شروط بناء شركة قوية … شروط النهضة

مقدمة

شروط النهضة ، كتاب يطالعنا فيه مالك بن نبي المهندس وعالم اجتماع بتحليل ٍ في أركان التاريخ وتأمل ٍفي حضارات الشعوب، ليرسم طريق النهضة خطوة خطوة لتبدو لنا في بناء متناسق ومقنع، لقد نشر هذا الكتاب للمرة الأولى باللغة الفرنسية في 1948م، وقدم للقراء بالعربية للمرة الأولى في عام 1960 م، واعتقد أنه مايزال صادقاً حتى أيامنا هذه.

وباعتبار الشركة (المؤسسة Organization) مجتمعاً مصغراً فقد وجدت في هذا الفكر دليلاً لتحسين الأداء في الشركات، وربما كانت قيمته في شركاتنا المحلية، و الشركات العالمية العاملة في الأسواق المحلية، لأننا في الشركات المحلية لن ننجح فقط باستراتيجيات وتقنيات وموارد متفوقة بل علينا أن نبني مجتمعاً متفوقاً يقوم بأعمال الشركة وننشأ ثقافة و”حضارة” شركتنا وبالتالي تاريخها، الذي قد يختلف قليلاً عن ثقافة “حضارة” مجتمعنا الحالي وتاريخه، فربما تكون الشركات بؤراً ناجحة تساهم في نشر ثقافة النجاح في المجتمع!

حضارة مجتمع ما هي ما ينتجه هذا المجتمع والطريقة التي يتبعها في الإنتاج، وحضارة شركة ببساطة تتعلق بالخدمات والمنتجات المربحة وعوائدها المادية والمعنوية التي تقدمها وطريقة تقديم هذه المنتجات من قرارات وسياسات وعمليات.

السياسة والإصلاح

في الفصل الثاني من الباب الأول ، يناقش الكاتب فكرة السياسة والإصلاح، ويرى أن على جهود الإصلاح أن تقود جهود السياسة وليس العكس،

وإذا أردنا الاستفادة من هذا المبدأ لتحسين العمل في الشركات، نجد أنه لابد من الاهتمام بتحسين قدرات الشركة (يقصد بقدرة الشركة competencies of company هي الأعمال التي تقوم بها بشكل جيد وتعطي نتيجة جيدة، مثال قدرات الشركة التسويقية، أي لديها معلومات وأرشيف عن تجارب سابقة، دراسات، أنظمة معلومات وتحليل، فريق من الأفراد المؤهلين والمدربين يفهمون تماماً رسالة الشركة والأسواق التي يعملون فيها، وقدرات الشركة ومايمكنها تقديمه)، بدل الاهتمام بتوظيف المدراء ووتوزيع الحقائب والمسؤوليات والتفاوض في شأن التعويضات لهم،

إن الشركات التي يصبح فيها تعيين المدراء ذو أولوية أعلى من تحسين قدرات الشركة وأدائها، تصبح شركات يسودها جو السياسات الداخلية، واستعراض السلطة والطعن في الظهر بين المدراء للحصول على الميزات والمناصب بدل الاهتمام بالنتائج ومايحدث حقيقة، وعليه تدفع الشركة ثمن ذلك أداءً منخفضاً وتاريخاً بائساً.

نحو تجربة حضارية مخططة

يأتي بن نبي في الباب الثاني، ليحملنا على التفريق بين “الحضارة” و”منتجاتها” وأن الأصل هو “أن الحضارة هي التي تلد منتجاتها”، ولن يكون مجدياً شراء منتجات الحضارة ويقول إن هذا الأمر مستحيل من ناحية الكم والكيف، فمن ناحية الكم لايمكن لحضارة ما أن تبعينا روحها وأفكارها وثرواتها الذاتية وأذواقها والتي بدونها تصبح كل الأشياء فارغة بدون روح وبغير هدف، فأي حضارة ينشأ بين مكوناتها علائق كبيرة ، بين المجال المادي حيث تنشأ ويقوى هيكلها وبين المجال الفكري حيث تولد وتنمو روحها، أما من ناحية الكيف فلايمكن أن نتخيل شراء العديد الهائل من الأشياء وأن نجد المال لشرائها ، هذا سيؤدي إلى تكديس الأشياء الحضارية ، فكوم المنتجات الحضارية يمكن أن يعطي “حالة حضارة” والفرق كبير بين حالة الحضارة وتجربة مخططة تؤدي إلى حضارة.

