أزمة الحداثة والعقيدة الإسلامية والعلم الحديث: محاولة لدراسة العلاقة بين العالم المادي والعالم الروحي

Image result for modernity

أزمة الحداثة 

يعيش كثير من السوريين، وربما كثير من الذين شهدوا على هذه الحرب المروعة، أزمة حداثة تشبه تلك التي عاشها الناس بعد الحروب العالمية، والتي أدت إلى صعود نظام العقيدة الذي يقدمه العلم الحديث بين الناس، ولكن الاختلاف هنا، أن ذلك لم يسبقه مرحلة “تنوير” تقيم للعلم والعقل والبحث مكانة عالية وتنشرهذه الثقافة بين الناس، ما يحدث في سوريا هو أزمة الإيمان المعتمد على أن لهذا الكون رباً لا يفعل بالناس إلا الخير، فما عاد من الممكن القول ” الشام الله حاميها” فلم يبق حجر على حجر في بعض المدن والقرى، لقد بات الناس في حيرة من أمرهم، ماذا فعلنا ليحل بنا ما حل يتساؤل بعضهم، “هل أغضبنا الله وعبده كل أهل الأرض الآخرين الذين يعيشون في رغد من العيش ونعيش في أضنكه – ولو مادياً”، وكثير منهم وصلوا إلى نتيجة مفادها “لنفعل ما يصلح حياتنا المادية فلا حياة أخروية ولا رب يلقي بالاً لأمرنا.”

هذا المقال

يناقش هذا المقال غاية خلق الله تعالى للكون، وأن خلقه غائي ولكنه يسير وفق قوانين وسنن يجب دراستها وفهمها، وأن الدعاء والإيمان بالملائكة والجن هي أمور عرفها المسلمون بالإخبار عنها في القرآن الكريم الذي هو كلام الله خالق الكون ومصدره، و يوضح العلاقة بين فهم العالم المادي المحسوس وبين عيش العالم الروحاني  من جهة، و تنظيم الحياة وفق قيم دينية من أمثلتها طريقة توزيع الإرث في الإسلام، وأخيراً يناقش المقال فكرة العدمية والتي تنكر أي مصدر روحاني خارج هذا الكون للإنسان وكيف أن ذلك ينعكس بحياة أقل سعادة – وأكثر واقعية حسب العدميين – ولكنها تؤدي إلى أن تصبح الأخلاق أكثر نسبية، وينتهي المقال بجملة تلخص المضمون أن العالم الروحي مفتاحة البحث العلمي والتجريب والعالم الروحاني مفتاحه الإيمان والعبادة، ولنعيش العالمين علينا أن نطلق قلوبنا وعقولنا وأرواحنا بحرية.

غائية الكون 

غالباً ما يوحي الإيمان التقليدي “ما حدا بيموت من الجوع” أن الله سيطعم الناس ويسقيهم، ولكن الحقيقة أن هناك أناساً يموتون من الجوع والبرد، حدث ذلك في سوريا وفي غيرها من الأماكن، إلى جانب إيمان الناس أن الخير سينتصر في النهاية، وأن الحق قوي لابد سائد، ولكن ما حدث – ويحدث كل يوم – أن كثيراً من الحقوق ضاعت وربما ستضيع إلى غير رجعة، فماذا ينتظر أصحاب الحقوق؟ 

ولكن الله سبحانه لم يخلق هذه الدنيا ليعيش الناس سعداء وفي رفاه بل ليبلوهم أيهم أحسن عملا كما في قول الله تعالى في سورة الملك في القرآن الكريم – هذا ما يؤمن به المسلمون – 

تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (سورة الملك، الآية 1 – 2)

كما أن أمر المؤمن كله خير، إن أصابه شر صبر وإن أصابه خير شكر كما أخبرنا محمد رسول الله، فالخير والشر في هذه الكون صنوان، تسير الأمور فيه وفق قواعد وسنن لاختبار الإنسان،

فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ (23) (سورة الفجر)

