مجموعات المعنيين فهي لا تهتم فقط بصنع الأرباح ولكن كيف تصنع هذه الأرباح وأثرها البناء. تقوم “الرأسمالية الواعية” على أربع مبادئ هي 1) حرية التعاقد 2) حرية التبادل 3) حكم القانون 4) حقوق الملكية. أما الشركة الواعية فتقوم على أربعة مبادئ 1) غاية عميقة عدا عن صنع الأرباح 2) إيجاد الطريقة التي تحقق القيمة لكل مجموعات المعنيين 3) قيادة واعدة تخدم كل مجموعات المعنيين وهي أمينة على الموارد 4) ثقافة واعية تتحق من استراتيجية وموديل عمل تلبي جميع المعنيين وتحقق غاية الشركة بأفضل ما يمكن. (جون ماكيي، 2013)[2]

كما شاع في السنوات العشر الأخيرة مفهوم خيرية الشركات Corporate Philanthropy ومفهوم المسؤولية الاجتماعية Corporate Social Responsibility وفيهما تلتزم الشركات بإنفاق جزء من أرباحها في برامج خيرية تفيد المجتمع كالتعليم والصحة والثقافة أو تقديم خدمات للناس مدنية وبيئية في القرى والبلدات، وتتميز برامج المسؤولية الاجتماعية في أنها غالباً ما تسعى إلى هدف محدد مثل تقديم أجهزة حاسوب لجميع الطلاب وتمكينهم منها أو تمكين المرأة وتعريفها بدورها وقيمتها، وهذا ليس بعيداً عن الشركات الجيدة في العربية والإسلامية التي لطالما ساعدت الأيتام والأرامل وربما سيكون من الجيد أن تقوم الشركات الحديثة أيضاً بهذا العمل وأن لا تعتبره عملاً قديماً لم يعد له مكان.

ومن الأمور القيمة الوعي المتزايد للبيئة وحرص الناس على التعامل مع شركات تحترم القانون والعدالة الاجتماعية والموارد الطبيعية والتنمية المستدامة للموارد، فأعمالها لا تسير دون مراعاة لهذه الشروط، وتقوم بتصميم عملياتها بالطريقة الأفضل التي تضمن تحقيق أفضل النتائج في هذه المجالات، فهي تؤمن أن عليها أن تقدم للأجيال القادمة نفس الفرصة التي أخذتها فلا يكون أثرها سيئاً أو هادماً، وما يعينها على ذلك هو في الحقيقة الشغف والتواضع (إدوارد فريمان، 2013)[1].

عند الحديث عن الأعمال الجيدة، لابد من الحديث عن الأعمال التي تقوم بدورها في نظام رأسمالي أكثر مشاركة، إذ حدث في النظام الرأسمالي حديثاً وعبر تراكمات تسارعت في الثلاثين سنة الأخيرة أزمات مالية كبيرة وازدياد البطالة بين الشباب وتعثر الشركات الصغيرة، كان لابد من التنادي بضرورة رأسمالية أكثر مشاركة وعناية بالمجتمع Inclusive capitalism ، تركز مبادرة هنري جاكسون أنه لابد من أن تقوم الأعمال – خصوصاً الكبيرة والشركات متعددة الجنسيات – بالمشاركة في تعليم الأجيال الشابة ورأب الفجوة بين التعليم والعمل للتقليل من البطالة وإعطاء فرصة للشباب الناشئ، وأن تساعد الشركات الصغيرة لتنمو ولو على حساب تضحية بسيطة بأرباحها وكذلك والأكثر أهمية أن تتحلى بالأخلاق وأن تركز على العمل على المدى الطويل وتكافح الفساد فيها وتجعل الحوكمة فيها أكثر عدلاً وأكثر عناية بالمستثمرين الصغار وبذلك تصبح أعمالاً في خدمة المجتمع بدل أن يكون هدفها الأسمى تحقيق الأرباح. (تقرير هنري جاكسون، 2012)[3]