لابد من تأسيس الحضارة ، وبمفهوم آخر بتركيب الحضارة

ناتج حضاري = إنسان + تراب (موارد) + وقت

فالماء في الحقيقة نتاج للأوكسجين والهدروجين، وبالرغم من أنهما يشكلان الماء، فلا يمكن أن نركب الماء مباشرة، إننا نحتاج إلى “مركب الحضارة” أي العامل الذي يؤدي إلى مزج العناصر (الإنسان، الموارد، الوقت) ، وهذا المركب هو عند الكاتب “الفكرة الدينية” التي رافقت تركيب الحضارة عبر العصور، ويذكر أمثلة كثيرة من التاريخ البشري ليدلل على الفكرة.

وبالعودة إلى بناء الشركة، تطالعنا التجارب الكثيرة الفاشلة التي أخذت الشركات فيها تشتري أنظمة معلومات وأتمتة وذكاء أعمال وليس لديها الحضارة التي انتجتها بمعنى الغايات والقدرات والممارسات الفعالة التي تبقي هذه الأنظمة نافعة وتقوم بعملها، وتؤدي النتيجة المرجوة منها، فتجدنا نشتري الأنظمة على أمل الاستفادة منها لننتهي بنتائج عكسة وخسارة للأوقات والأموال، وهنا يذكر لنا الكاتب أننا بحاجة إلى مركب الحضارة الذي يجعلنا نستفيد من الموارد البشرية والمالية والتقنية المتاحة لنا، إننا بحاجة إلى “الفكرة الدينية”، وهل نحن بحاجة إلى فكرة دينية لبناء الشركة ؟!

مركب الحضارة : الفكرة الدينية (المعنوية)

يعود الكاتب ليشرح لنا أن الفكرة الدينية ليس وحياً فقط ، ويقلب التاريخ فيجد أن الحضارة لا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة وحي ، أو على الأقل تقوم أسسها نحو توجيه الناس نحو معبود غيبي بالمفهوم العام (غيبياً من نوع زمني ، كأن يكون مشروعاً اجتماعياً بعيد الأمد، يقوم به جيل من أجل الأجيال القادمة) فكأنما قدر للإنسان ألا تشرق عليه شمس الحضارة مالم تمتد رؤيته إلى ما بعد الكرة الأرضية والأشياء المحسوسة، ويراها توينبي بطريقة أخرى فعندما يتعرض شعب من الشعوب إلى  “تحد ” تنتج عنه ردة فعل فإما أن تكون بوثبة إلى الأمام، أو أن تصاب بالتوقف والجمود، أو يلفها الفناء بردائه.

تضع “الفكرة الدينية” الإنسان ضمن شروط يتم فيها اخضاع غرائزه، فتتولى تنظيمها، وفي هذه الحالة يتحرر الإنسان جزئياً من قانون الطبيعة المفطور في جسده، ويخضع وجوده إلى المقتضيات الروحية التي طبعتها الفكرة الدينية ، بحيث يمارس حياته ضمن قانون الروح، وهكذا يواصل المجتمع الذي أبرزته الفكرة الدينية الى النور تتطوره، وتكتمل شبكة روابطه الداخلية، بقدر امتداد اشعاع هذه الفكرة في العالم فتنشأ مشكلات في هذا المجتمع وتتولد ضرورات جديدة لاكتماله وهنا منعطف العقل وتشرع الغرائز بالتحرر ولكن في ضوابط العقل فيكون في أوج حضارته حيث تزدهر العلوم والفنون،

