نحو تدعيم التعاون الإسلامي: دعونا نقوم بتطوير ثقافة إسلامية جامعة لنخب المستقبل

صورة

بينما أكتب هذه الملاحظات، عدد من الدول التي تحتل مكانة قيادية في الثقافة الإسلامية تتعرض لمشاكل عظيمة وهي مهددة أن تصبح من الدول الفاشلة، أبرزها مصر وسورية. دول إسلامية أخرى مثل ماليزيا تعرضت لبعض الصعوبات في انتخاباتها الأخيرة، وتركيا التي ماتزال تعاني تبعات مظاهرات تقسيم التي تكاد تأخذ أبعاداً اجتماعية ودينية واقتصادية وأخرى تتعلق بالهوية، وأثناء كل ذلك يبدو الشرق الأوسط اليوم مقطعاً بين صراعات السنة والشيعة، الديمقراطيون والملكيون، السلفيون والصوفيون، الإسلاميون والعلمانيون، والمصالح الجيوستراتيجية للشرق والغرب.

مصر هي واحدة من أكثر الدول تعرضاً للمشاكل هذه الأيام. قد قادت السنة الماضية انتخابات ديمقراطية فاز فيها رئيس إسلامي من الإخوان المسلمين بعد ثورة 25 يناير التي أطاحت بالرئيس السابق حسني مبارك والذي حكم مصر لثلاثين عاماً، إلا أن الرئيس الجديد وحكومته تعرضتا لمصاعب اقتصادية كبيرة جاءت مع قلة خبرتهم السياسية، ظهرت قلة الخبرة في عدم قدرتهم على تشكيل التحالفات مع أطياف المعارضة الأخرى وعدم الاهتمام باحتواء وضبط أقطاب النظام القديم، إلا أن التقارير تؤكد أنهم أبلوا بلاء حسناً في ظل أوضاع اقتصادية صعبة للغاية بخلاف نظرائهم المجلس العسكري الذين أداروا البلاد في المرحلة الانتقالية. اتهمهم الغرب أنهم ليسوا ملتزمين تماماً بالديمقراطية، وأوقف مساعداته ووقف جانباً يتفرج إلى ما ستؤول إليه الأمور، وترك المصريين وحكومتهم تحت رحمة حمل ثقيل. حاولت الحكومة المصرية الجديدة إنشاء علاقات مع الصين وروسيا وإيران وبعض الدول العربية. وتبين بشكل واضح أنه ليس لمصر الجديدة أصدقاء حقيقيون. ستواجه سورية نفس المصير مع حكومتها الجديدة – إن كانت منتخبة حقاً وشرعية – عندما تتجاوز هذه الحرب المدمرة، ولن أدخل في الانقلاب  الأخير الذي قام به الجيش المصري مع المحكمة الدستورية على السلطة المنتخبة والذي أظهر بشكل واضح رغبة الولايات الأمريكية للهيمنة على المنطقة ولو عن طريق إعادة حكم العسكر، وإن أدى ذلك إلى تردي الأوضاع الاقتصادية وتقويض التجربة الديمقراطية الأولى في مصر وعدم الاستقرار. فالغرب يبرر ذلك بضرورة  وضع حد للإخوان المسلمين من البداية، فالخلافات الثقافية مع الإخوان المسلمين بالنسبة لهم أكبر من أن تحتمل، فهم يريدون إعادة النفوذ الإسلامي وإحياء دور الخلافة في العالم.

من هنا كانت المطالبة وضرورة السعي إلى تعاون إسلامي أكثر عمقاً وربما أكثر برغماتية، فالدول بشكل عام وتلك ذات النظم السياسية الحديثة تحتاج إلى مساعدات فوق وطنية تقنية، وضغوطات من أجل خلق الإرادة السياسية للإصلاح والحكم الرشيد وتحتاج أيضاً إلى شراكات استراتيجية اقتصادية. لقد قام الغرب ممثلاً بأوربا والولايات المتحدة بالإنشاء والسيطرة على عدد كبير من المنظمات تراقب وتقيم وترشد وتساعد على التطوير في أماكن عديدة من العالم – خصوصاً تلك التي تنسجم ثقافياً مع الغرب مثل أمريكا اللاتينية وحديثاً افريقيا – نذكر مثالاً عنها Freedom House،  Transparency International،IMF، البنك الدولي وغيرها. ولا أدل على أهمية دور المساعدة فوق الوطنية (فوق الدولة) في مساعدة الدول الناشئة من ماحدث في دول أوربا الشرقية والتي تحولت إلى ديمقراطيات في بداية التسعينيات واجتازت مرحلتها الانتقالية بسرعة نسبية ونجاح، بعد أن تم سريعاً ضمها إلى الاتحاد الأوربي ولم تكن قد حقت الشروط الاقتصادية وشروط جودة الديمقراطية بعد.  فالمنظمات التي تدعي العالمية لا تفهم خصوصيات مجتمعاتنا ذات الأغلبية المسلمة وليس لديها الإرادة والرغبة للمساعدة في أن نكون أحراراً وناجحين بطريقتنا، عدا عن تلك التي تمثل صراحة ثقافة معينة كالاتحاد الأوربي. فالغرب يريد للعالم وللبلاد الإسلامية خصوصاً أن تأخذ طريقه في التغريب أو تسلك طريقاً صعبة ربما لا تخرج منها سالمة.