كيف ننشأ أعمالاً جيدة تبني المجتمع ؟

ولكن كيف لنا أن ننشأ أعمال تدر أرباحاً وتخدم المجتمع، يقول إدوارد فريمان الأمر يبدأ بتحديد غاية وجود الشركة، ماهو الهدف من إنشائها مالشيئ المميز ذو القيمة الذي تريد تقديمه للناس للزبائن للمالكين للموظفين للموردين وللمجتمع الذي تقف على أكتافه، ثم إيجاد موديل العمل (طريقة تقديم القيمة) الذي سينتج هذه القيمة التي ستحقق النفع لكل هذه المجموعات بدون تفضيل إحداها كل الوقت وبشكل يضمن الربح للجميع معظم الوقت ، ومن ثم الاعتقاد أن العمل بحد ذاته سيهدينا إلى الطريقة المثلى مع التزام المبادئ وأن الاحتكاك المباشر والصراع بين مجموعات المعنيين وبين القيم والأهداف والمدى الزمني سيؤدي عند حلها بالطرق الفعالة وبالمبادئ إلى نتائج جيدة والأهم بالتعاون الصادق مع مجموعات المعنيين (المالكون – الزبائن – الموظفون – الموردون – المجتمع الداعم) وهذه في الحقيقة وظيفة مدراء الشركة.

ومن ركائز الأعمال الجيدة هي جعل العاملين من مدراء وموظفين منهمكين في العمل مقبلين عليه بقلوبهم وعقولهم سعداء وواعين لأفضل الطرق لأداء العمل وتحقيق غاية الشركة، لابد من أن تصمم الشركة بحيث تقدم قيمة محترمة وذات نفع، تستثمر على المدى البعيد، وتعمل على تقديم حوافز ليست مادية فقط بل تشعرهم بالمعنى والانجاز والتقدم، في بيئة صحية وأخلاقية. هذه الشركات تجعل هدفها الأخلاقي هو تحرير الناس ليقودوا حياة صحية أكثر متعة وخير للعاملين أنفسهم وعائلاتهم ومجتمعاتهم، فهي تقوم بإلهامهم يومياً ليقوموا بأعمال خيرية وعظيمة.

يبدأ مؤسس الأعمال التي تخدم المجتمع من دراسة “نقاط الألم” الشخصية  ومحاولة إيجاد حلول لها أو يبحث في “نقاط الألم” في المجتمع ويفكر في كيفية تقديم أعمال تذهب الألم تذهب المخاوف، العوز،و تبني الثقة، ويجمع الخبرة اللازمة للقيام بهذه الأعمال في الصناعة المناسبة وينظر إلى الأعمال المشابهة ويصمم القيمة التي سيقدمها عملها، ينظر إلى الحياة ويحاول الإجابة عن تساؤلاته وما يهتم به في العمق. إنه يفكر في العمل بشكل مختلف (إدوارد فريمان، 2013)[1].

الخلاصة

من الضروري أن تكون الأعمال في خدمة المجتمع وأبناءه وأن تسعى لذلك في جميع تعاملاتها وتصمم عملياتها لتحقق استدامه الموارد وانتاج القيمة لكل المعنين بالعمل، وتكون قوة باتجاه الخير تلبي حاجات الناس، هذا أمر راسخ في الثقافة العربية والإسلامية وهي الأمر الذي تسعى له المجتمعات الحديثة والنظام الاقتصادي العالمي. يمكن لكل فرد في المجتمع سواء كان زبوناً أو موظفاً أو مديراً أو صاحب عمل أن يسعى لتمثل هذه القيم في عمله وأن يطلبها من الناس والمنظمات في محيطه، ويبقى رواد الأعمال الجيدة هم الطليعة لاقتصاد ومجتمع أفضل.


[1]  كورس موديلات جديدة للأعمال في المجتمع New Models of Business in Society قدمه إدوارد فريمان R. Edward Freeman على منصة Coursera في Sep 2013

[2]  الرأسمالية الواعية Conscious Capitalism مؤلفا الكتاب John Mackey Rajendra Sisodia ، ورقة بحثية (2007)، الكتاب (2013)، موقع الكتاب.

[3]  مبادرة هنري جاكسون Henry Jackson Initiative التي أطلقت في May 2012، التقرير.