قوة عمل ذات أداء عالٍ وتفانٍ وانهماك كبير هي ما تسعى إليه جميع المنظمات، مدراء وموظفون يقومون بالفعل الصحيح في الوقت الصحيح كل الوفت، إلا أن قليلاً منها استطاعت أن تخرج أفضل مافي الناس لديها وتحرز نجاحاً حقيقياً في خدمة زبائنها والمستفيدين منها.

لا تلق المنظمات الناشئة عظيم اهتمام لقضايا العاملين لديها، فغالباً ما تعتمد على حفنة من الأشخاص الموثوقين لأداء كل الأعمال. غالباً ما تكون هذه المنظمات مركزة على الزبون وتقودها النتائج. إلا أن المنظمات الناشئة الناجحة تعيش لتواجه تحديات النمو، فيواجه مالكوها خيارات صعبة تهدد بهدم القيمة التي يقدمونها إن لم يتعاملوا معها بطريقة صحيحة بالتخطيط والتركيز، وتطوير العمليات والإجرائيات والقيود في منظماتهم  لتلبي الحاجة المتنامية لمنتجاتهم وخدماتهم في السوق.

وبينما تنمو المنظمات، تحتاج عدداً أكبر من الأشخاص، إلا أن ذلك يزيد من مشاكل العاملين، وعندها يصبح المدراء في حيرة وخيبة أمل، فأداء منظماتهم في تدهور، وهاهم يخسرون زبائنهم الذين طالما عملوا على الاستحواذ عليهم. عندها يفرك المدراء رؤوسهم ويصلون إلى نتيجة مفادها أن عليهم توظيف مختص/ مدير في إدارة الموارد البشرية، ليقوم بحل مشاكل الناس لديهم ويرفع أداء العاملين. تبدو هذه الفكرة جيدة إلى أن يصابوا أيضاً بخيبة أمل ويتهموا قلة كفاءة مختص إدارة الموارد البشرية الذي وظفوه.

وفي سعي هذه المنظمات للبحث عن حلول للموارد البشرية العاملة لديها، يقومون بتوظيف مختص في إدارة الموارد البشرية، غالباً بمستوى مدير إدارة متوسطة، بقليل من الخبرة في قياس وتحديد مستوى كفاءة هذا المختص الجديد وماذا يتوقع منه. وبهذا التعريف الغامض لدور مدير الموارد البشرية، يترك هؤلاء المدراء ليفكروا ويقرروا بأنفسهم ماهو المطلوب منهم ويحاولوا أن يوصلوا صوتهم إلى المدراء في الإدارة العليا (غالباً ما يكونون المالكين في الشركات المتوسطة والصغيرة) والذين غالباً ما ينظرون إليهم –على الأقل في بعض الشركات – كأشخاص مبتدئين في أمور إدارة الأعمال. فيقومون بدارسة ما يطرحونه عليهم باستهتار ويقومون بالحكم عليهم بقياس التكاليف/ المنافع في المدى القصير ويستنتجون أن هذا المختص يقدم لهم نوعاً من الحياة الفاضلة لا يحتاجونها.

إن جذور المشكلة المتعلقة بدراسة عروض مختص الموارد البشرية باستهتار لا تتعلق فقط بقلة كفاءة هؤلاء المختصين في تقديم المنافع المادية للأعمال والتي يمكن تنتج عن توصياتهم، ولكن أيضاً في الموقع الذي يجد مختص الموارد البشرية نفسه فيه. فالمالكون ومدراء الإدارة العليا في المنظمات يحتاجون للبحث عن حلول الموارد البشرية في المكان الصحيح.

ومن أجل حل المشاكل المزمنة للموارد البشرية في المنظمات، لابد من حدوث نقلة قوية معتمدة على القيم، القيم التي بها تصبح المنظمات الجيدة عظيمة. هذا التغير في القيم سينعكس بشكل عميق في نوعية تصرفات المالكين/مدارء الإدارة العليا في تعاملهم مع المدراء والموظفين وفي قراراتهم تجاه إدارة أعمالهم/ منظماتهم.

