شهد العامان الماضيان في كل من أوربا وأمريكا الشمالية زيادة شهرة طريقة جديدة لتمويل المشاريع الابتكارية والخيرية،  يتم من خلالها تمويل هذه المشاريع أو الشركات من قبل جمهورها، فيما يعرف بـ Crowd Funding أو تمويل الجمهور.

يبين هذا المقال كيفية استخدام هذه الطريقة، وميزاتها والتزاماتها، وأنواعها ونماذج العمل بها، وأمثلة عنها، وكلفتها وشروطها، ونصائح لاستخدامها وإنجاحها وبعض المعوقات العملية لاستخدامها في سورية.

في تمويل الجمهور، يقوم أصحاب المشاريع أو الشركات الحديثة بعرض ما ينون إنتاجه من أفلام مسجلة أو ألعاب أو برامج لجمهورهم ويطلبون منهم تمويلهم ببضع دولارات تبدأ من 10$ وقد تصل إلى 1000$ وأكثر كل حسب رغبته، عندها يقوم أصحاب المشاريع بمكافأة داعميهم بهدايا عينية كنسخة من اللعبة أو الفلم عند إنتاجهم أو مكافآت معنوية كرسائل شكر وتقدير أو نشر أسمائهم في قوائم الداعمين، وتزيد أهمية الهدية بمقدار المبلغ المقدم، وتستخدم مواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة لدعوة الناس للمساهمة بأموالهم في إنجاح هذه الأعمال، كما يقع عليهم التأكد من قدرات وموثوقية القائمين على المشاريع من خلال عرضهم للخطط والفيدوهات والصور وما يقوله الناس عنهم.

يعتبر تمويل الجمهور طريقة ديمقراطية في التمويل إذ أنها تعتمد على حكمة الجمهور ولا تتدخل فيها المؤسسات المالية مثل البنوك وأسواق الأسهم والمسثمرين الكبار، فهي لا تحتاج أكثر من البنية التحتية  المتمثلة في أساليب الدفع عن طريق الانترنت وتحويل الأموال إلى حسابات أصحاب المشاريع، كما أن هذه الطريقة  تحرر أصحاب المشاريع من الالتزامات والضغوطات التي يمارسها المستثمرون والبنوك، ولكنها بالمقابل تحملهم تبعات من نوع آخر تجاه العدد الهائل من الداعمين تتعلق بالموثوقية والفعالية والقدرة على إعطاء معلومات موثوقة ومحدثة عن أعمالهم، إضافة إلى الجهد المتعلق بإدارة عدد هائل من العلاقات مع جمهورهم والداعمين لهم.

هناك نوعان آساسيان لتمويل الجمهور أحدهما عن طريق استخدام منصات أو مواقع تمثل معرضاً للمشاريع (تصنيف ومراجعات مواقع تمويل الجمهور، 2012) وأخرى عن طريق استخدام مواقع الشركة وصفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي للتعريف بها وبمشاريعها والدعوة للمساهمة فيها، وقد يستخدم أصحاب المشاريع أسلوباً يجمع بين الاثنين، كما فعلت جين جينسن  (كتاب تمويل الجمهور، 2012):

“كنا نريد بناء نموذج معتمد على الألعاب لدعم المستهلكين، وكنا نريد داعمين ولاعبين يستطيعون العمل بشكل مباشر في الاستديو، يمكنكم تسميته خط اتصال مباشر، بدا موقع Kickstarter كحامل ممتاز وكطريقة  لبدء أول حملة لتشكيل  “مجتمع دعم اللعبة” CSG الخاص بنا”

ظهرت نماذج لتمويل الجمهور فمنها من اعتمد التبرع والحصول على هدايا بالمقابل مثل kickstarter.com وأخرى اعتمدت كمنصات لإعطاء قروض صغيرة (غالباً ما ترتبط بصناعة التمويل الصغير) يحصل المشاركون من خلالها على فائدة على أموالهم kiva.com ( Kiva Case، 2007)، أما النموذج الثالث فقط اعتمد على إعطاء الداعمين أسهماً في الشركة التي يدعمونها وهذا النوع مايزال محدوداً لأنه يحتاج إلى قوانيين تدعمه ولكنه واعد، سبقت إلية دول مثل المملكة المتحدة وفرنسا ولحقت الولايات المتحدة الأمريكية في نيسان 2012  بإصدار قانون JOBS Act.

وبالعودة إلى مواقع تمويل الجمهور، نجد أن منها ما اختص بالأعمال الابتكارية كالأفلام والألعاب والبرامج ومنها من اختص بالمشاريع الخيرية ومنها من جمع الاثنين مثل Indiegogo.com وهو من أكثر المواقع تنوعاً من حيث المشاريع المشاركة، فهناك 17 مشروعاً من الإمارات العربية المتحدة،  12 من مصر، 39 من الأردن، 7 من لبنان، 3 من قطر، و2 من تونس، في تاريخ كتابة هذا المقال. وهناك من اشتهر في منطقة جغرافية مثل ulule.com الذي اشتهر في أوربا.

صورة

وباستخدام هذه المواقع، فإن المنظمة الاجتماعية توافق على إعطاء هذه المواقع أجوراً لقاء خدمتها وتوافق على الالتزام بشروطها، أما الأجور فتبلغ حوالي 5% (بشكل عام وتختلف من موقع إلى آخر) من المبلغ الذي تجمعه، بالإضافة إلى 2.5% إذا استخدمت خدمة Paypal ، أما شروطها فمنها من يسمح  لصاحب المشروع بالاحتفاظ بالمبلغ حتى ولم يحقق الهدف الذي أعلنه، ومنها يستوجب إعادة الأموال لأصحابها إن لم يتحقق الهدف، ومنها من أخذ طريقاً وسطاً فاستلزم قيمة قبل تحقيق الهدف يمكن الاحتفاظ بالمبلغ بعد بلوغها وليس قبله.