قبل أن تنتقل الفكرة الدينية من تحد فكري لفرد أو مجموعة أفراد إلى تحد لمجتمع تمر بمرحلة الأبطال، فالدوافع الدينية للبطل وشرفه الإنساني يحتمان عليه السير في طريق ملحمة بطولية، لايعلم تماماً كيف ستخلص تضحياته مجتمعه وكيف ستؤدي إلى النصر، ولكن هذه التضحيات توحد الروابط القبلية “الجمعية” في الشعب وتوقظ فيه روحه النائمة ويهيأ الأبطال المجتمع لرواية حماسية ولكن ليس لرسالة تاريخية

كثيراً ما ينصح المستشارون مدراء الشركات وأصحابها أن يضعوا رؤية الشركة ورسالتها، وقيمها، واستراتيجتها، وينظر الكثير من المدراء المحليين إلى الأمر باستخفاف ولامبالاة، ويرون أن هذا العمل نوع من الحلم الذي لاطائل منه، إن المطلوب هو أن تجعل العاملين (وكل المعنيين stake holders من زبائن ومستثمرين ومجتمع حاضن ومؤسسسات … ) في الشركة ينظرون إلى أنفسهم على أنهم بناة مشروع حضاري، يقدمون للناس خدمة قيمة، وليس فقط أدوات لانتاج المال لأصحاب الشركة، إن علينا أن نربط العمل في الشركة بهدف سام في المستقبل يتطلع إليه العاملون بشغف وتتعلق قلوبهم به، ويتمثلون القيم التي يرونها تتطبق في سياسات الشركة وفي قرارات المدراء، فيتمثلونها في عملهم.

فبدل أن نشتكي من ضعف الأخلاق المهنية business ethics عند العاملين، نساهم عملياً في وضع النموذج الجيد وإرساء دعائمه على أرض الواقع، إننا بحاجة إلى رؤية تشكل تحدياً للمعنين في أعمال هذه الشركة، تحدياً تشتاق له نفوسهم ويدعوهم للتآزر، وفي سياق هذا الأمر لابد من صناعة الأبطال الذين يشكلون مشعلاً روحياً للنضال في سبيل تحقيق رؤية الشركة، فيساهمون في بناء ثقافة الشركة، وأذكر مثالاً [i]عن شركة Southwest Airlines الأمريكية التي صنعت بطلاً من العاملين كان قد هرع ليسعف امرأة بكرسي متحرك وقعت أثناء صعودها إلى الطائرة ولم يكن أحد بمرافقتها فبدل أن تعاقبه الشركة لتركه عمله دون إذن مشرفه صنعت منه بطلاً لتدلل على مستوى جودة خدمة الزبائن المطلوب من العاملين، وقامت الشركة بدفع تكاليف اسعافها عنه، قد لايبدو هذا الموظف بطلاً فعلياً في نظر مجتمع شركاتنا المحلية، إلا أنه ظهر كبطل في شركة أمريكية يغلب عليها الالتزام بالتعليمات، والبعد عن عواقب كسرها.

الدورة الخالدة : أطوار حياة الشركة

وينتقل الكاتب ليرسم لنا الدورة الخالدة للحضارة، والتي تتطابق مع دورة ابن خلدون للدول، وتتطابق أيضاً مع مراحل نمو الشركات في أدبيات إدارة الأعمال فاللشركات أطور طور الصعود، النمو، النضج، التراجع، وكيف تتغلب بعض العوامل على الأخرى في تسيير الطور، ففي الشركات الصاعدة يغلب التطلع إلى المستقبل والتضحية من قبل الأفراد، وعلى السياسات أن تكون أكثر مرونة وأكثر تخصيصاً لحاجات الأفراد، ثم تتوسع الشركة ويصبح اعتمادها على النظام أساسياً، وكذلك استخدام أنظمة المعلومات والتقنيات يصبح ذو أهمية بالغة، ثم تأتي مرحلة التراجع عندما تسيطر الرغبات الشخصية لأصحاب الشركة والمدراء على اتخاذ القررات السليمة لتطور الشركة، وتراهم يقومون بأفعال تقلل من حماس العاملين أو حتى تزيد من الشعور السلبي تجاه الشركة، والشركات الناجحة فعلاً هي تلك التي تعيد انتاج الدورة فتقدم مشاريع جديدة تقدم من خلالها قيماً جديدة للموظفين والزبائن، من منتجات وخدمات تلبي حاجات معنوية وسامية في نظر المستهدفين