ولتحدث هذه النقلة في النظر إلى الناس/ الموارد البشرية كشركاء حقيقين وليس كموارد أخرى لانتاج الثروة/ القيمة للمنظمات، وأنهم هنا لتحقيق أحلاهم، وإطعام عائلاتهم، واستثمار أعمارهم وجهودهم في هذه المنظمة/الشركة، على المالكين/ مدراء الإدارة العليا أن يثقفوا أنفسهم في هذا المجال بالاستعانة بخبراء الموارد البشرية/ الإدارة على مستوى عالٍ من الخبرة والوثوقية ولهم سجل مهني حافل ومشهود له، ليطلعواعلى الأفكار والمفاهيم التي تستخدمها الشركات العظيمة في بناء بيئة العمل لديها.

إن سلوكيات المدراء والتي تخلق قوة عمل ذات أداء عالٍ وتفان وانهماك كبير ليست صعبة أو مستحيلة، فقد لخصها البرفيسور إدوارد هيس Prof. Edward Hess من جامعة فرجينيا، كلية داردن لإدارة الأعمال ، في كتابه النمو باتجاه العظمة: النمو الذكي للأعمال الرائدة Grow to Greatness: Smart Growth for Entrepreneurial Businesses  (2012) في أربعة مبادئ: الأولى: القاعدة الذهبية: عامل الناس كما تحب أن يعاملوك، الثانية: اهتم بالناس لديك، الثالثة: استخدم القيادة بالقدوة، الرابعة: افعل الأمر الصحيح. نعم سينظر المدراء إلى هذه القواعد الأربعة ويقولون إنها جيدة ونبيلة ولكن ليست مناسبة للتعامل مع الناس في منظمتي، نعم إنها ستجعل الناس يشعرون أنهم أفراد عائلة واحدة، ولكنها لن تساعدني في جعلهم يتحملون مسؤولياتهم.

فبناء “عائلة مسؤولة” – باستخدام مفردات هيس – تتألف من شقين: الإبقاء على الناس سعداء وكذلك على علم بالسلوكيات الصحيحة. وضع البرفيسور هيس سلسلة ممتازة لتجعل العاملين يقومون بالأمور الصحيحة (المطلوبة)، فقال: تواصل لتوضيح السلوكيات الصحيحة – قيس هذه السلوكيات – كافئ هذه السلوكيات – استخدم قدوات تقوم بهذه السلوكيات – ألهم الناس للقيام بهذه السلوكيات عن طريق ثقافة المنظمة  – علم هذه السلوكيات – أنشأ البيئة التي تروج وتمكن هذه السلوكيات.

يقوم الجيدون من مختصي الموارد البشرية بالعمل مع فرق الإدارة العليا والإدارة المتوسطة لتحديد وتصميم النظام الذي يدعم خلق “عائلة مسؤولة”، ولكن العبء يقع على المدراء لتقوية، ودعم والالتزام بتنفيذ هذا النظام. على الإدارة العليا أن تكون القوة الدافعة وراء هذا النظام، عليهم أن يوظفوا/ يرقوا/ يكافئوا المدراء بناء على ذلك، ويعاملوهم بالطريقة التي يريدون أن يعامل بها المدراء أولئك التابعين لهم إدارياً، كل المدراء عليهم أن يكونوا قدوة للسلوكيات الصحيحة التي يتطلبها نجاح المنظمة.

حدد البرفيسور هيس 6 عناصر لنظام الإدارة المطلوب، وهي: ثقافة المنظمة، الهيكلة، سلوكيات القيادة، سياسات الموارد البشرية، قياس السلوكيات، المكافآت. ومن أجل جعل دور مختص الموارد البشرية واضحاً، أضع هنا قائمة بمهام إدارات الموارد البشرية حسب مجتمع إدارة الموارد البشرية (SHRM) وهي: تطوير الموارد البشرية، التعويضات والمنافع، الأمن والسلامة، علاقات العاملين، سياسات الموارد البشرية. إن مسؤولية مختصي الموارد البشرية تكمن في إدارة هذه المهام وتنسيقها، فهم يعملون مع مدراء الإدارة العليا لتصميم عناصر السياسات، ومع مدراء الإدارة الوسطى لتنفيذها يوماً بيوم.

