يقدم هذا المقال فكرة قوية يمكن للمنظمات الاجتماعية غير الحكومية والأحزاب السياسية استخدامها من أجل تطوير المجتمعات أبعد من نشاطاتها المباشرة. تتطلع هذه المنظمات إلى تطوير المجتمعات وزيادة الخير فيها. وهي أنه يمكن لهذه المنظمات التأثير في سلوك الناس والمجتمع بالطريقة المرجوة من خلال بناء وتدعيم ماركة قوية وملهمة، فتطوير الماركة مهم جداً لهذه المنظمات غير الحكومية الاجتماعية ليس فقط لتحقيق أهدافها بل ولتوليد موارد مالية دائمة.

فالماركة القوية أساسية في بناء منظمة ذات أكثر كبير. سكوت بيدبروي Scott Bedbury ، مستشار رائد ساعد شركات مثل نايكي Nike، وستاربكس Starbucks لتطوير ماركاتهم. سكوت ألف كتاباً بعنوان عالم جديد A Brand New Word   وضع فيه تعريفاً ممتازاً للماركة:

“الماركة هي مجموع كل الأمور الجيدة، السيئة، والبشعة، وتلك الخارجة عن الاستراتيجية. فهي تعرّف عن طريق أفضل منتجاتك إلى جانب أسوء تلك المنتجات. وتعرّف عن طريق أفضل الإعلانات تلك التي تستحق جائزة تقدير وأسوء الإعلانات والتي تسربت ، وحصلت على الموافقة ثم غرقت في غياهب النسيان. إنها تعرّف بأفضل موظفيك – النجوم الصاعدة-  الذين لا يقومون بأي خطأ وأولئك الذين كان توظيفهم خطأً. إنها أيضاً تعرّف بموظفي الاستقبال بالموسيقا التي يسمعها زبائنك عندما يوضعون على الانتظار. من أجل كل خطاب صغير أو كبير يقوم به المدير العام للشركة، كما تعرّف الماركة أيضاً بتعليقات الزبائن الساخرة التي تسمع في قاعات الاستقبال أو في غرف الدردشة على الانترنت. الماركات كالاسفنجة ماصة للمحتوى، للصور، للمشاعر العابرة،  فتصبح الماركات مفاهيم نفسية في أذهان الناس، والتي قد تبقى للأبد. وعليه فإننا لا نستطيع التحكم بشكل كامل بالماركة، إننا في أفضل الأحوال نستطيع توجيهها والتأثير بها”.

في الحقيقة، تظهر ماركة أي منظمة، شركة أو منظمة غير حكومية، عبر الأفعال والقرارات التي تقوم بها والظاهرة بشكل مباشر أو غير مباشرة لجمهورها المستهدف أو غير المستهدف. إن جوهر بناء وتطوير ماركة ملهمة هو جهد واعٍ لجعل كل جزء من المنظمة ممثلاً لقيمها الأساسية.

عندها يصبح الدليل إلى الماركة (اللوغو كمثال) أداة لخلق شعورٍ إيجابيٍ، تعلق عاطفي، يأتي هذا الرابط العاطفي من علاقة ذات منفعة متبادلة قائمة على الثقة، التفاهم والدعم، إنه وعد الماركة الذي توفيه بخدماتها ومنتجاتها (جون بلويس، 2013).

إن مفهوم تأثير الماركة على الناس الذين تتوجه إلهم ليس فقط مفهوماً شائعاً في إدارة الأعمال، فالدراسات النفسية أظهرت تأثير الماركات القوية على السلوكيات، وقدرتها على تغييريها في اللاوعي. فالمشاركون الذين عوموا بلوغو شركة آبل Apple تصرفوا بطريقة أكثر إبداعاً من أولئك الذين عوموا بلوغو شركة IBM ( فيتزسيمونس وآخرون، 2009). حيث أصبح اللوغو مؤثراً على السلوك ، محفزاً ينتج سلوكاً معيناً ، يشبه كثيراً المؤثرات الاجتماعية التي تفعّل بنى عقلية عندما يتم تعريض الشخص لكلمات معينة، مثل أن يتم تعريض الشخص لكلمات لها علاقة بقلة التهذيب فينتج ذلك أن يتأثر الشخص ويتصرف بطريقة غير مهذبة (براغ وآخرون، 1996).