العنصر الأول: الإنسان

كنا قد ذكرنا أن الحضارة هي نتاج إنسان ووقت وموارد

ناتج حضاري = إنسان + تراب (موارد) + وقت

ومن أجل أن يكون الإنسان عنصراً فعالاً في بناء الحضارة وهو الذي يحمل “مركب الحضارة” وهي “الفكرة الدينية” بالمفهوم السابق، وبيديه يتم استثمار الموارد والوقت، فقضيته منوطة بتوجيهه في ثلاثة نواح،

  1. الثقافة
  2. العمل
  3. رأس المال

ويقصد بالتوجيه توجيه الجهود نحو هدف محدد، تمثل توافقاً في السير، ووحدة في الهدف، وهذا يكمن في توجيه الإنسان الذي تدفعه فكرة دينية، ليكتسب من فكرته الدينية معنى (الجماعة) ومعنى (الكفاح).

إن توجيه الثقافة هو العامل الأهم الذي يضيئ لنا الكتاب لفهمه واستخدامه لتحسين الأداء، فالشركات تنشأ لتوجيه العمل ورأس المال، ولكن عندما نأخذ عامل توجيه الثقافة فإننا نجعل الشركات أكثرا نجاحاً واستمرارية، بل ومساهمة في خدمة للمجتمع.

 

توجيه الإنسان: أولاً توجيه الثقافة

يعرف الغرب الثقافة بأنها “فلسفة الإنسان” ويعرفها ماركس بأنها “فلسفة المجتمع”، فهي مجموعة من الصفات الخلقية والاجتماعية التي يلقاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أولي في الوسط الذي ولد فيه ، وهي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته ،

ويميز الممارسون في إدارة الأعمال بين ثقافة المجتمع وثقافة الشركة، فمثلاً قد تكون العادة في مجتمع ما عدم التقيد بالمواعيد وتكون ثقافة الشركة تدعو إلى التقيد بالمواعيد ، فيتم مثلاً عقد اجتماعتها في الموعد وتتطلب الأعمال التزاماً بالوق، وهنا تختلف ثقافة المجتمع عن ثقافة الشركة بالنسبة لهذا الأمر، وإذا أردنا دليلاً إلى ثقافة شركة فلننظر للطريقة التي يتعارف عليها العاملون التي يتم بها تحقيق الأشياء (الرغبات، الأهداف، المشاريع، الأجندات)، علينا أن نفهم الثقافة كعامل تاريخي (عامل مؤثر في تكوين التاريخ) ، ثم كنظام تربوي لنشرها في المجتمع ومن ثم صناعة التاريخ.

توجيه الإنسان: أولاً توجيه الثقافة: صناعة الثقافة

عندما نتحدث عن الثقافة ومكوناتها، ومن أجل التأثير فيها، علينا أن نفرق بين أمرين:

  • تلك التي تتصل بالماضي (أي التي صنعت الماضي، عبر تشبعها في الأنفس والأشياء، فأدت إلى نتائج (كالتدهور))
  • تلك التي تتصل بخمائر المصير وجذور المستقبل (أي التي ستصنع المستقبل)

ويخلص الكاتب أن علينا تحديد الأوضاع بطريقتين،

  • سلبية تفصلنا عن رواسب الماضي (أي التي سيتم الحد من أثرها)
  • إيجابية تصلنا بمقتضيات المستقبل (أي التي سيتم تشجيعها)