إن التمويل عن طريق الجمهور يتطلب جمهوراً يستخدم مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الدفع عن طريق الانترنت مثل بطاقات الائتمان أو خدمة Paypal وله دخل شهري يسمح له بالتبرع ببعض الدولارات (تقريباً 12,000$)، ويقدرون الهدف الذي تسعى إليه هذه المنظمات الاجتماعية، ومن حسن الحظ فإن الإعلام العالمي والإقليمي وجهود المنظمات العالمية جعل أفراداً كثيرين على علم بما يحدث في سورية.

صورة

يمكن للمنظمات الاجتماعية عرض مشاريعها لتمويلها من قبل جمهورها باللغة الإكليزية ، كما يمكن لها أن تستخدم موقعي Facebook و Twitter كحامل لرسالتها ولدعوة الناس لتمويل مشاريعا، فتخفض كلفة استخدام لغات مختلفة كما توحد رسالتها وتظهر أكثر مصداقية. فهي تنشأ صفحات على الموقعين سابقي الذكر وتقوم بطلب “الإعجاب بها” و”اتباعها” وتحديثها بشكل دوري يومي أو أسبوعي، وعليها أن تجيب على أسئلة واستفسارات واقتراحات الجمهور بسرعة ومهنية، ومن الجيد أن تقوم بإنشاء موقع لها ( باستخدام  WordPress مثلاً)، ويجب أن تحوي جميع هذه الصفحات التعريفية على طريقة آمنة للدفع عن طريق الانترنت (يمكن إضافة دفع عن طريق Paypal بطريقة سهلة لصفحات Facebook وWordpress).

صورة

أما بالنسبة للرسالة التي تريد المنظمات إرسالها أثناء عرضها لمشاريعها، فيفضل أن تكون قوية مميزة ومتطابقة، وأن تستخدم لغة إنسانية حيادية في سياقها الثقافي العادي، ويستحسن أن تبتعد عن تأكيد القيم الدينية أو التوجهات السياسية، وعليها أن تلتزم المهنية والاحترافية مع التشويق والرقة في إنتاجها للصور والأفلام التي تعرض من خلالها أعمالها، وأن تظهر تنظيم أعمالها ووثوقيتها، فتظهر خطط تفصيلية عن المهام وترتيبها وكلفتها، ثم تعرض تقارير شهرية وسنوية مالية وعملياتية تظهر فيها تحقيقها لأهدافها، وكيف تم تقسيم المبالغ بين فئات المصاريف المختلفة.

على المنظمات الاجتماعية والتي تريد بناء صورة موثوقة أن تبذل جهداً ووقتاً في بناء شبكاتها الاجتماعية، إن عليها أن تقدم تعريفاً بها يمكن للناس أن يفخروا أنهم جزء منه عندما يقومون بمشاركته مع أصدقائهم، عليه أن يدل على حسهم الإنساني ورقيهم وذكائهم، وأن يكون لها برنامج دوري في عرض التدوينات أو التغريدات وأن يرتبط بحدث أسبوعي يعني الناس، كأن يكون لها مشروع جديد أو فيديو جديد، قصة جديدة، حكمة جديدة ، في بداية كل شهر أو كل أسبوع (جون برغر، 2013)، وأن تراعي المناسبات العالمية كعيد رأس السنة الميلادية. إن بناء الشبكة الاجتماعية يجب أن يكون منظماً ومرتبطاً بمنطقة جغرافية ويمكن أن يبدأ بالاتصال بأفراد يظهر تعاونهم ويطلب منهم أن يكونوا بذرة للمنظمة في شبكاتهم الاجتماعية في منطقة أو مجموعة معينة من الجمهور المستهدف.

إن تمويل الجمهور ليس طريقة قانونية تماماً في بلد مثل سورية إلا بالحصول على ترخيص (قانون الجمعيات رقم 93، 1958)، إلا أنه لا يرتب تبعات أو التزامات سياسية لأحد، بل إن المتبرعين يقومون بالتبرع لأسباب إنسانية ولا يتطلبون إلا نجاح المشروع وتحقيق أهدافه. وهناك معوقات تتعلق بانتقال الأموال إلى سورية، ففي ظل العقوبات المالية الحالية، لا يمكن استخدام بطاقات الإئتمان لحسابات في سورية إلا أنه يمكن استخدام شركات نقل الأموال مثل Western Union وغيرها.

إن وسيلة التمويل من قبل الجمهور ليست مفهوماً حديثاً فلطالما استخدمها الناس في مجتمعاتهم المحلية، وكثيراً ما رأيت جمعيات خيرية تطلب تمويل مشاريعها قرب المساجد، أو في الأسواق في بلادنا الإسلامية. وفي أوربا يقوم العازف أو الفرقة بأداء فني أمام الناس ثم يدعوهم للتبرع ببعض السنتات، أما الجديد اليوم فهو استخدام الانترنت لعرض المشاريع ومواقع التواصل الاجتماعي لدعوة الناس والدفع عن طريق الانترنت للحصول على المبالغ المطلوبة. إن التوجه للناس في العالم يخلق فرصاً جديدة ولكنه يضعنا أمام تحديات من نوع جديد أيضاً.

Advertisements