فالمنظمات غير الحكومية الواعدة والتي لها أهداف كبيرة وتريد تغيير المجتمع، والتي تقوم بهذا عن طريق تصميم وتقديم خدمات ومنتجات تساعد الناس على عيش حياة أفضل، مثل خدمات تعليمية وتدريبية ذات جودة، حلول إسكانية عملية بسعر منخفض، خدمات تشغيل وتوظيف، الترويج لتغييرات تشريعية لقضايا مدنية، مراقبة الانفاق الحكومي، مراقبة الاعتداء على حقوق المواطنيين، إلخ. حيث تتطلع هذه المنظمات إلى المساعدة في تقوية وتمكين سيادة القانون وتحقيق العدالة، تخفيض الفقر وعدم المساواة، والعمل لتوسيع التفاهم بين المجتمعات المختلفة، وزرع الثقة بين أفراد المجتمع.

فمن أجل تحقيقٍ أفضل لهذه الأهداف، ومن أجل خلق أثر إيجابي يحظى بقلوب وعقول الناس، يمكن لهذه المنظمات أن تُنشأ وتنفذ استراتيجية للماركة، فتقترب من الناس بالقيمة التي تقدمها الماركة (القيمة والمنفعة المقدمة للناس والزبائن باسم الماركة) والتي تفي بوعد الماركة، فكلما كانت الرسالة مميزة، قوية، متطابقة كلما ازداد أثرها على الناس الذين تستهدفهم.

لنأخذ منظمة غير حكومية تعليمية، مدرسة تريد تشجيع وتدعيم التفكير الإبداعي المسؤول، والثقة لدى الطلاب والاعزاز بهويتهم وثقافتهم، وكذلك أخلاق العمل. لكي تقوم هذه المنظمة بمهمتها ستقوم بتصميم مناهج مناسبة، وتقدم للطلاب موارد علمية من كتب ومجلات محكمة وقصص ووسائل تعليمية ذات جودة عالية، وتوظف مدرسين محترفين وفريق إداري متمكن، وتقوم بتوظيف كادر على مستوىً عالٍ للمتابعة الذائمة والبحث والتطوير

في الأسفل نموذج العمل للمنظمة، وهي أداة تظهر القيمة المقدمة للمنظمة، الزبائن/ الجمهور المستهدف، القنوات ولعلاقات، والبنية التحتية موضحة بالأنشطة الأساسية والموارد والشراكات.

Image

تعمل هذه المدرسة للمحافظة على التميز والكفاءة والثقة في نشاطات التدريس والتدريب والإرشاد، في أعمال تطوير الأفراد العاملين لديها، في علاقتها مع زبائنها، واختيارها لشركائها. فهي تربط اسمها واللوغو الخاص بها بجهد يومي للإيفاء بوعدها، الوعد الذي قطعته هذه المدرسة لزرع الثقة والاعتزاز والكفاءة في طلابها.

فإذا استطاعت هذه المدرسة أن تبني وتطور الماركة الخاصة بها، عندها ستكون الإشارة إلى هذه المدرسة – المنظمة التعليمة – كفيلة بخلق شعور من الاعزاز والاقتدار في نفوس طلابها ومجتمعاتهم. فهي تحقق أهدافها عن طريق تقديم القيمة والتي تتمثل ببساطة في نشاطات التدريس والتعلم والإرشاد، وتمكين طلابها بالمهارات والمعرفة التي يحتاجونها للبناء والانجاز. إلا أن تأثيرها سيذهب أبعد من ذلك عندما تعمل على بناء الماركة التي تمثلها، والتي ستؤدي إلى تغييرات سلوكية تلك التي تسعى إليها فتساعد المجتمع في سعيه لمستقبل أفضل

من المهم أن تكون المنظمات غير الحكومية مدركة للفرص والتحديات التي يأتي بها الاستثمار في تطوير ماركة فعالة معبرة عن القيم والتطلعات التي تمثلها هذه المنظمات. إن ذلك لن يعني فقط أنها ستصبح أقدر على تحقيق أهدافها والحصول على موارد مالية، بل ستكون أقدر على جعل المجتمع الذي تخدمه قادراً على إظهار الخير الذي فيه.

المراجع:

Bargh, John A., Mark Chen, and Lara Burrows (1996), “Automaticity of Social Behavior: Direct Effects of Trait Construct and Stereotype Activation on Action,” Journal of Personality and Social Psychology, 71 (2), 230–44

Bedbury, S. (2002) “A Brand New World”, Viking Press

Bloise, J. (2013) “Successful Brand Development: Branding Strategies for Your Small Business”, PowerHomeBiz.com, online article

Fitzsimons, G. M., Chartrand, T. L., Fitzsimons, G. J. (2008), “Automatic Effects of Brand Exposure on Motivated Behavior: How Apple Makes You “Think Different”, JOURNAL OF CONSUMER RESEARCH, Inc.  Vol. 35

Advertisements