وهنا علينا أن نحلل ثقافة الشركة الحالية والثقافة التي نريدها، وندرس العوامل التي علينا الحد من أثرها، وتلك التي علينا تركها كما هي، والتي علينا تشجيعها ونشرها، فمثلاً يسود في بعض الشركات الاعتقاد أن الأشخاص الذين يوافقون مدرائهم في آرائهم كلها بل ويزينون لهم الواقع هم الذين يحصلون على المكاسب، وينتشر الاعتقاد لدى العاملين أن العمل الحقيقي والكفاءة التي تحدث النتائج المرجوة ليست عاملاً مهماً يصل بصاحبه إلى الترقية وإنما إرضاء المدراء، يعتمد ذلك الاعتقاد على حوادث حدثت فعلاً وترقى أناس ليسوا أكفاء حقيقة وإنما “دبلوماسيون” ، ويعتمد ذلك على عوامل من أهمها قيم مدراء الإدارة العليا وكفاءتهم، ومن يتم مدح أدائه في اجتماعات الشركة، وطريقة استعمال أنظمة المعلومات وجمع وتحليل النتائج المحققة، ونوع نظام تقييم الأداء الذي تعتمده الشركة، وهنا علينا أن ندرس هذه الظاهرة ونقرر أننا يجب أن نحد منها، ثم نشجع الممارسة التي تقضي باعتبار الكفاءة وتحقيق النتائج هي العنصر الاساسي في الحصول على المكافآت المعنوية والمادية.

ويعود بن نبي ليفصل العناصر الجوهرية اللازمة للثقافة، وهي:

  1. الدستور الخلقي
  2. الذوق الجمالي
  3. المنطق العملي
  4. الصناعة بتعبير ابن خلدون

ثم يأتي إلى البرنامج التربوي للثقافة ويشبهها بالدم يسري في عروق المجتمع يحمل أفكار العامة والخاصة ويدعو إلى دواع مشتركة ، فيتكون البرنامج التربوي من:

  1. عنصر الأخلاق لتكوين الصلات الاجتماعية
  2. عنصر الجمال لتكوين الذوق العام
  3. منطق عملي تحديد أشكال النشاط العام
  4. الفن التطبيقي الموائم لكل نوع من أنواع المجتمع أو الصناعة حسب تعبير ابن خلدون

توجيه الإنسان: أولاً توجيه الثقافة: الأخلاق

يقول الكاتب أن التوجيه الأخلاقي يأتي من الدين وهو الرابط أو الجامع بين أفراد المجموعة، ويقول أن الأخلاق الغربية التي تبدو لادينية هي في الأصل دينية مسيحية جرى عليها التغيير أو كان الدين هو الدافع لانتاجها أو تكاتف من يقوم بها،

وأذكر مقالاً [ii]عن دراسة في مجلة هارفرد للأعمال تتحدث عن الشركات HCHP (High Commitment High Performance) التي يكون أداء العاملين فيها عالياً وبنفس الوقت يكون ولائهم كبيراً للشركة، ويذكر أحد المدراء التنفيذيين للشركة أن هذا التوازن لا يأتي بسهولة إنه يتطلب التزاما كبيراً إلى جانب أمور أخرى، وما لفت انتباهي أنه يقول أنه نابع من قيم كاثوليكية علمتها له والدته، كانت دائماً تقول له أنه يمكنه أن يكون أفضل، فالسائد أن الشركات التي تركز على الأداء والنتائج ترسل رسالة للعاملين أن العمل هو الأهم، وكمثال لا تتوانى عن الاستغناء عن أي موظف لايقوم بعمله بجودة عالية وبكلفة (كلفة الموظف هي رواتب وتعويضات ونهاية خدمة …إلخ ) مناسبة، وشركات يغلب عليها الاهتمام بالعاملين، فتجدها ترسل رسالة أنها تهتم للأفراد ويأتي العمل ثانياً فيمكن أن تؤثر سياساتها على أدائها كأن يتساهل العاملون في أعمالهم أو تقبل بازدياد كلفتهم، وكمثال على ذلك تنهج هذه الشركات سياسة “حقيقة” تقضي عدم تسريح العاملين ذوي الأعمار الكبيرة من الأعمال الإنتاجية التي تعتمد على القدرة الجسدية مبكراً بالرغم من أن كلفتهم تكون أعلى من كلفة العاملين الشباب (بسبب طول مدة عملهم يزداد راتبهم مثلاً و يزداد قيمة نهاية الخدمة لهم) وانتاجيتهم أقل، أما أن تحافظ الشركة على أداء عال وولاء عال في أغلب الأوقات فهو أمر يعتمد على الكثير من الالتزام الأخلاقي والمهني من المدراء في الإدارة العليا والوسطى !