على الدول الإسلامية أن تساعد بعضها بعضاَ في ” تحقيق حقوق الإنسان والحريات الأساسية، الحكم الرشيد، سيادة القانون، الديمقراطية، والمحاسبة” كما تذكرها وثيقة تعريف منظمة التعاون الإسلامي. علي النخب في العالم الإسلامي أن تعمل معاً لفهم وتطبيق الأساليب الحديثة في الحكم وعلاقتها بقيم الإسلام وعاداته، أن نتشارك فيما يصلح ويعمل وفيما لا يصلح وليس ذو فعالية في حل المشاكل. إن الدول الإسلامية تتشارك في ميزات ثقافية عميقة وعليه فيمكن أن تشكل نموذجاً لبعضها البعص. فإذا استطاعت أن تنشأ علاقات اقتصادية قوية خصوصاً تلك التي تقع في اقليم جغرافي واحد حول الدول الأقوى، عندها ستتمكن من ممارسة الضغط المناسب لمساعدة بعضها البعض لفعل الشيء الصحيح.

فمن أجل تحقيق هذا النوع من التشارك، أعتقد أن البداية تكمن في تطوير أفكار وموديلات وتشارك للخبرات، حيث تقوم مراكز الأبحاث في الجامعات بالدعوة إلى مؤتمرات بجودة عالية ويمكن أن تكون بالاشتراك مع منظمة التعاون الإسلامي. فعلى المؤتمرات أن لا تكون للملوك والرؤساء والوزراء والدبلوماسيين، بل يدعى لها الباحثون في العلوم السياسية والاقتصاد والتاريخ والقانون وعلم الاجتماع وعلماء الأمة في الأصول والشريعة. بل وأذهب أبعد من ذلك لأقترح أن تكون هذه المؤتمرات منقولة عبر الانترنت وبالمجان وأن تتم مناقشة مواضيعها في جامعات العالم الإسلامي كافة وأن يتم تشارك الأفكار والأبحاث والمنشورات على منتديات على الانترنت مخصصة لهذا الغرض، فتنشأ نخبة تجد في البحث العلمي وفي تجارب الشعوب سبيلاً إلى الإزدهار والتقدم وحمل راية حضارة الإسلام.

إن التحدي الذي يكمن في ازدياد تمكين الناس وفي صعود الطبقات الوسطى في الدول التي أحرزت تقدماً اقتصادياً يجب أن يكون حافزاً لمزيد من التقدم لهذه البلدان ويخلق فرصاً وليس تهديدات لبقية الدول الإسلامية، فعندما ترتبط بعلاقات اقتصادية فيها ربح لكل الأطراف، وعندما تفهم النخب في هذه البلاد دورها ومساهمتها في رفد الحاضن الذي يمثل حضارة الإسلام وضرورة الحفاظ عليه والذي يحمل قيم الإسلام وثقافته، وعندما يشكل هؤلاء النخب هوية بلادهم كجزء من هذه الحضارة، نكون قد بنينا أساساً قوياً يشكل مرتكزاً في الأوقات الصعبة.

ومن الجدير بالذكر أن مركز الدراسات تاسام TASAM التركي للدراسات الاستراتيجية صاحب مبادرة مؤتمر بيوت التفكير الإسلامية الممول من منظمة التعاون الإسلامي يعمل بجد ويطرح مواضيع فائقة الأهمية لعالمنا الإسلامي المعاصر ويحضر لدورته الخامسة في شباط من عام 2014 في بغداد، بعنوان “الوحدة في التنوع، مصادر القوة” بعد أن أتم دورته الرابعة في القاهرة في آذار من العام 2013 بعنوان “التكامل الاقتصادي بين بلدان منظمة التعاون الإسلامي، الآفاق والتحديات”.

فهل يمكن أن نرى مؤتمرات لملايين الطلاب والموظفين والأساتذة في العالم الإسلامي تمكنهم من الحضور والمناقشة والبحث والنشر ولو على الانترنت؟ تشكل ظاهرة ثقافية وتضغط على النخب الحالية لإعادة التفكير وتخلق نوعاً من الهوية المشتركة بين الشباب في العالم الإسلامي، وتشكل أساساً لثقافة قوية تعتز بحضارة الإسلام وبالهوية الثقافية للشعوب التي تمثلها وتعمل على إيجاد حالات من المصالح الاقتصادية وأسس مشتركة فعالة للحكم والتطوير الاقتصادي وتأكيد الهوية والحريات.

General Project Concept Note

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s