من المفيد أيضاً النظر إلى نظام الموارد البشرية كما حدده البرفيسور ماتو موديلو سولا Prof. Modelo Mateu, Solá (2008) والذي يوضح دورة حياه العاملين موظفين ومدراء في المنظمة ومهام الموارد البشرية المتعلقة بكل مرحلة. لكن أياً منها لايمكن ولايجب أن يتم بدون الاستشارة والتوافق مع المدراء المعنيين. إن المحادثات والقرارات اليومية هي مايهم عند التأكد من حدوث ممارسات عادلة والتي ستمنع الكثير من مشاكل الموارد البشرية وتحقق تفان وانهماك كبير وأداء عال.

صورة

في موديل ماتيو، يوظف المدراء/ الموظفون من داخل المنظمة أو خارجها وذلك حسب مجموعة السلوكيات المعرفة لكل منصب (بعض السلوكيات تتشارك في أكثر من منصب). يحدث التوظيف الداخلي كجزء من التخطيط المهني للفرد في المنظمة، وذلك بعد دراسة قدرات الفرد مستخدمين معلومات التقييم الوظيفي. وفي كل الأحوال فإن الموظف الجديد يعرّف بقيم الشركة ومهمتها وطرق العمل فيها، ويقيّم حسب مستوى الكفاءة المحدد لكل سلوكية/ مهارة كما يتطلب منصب العمل الموافق. يتلقى الموظفون/ المدراء التدريب والتطوير ويقاس أداؤهم من قبل من يتبعون لهم إدارياً، كما أن تعويضاتهم ومكافآتهم تحدد حسب دورهم، خبرتهم، أدائهم، والإسهام الذي يقومون به. فالهدف الرئيس هو تحقيق التوافق بين أداء العاملين وبين استراتيجية المنظمة وعملياتها وبرامجها ومشاريعها، بكلمات أخرى بين السلوكيات المطلوبة والسلوكيات المحققة.

إن المنظمات الممتازة ممتازة أيضاً في إنشاء ثقافة يفوز فيها الجميع، فثقافة المؤسسة هي انعكاس لكل القرارات، السلوكيات والمحادثات اليومية. عرف البرفيسور دانيل ماكفيرلاند Prof. Daniel McFarland  من جامعة ستانفور (2012) ثقافة المؤسسة على أنها ” القواعد المشتركة والتي تحكم الجوانب الشعورية والفكرية للعضوية في المنظمة، والأدوات التي من خلالها يتم تشكيلها ومشاركتها”، تظهر ثقافة المؤسسة في 3 عناصر رئيسية هي: الممارسات: السياسات الرسمية والأعراف الغير رسمية، التحف: الرموز والأدوات، الطقوس، القصص والمفردات الخاصة، الترتيب الفيزيائي (العمارة والديكور)، عناصر المحتوى: الفلسفة، الأفكار، الداخلي والخارجي. (مارتين وميرسيون Martin and Meyerson ، 1987)

من الواضح أن ثقافة المنظمة  تعبر عن قيم المنظمة – أسلوب الحياة فيها – عن طريق خيارات مدروسة يتخذها فريق الإدارة حول طبيعة بيئة العمل التي يطمحون إليها. فيعمل مدراء الإدارة العليا على تصميم ثقافة ترسل رسائل متطابقة للعاملين تقوي بعضها بعضاً “نحن نهتم بكم، اهتموا بنا، نحن شركاء في بناء هذه المنظمة”. ربما على مدراء الموارد البشرية أن يساعدوا في الوجوه التقنية لهذه العملية ويقدموا وسائل توصل إلى الغايات المرجوة.

ومن هنا وفيما تحتاج المنظمات النامية إلى أفراد جدد، تريد هذه المنظمات أن تتأكد أن كل فرد جديد يقدم اسهاماً مضافاً لنجاحها. عندها يحتاج المالكون/ مدراء الإدارة العليا إلى أن يتعلموا كيف يفوضون المهام، يثقوا بالناس، ويقيسوا أدائهم ويكافؤه بكل شفافية وبالرجوع الواضح إلى الأداء الحقيقي للمنظمة. عليهم أن يجعلوا الناس يشعرون بالقيمة والرضا، وأن يحققوا تتطلعاتهم، ويساعدوهم ليحققوا تقدماً في حياتهم. وبعيداً عن الأعمال والكفاءة المؤسساتية، فالحياة أكثر قيمة من أن نعيشها في صراع، فكلنا نستحق حياة أكثر سعادة وأكثر غنىً.

Advertisements