توجيه الإنسان: أولاً توجيه الثقافة: العنصر الجمالي

يدلل الكاتب على أهمية العنصر الجمالي في تكوين الثقافة والذوق العام ، ويؤكد أن الصور الحسنة تلهم فكراً حسناً تعكس في نفس الإنسان إحساناً للعمل وتوخياً للكريم من العادات، والصورة الحسنة تعبر عن الأفكار وتقود إليها وتكسب الاحترام.

فالشركات التي تعتني بالتفاصيل الجمالية والذوقية في تعاملها مع الزبائن، ترسل رسالة أنها تحترمهم وأنها على مستوى عال من الحرفية وتستطيع تقديم خدمة بجودة عالية، فكما تدل ديكورات صالات العرض على جودة المنتجات والخدمات ، تدل ديكورات مكاتب الموظفين على القيمة التي يشكلونها بالنسبة للشركة.

وهنا نذكر أهمية الزي ومايعرف شروط اللباس dress code وكذلك الزي الموحد uniform وكيف أن كلاهما يسهمان في تحديد العنصر الجمالي ويدلان عليه، إلى جانب الفنون الجميلة التي يمكن أن تظهر في التواصل الخارجي والداخلي للشركة مع زبائنها وموظفيها والمجتمع الذي يحضنها والأعمال الأخرى الشريكة وكيف أن تلك الجهود يجب أن تنبع من فهم عالٍ لرسالة الشركة وهدفها وقيمها وجهد كبير في التقنيات والممارسات فتساهم في تشكيل العنصر الجمالي في صناعة ثقافة الشركة

توجيه الإنسان: أولاً توجيه الثقافة: المنطق العملي

العنصر الثالث هو المنطق العملي، وهو الذي يربط الهدف بالوسيلة والعمل الذي يوصل إليها، بين الفكرة وتحقيقها بين السياسة وغاياتها ، ونعود إلى حياة الشركات لنرى أنه العامل الاهم الذي سبق ذكره ويركز عليه الممارسون والمستشارون عند دراسة ثقافة الشركات، فالشركات هي أسلوب لتحقيق النتائج،

ويمكن أن نذكر عاملين يسهمان في تشكيل المنطق العملي هما الكفاءة أو القدرة (هل يعرف العاملون ماذا عليهم أن يفعلوا لتحقيق أهداف الشركة؟ وهل يستطيعون القيام بها ؟)، والقيم المهنية (ماهو المسموح وما هو الممنوع ؟ ماهو الصواب وماهو الخطأ ؟)، من أوضح الأمثلة على مدى كفاءة العمل في الشركة هو الفرق بين المخطط والمحقق، أي هل استطاعت الشركة الحصول على الحصة المخططة في السوق وبالربحية المخططة للنتائج وبمستوى رضا الزبائن المرغوب أم لا ، واذكر مثلاً بسيطاً على الأخلاق المهنية هو فيما إذا كانت الشركة تتبع الكذب وتضليل الزبائن في سبيل بيعهم أي هل يسمح بالكذب ؟ ، هل يسمح بالتضليل وما لأمر الذي يعتبر تضليلاً والآخر الذي يعتبر تسويقاً ؟!

 

توجيه الإنسان: أولاً توجيه الثقافة: التقنيات

أما العنصر الرابع فهو الفن التطبيقي الموائم لكل نوع من أنواع المجتمع بلغة بن نبي، أو الصناعة حسب تعبير ابن خلدون، وهي التقنيات Technology في إدارة الأعمال، والتقنيات ليست فقط تقنيات الحواسيب بل يقصد بها العلم والممارسات المتعلقة بكل عمل في الشركة وكمثال عنها نقول تقنيات البيع والتي تضم تقنيات كثيرة منها طرق إقفال الصفقات close deals ، وفي إدارة الموارد البشرية، وعلى سبيل المثال نجد تقنيات اختيار الموظفين

ويرى الكاتب أن يفرد فصلاً للربط بين الذوق الجمالي والمبدأ الأخلاقي، فيرى أن كل مجتمع ينتج ، مهما تكن درجة تطوره، بذوراً أخلاقية نجدها في عرفه وعاداته وتقاليده، أي في ثقافته، والحياة في المجتمع بفنونه وصناعاته تتأثر بالمبدأ الأخلاقي وبالذوق الجمالي

مبدأ أخلاقي + ذوق جمالي = اتجاه حضارة

بعض الحضارات تقدم المبدأ الأخلاقي على الذوق الجمالي والبعض الآخر فالعكس

إن المبادئ الأخلاقية والذوق الجمالي تسهم كثيراً في تحديد اتجاه الثقافة السائدة في الشركة ، وفي تحديد شكل المنتجات الناتجة عن أعمالها.

توجيه الإنسان: ثانياً توجيه العمل

بعد أن تحدثنا على العنصر الأول الذي يسهم في جعل الإنسان مركباً فاعلاً في بناء الحضارة وهو توجيه الثقافة، نأتي إلى توجيه العمل، وأهم ما يفصله الكاتب في هذا الفصل هو الفرق بين العمل من الناحية التربوية ومن الناحية الكسبية، فيقول إن الذي يهمنا في المجتمع الناشئ هو العمل من الناحية التربوية لا الناحية الكسبية (الأجر)، في المجتمع الناشئ تفقد كلمة الأجر معناها، لأن العامل لا علاقة له بصاحب العمل، ولكن بجماعة أو عشيرة يشاطرها بؤسها ونعماها، ويتحدد مايدعى عملاً تربوياً عن طريق الدافع إليه عند صاحبه، فما تدعوه إليه “الدوافع الدينية ” لدى صاحبه وليس الأجر يعد عملاً من الناحية التربوية، فقد يفتقد مجتمع فقير إلى مدارس ويكون العمل في بناء هذه المدارس غير داع إلى الربح بل هو عمل في سبيل تطوير المجتمع ، وكذلك العمل في نشر فكرة لا تؤدي إلى الربح بل إلى تطوير المجتمع هو عمل “تربوي”.

فتوجيه العمل في بدء تكوين المجتمع معناه سير الجهود الجماعية في اتجاه واحد ، لتغيير وضع الإنسان، وخلق بيئته الجديدة، ومنها يشتق العمل معناه الآخر (العمل الكسبي)، وعلى قدر ما يكون في البلاد من حرفيين وفنون وحرف، يتجه وضع الإنسان إلى التحسن ويرفع وضعه في المجتمع.

وكذلك تبدأ الشركات حياتها بأفراد لا يهدفون من وراء عملهم الربح والمكافآت وإنما بناء الشركة وتطويرها، ومتى أصبحت قادرة على الكسب يمكن للمشاركين الاستفادة كل حسب نوع مشاركته من مستثمرين وعاملين ..إلخ، أي علينا أن نزرع فكرة أن العمل يجب أن يكون في البداية من أجل الهدف السام الذي نسعى إليه كشركة “الدافع الديني، الغيبي” وليس لأجل الكسب، وعندما تصبح الشركة قادرة على الكسب، على الجميع أن يكسب لتستمر حياة الشركة، لأنه وحسب دورة الحياة التي ذكرت سابقاً، سيضعف أثر الفكرة المعنوية مع الوقت، ليصبح التنظيم والعقل و”المصالح المتبادلة” أساس الاستمرار.

توجيه الإنسان: ثالثاً توجيه رأس المال

العنصر الثالث في جعل الإنسان أداة فعالة في بناء الحضارة إلى جانب توجيه الثقافة وتوجيه العمل هو توجيه رأس المال، يفرق بن نبي بين نوعين من المال ، فرأس المال هو المال المتحرك ، فهو يتعدى ميدان صاحبه الخاص إلى ميدان أوسع انتشاراً وأعم فائدةً وأما الثروة فهي مكاسب الشخص الغير داخلة في الحركة الاقتصادية، فلابد من تحويل الثروات إلى رأس مال ينشط الفكر والعمل والحياة في البلاد.

وبدهي ان على الشركات أن تعمل بحيث تستثمر أموالها ومواردها بأفضل طريقة ممكنة بحيث تكون ربحية عملياتها أفضل ما يمكن.

العنصر الثاني: التراب (الموارد)

نأتي إلى العنصر الثاني وهو التراب، وهو الموارد المتاحة، يناقش الكاتب أن تطور الموارد يكون بقدر تطور الإنسان الذي يعمل فيها، فيذكر مشكلة امتداد الصحراء في البلاد العربية والكسل والجهل في مواجهتها، وكيف أنها أنقصت من الأراض الصالحة للزراعة وبذلك خسرت هذه البلدان جزءاً من مواردها الهامة، لعجزها عن مواجهة هذا الخطر، ويقارن ذلك  مع فعل الفرنسيون في 1850 م لمعالجة مشكلة امتداد الرمل في الشواطئ وكيف حدوا من أن تقضي الشواطئ الرملية على الأراض الزراعية.

وغني عن القول، أن عائدية استثمار الموارد المالية والتقنية في الشركة، يزداد كلما كانت الموارد البشرية أكثر تطوراً وحكمة، وكمثال بسيط أذكر أن الاستثمار في الطاقة المتجددة في الإنارة وتشغيل الأجهزة والتدفئة يمكن أن يعود على الشركة بوفر جيد يمكن توظيفه في أمر آخر،

وهناك أمر جدير بالذكر هو السؤال الذي يشغل المستثمرين والمدراء في الشركات، وهو حجم الاستثمار اللازم والتكاليف اللازمة لتحقيق هدف ما، وهل انقاص هذا الكم سيعود بالفائدة نفسها وسيحقق الهدف المرغوب ، إن الجواب على هذا السؤال يتوقف على تحديد الهدف المطلوب بدقة من الناحية المادية والمالية أي العوائد الملموسة ومن الناحية المعنوية أي العوائد الغير ملموسة، والعمل ثن تقييم النتاائج وبذلك يتطلب ممارسة وقياساً تتراكم لتشكل خبرة الشركة، وتاريخها وحضارتها.

العنصر الثالث: الوقت

نأتي إلى العنصر الثالث في بناء الحضارة، وهو الوقت، وللوقت أهمية جوهرية فبدنوه لايمكن أن يحدث أي فعل، وهو الذي يتيح للإنسان الفاعل (الموارد البشرية) استثمار الموارد المتاحة في بناء الحضارة.

إن إدارك الوقت المطلوب لأداء العمل يتطلب حكمة وخبرة، فمرحلة تطور الإنسان ونوع وكمية الموارد المتاحة تشكل عاملاً مهماً في تحديد الزمن المطلوب لانجاز عمل معين، وهكذا يمكننا أن نضع الأهداف ونعمل على تحققها بأقل درجة من الانحراف، ومع الممارسة المستمرة واليقظة لمعرفة الوقت تتراكم الخبرة المطلوبة في الشركة، وبذلك تتكون “حضارة الشركة”

خاتمة

 

وباعتبار حضارة شركة ببساطة هي الخدمات والمنتجات المربحة التي تقدمها وطريقة تقديمها من قرارات وسياسات وعمليات، وهذه الحضارة هي نتاج الإنسان والموارد والوقت.

ومن أجل انتاج هذا الناتج لابد من مركب الحضارة  ”الفكرة الدينية” أو المعنوية أي رسالة الشركة، الهدف السام الذي يشحذ الههم ويدفع بالإنسان إلى العمل موظفاً الموارد الازمة في المدة اللازمة والوقت المناسب، وإن انتاج الناتج الحضاري المرغوب يتطلب ممارسة وقياساً ومبادرة دائمة لاستكشاف أفضل الطرق واكثرها فعالية وكفاءة .

إن العمل على بناء شركات قوية يمثل إلهاماً للمجتمع ليصنع مؤسسات قوية حكومية وغير حكومية وبالتالي مجتمعاًُ قوياً، حيث ستمثل حاضنة تصنع الإنسان الفاعل المتطلع إلى الحياة الكريمة.

[i] HR From The Heart, Libby Sartain, 2003

[ii] The Uncompromising Leader, Russell A. Eisenstat and others, HBR July 2008

Advertisements