كما أن فهم السنن – التي يتم إعمالها في الكون لاختبار الإنسان – في القرآن ليس أمراً بسيطاً، فهناك هلاك الكافرين وهناك استدراجهم، وهناك سنة الترف الذي يؤدي إلى الهلاك وغيرها من السنن الاجتماعية التي يمكن أن نجد لها أيضاً بعض المنعكسات في العلوم الاجتماعية والنفسية، وليس ذلك تصديقاً لها ولكن لتوضيح أن دراستها يمكن أن تكون من جنس الأبحاث التي يعالجها العلم الحديث،

قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴿137) سورة آل عمران

إن عدم الإكتراث للغائية ساهم في تطور العلم الحديث وهو يفيد في فهم أفضل للعلوم الاجتماعية وتركيز الجهود حيث تكون ذات نفع أكبر، لأنه من الصعب – إن لم يكن من المستحيل- بالبحث العلمي والتجريب معرفة غاية كل حدث يحدث للناس وإنما يمكن فهم أسبابه وشروطه ومآلاته وليس غايته.

ومن هنا فهذا الكون ليس كوناً بلا غاية ولا هدف ولكن أفعاله ليست غائية، ليست غايتها خير البشر ورفاههم، أو عقابهم أو تكريمهم، بل غاية الكون اختبار البشر، إن هذا الكون الذي ندركه بحواسنا ونفهمه بالببحث والتجريب ليس روحانياً أو قيمياً بذاته، بل هو كما يقول وايتهد و أوافقه في هذا ” مجرد حركة للمواد” ولكن ليس “بلا نهاية ولاهدف” كما يقول (المصدر في نهاية المقال)، إن أصل خلقه غائي ولكن حركة أجزائه ليست غائية بل تسير وفق قوانيين وسنن.

العالم المادي و العالم الروحاني 

يبين العلم الحديث أن الإنسان يعيش في إطار مادي “يؤثر” على قراراته بشكل فعلي، وأن تغيير ظروفه المادية قد يغير قراراته، ولكنه لا يحددها بشكل حتمي، فلكل فعل أو خيار احتمال، وينتج عن تفاعلها وتلاحقها سلسلة طويلة من التطورات تؤثر عليها مؤثرات هيكلية وخارجية ، كان من الممكن أن تنتج ملايين غيرها ببعض الاختلاف في الاحتمالات وفي الخيارات – ميكانيكا الكم، والدعاء – أمر مطلوب في الإسلام و مذكور في أكثر من موضع في القرآن فلا يمكن إنكاره-  يزيد من احتمالات بعض الأمور ولكننا لا نعرف صفة التأثير الدقيقة، وكذلك هو الأمر بالنسبة للملائكة والجن والسحر وهي عوالم غير مادية ولكنها موجودة – حسب المعتقد الديني للمسلمين، عرفوها بالإخبار – ولا نعرف طريقة تفاعلها مع عالمنا المحسوس المادي، ويؤمن المسلمون بقدرة الله المطلقة، ولكن  ذلك لا ينفي حدوث السنن فيهم، إن الإيمان بعدل الله وأن كل هذه المؤثرات، مادية أم غير مادية، مأخوذة بعين الاعتبار عندما يحاسب الإنسان في الآخرة، وأن ما سيحاسب عليه هو الجزء المتعلق بإرادته الحرة فالله تعالى قد ” هداه النجدين” كما في سورة البينة، إن ذلك يعطي الإنسان سكينة وروحانية بالرغم من كل الاكتشافات المتعلقة بالسنن الكونية الاجتماعية والطبيعية وكل الكوارث التي تصيب المؤمن.

لم يخلق الله عز وجل هذا الكون ولا يديره لخدمة الإنسان ورفاهه ولكن لاختباره، إلا أن المؤمن يريد خير الدنيا والآخرة، فيقول الله تعالى في القرآن على لسان المؤمنين “وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)” (سورة البقرة)، وبذلك ينظّم المؤمنون من معتنقي الإسلام حياتهم الدنيوية وفق السنن والأسباب داعين الله أن يوفق اختياراتهم، ووفق القيم المنصوص عنها في القرآن والسنة ليفوزوا بالآخرة، فلسيت هذه القيم خيّرية بذاتها، أو تجلب الخير والرفاه، بل هي جزء من نظام قيمي يأمر الله به عز وجل، ليس عليهم أن يدعوا الله ويتوكلوا عليه فحسب بل أن يأخذوا بكل الأسباب، ففي حديث رسول الله للأعرابي يركن ناقته “اعقلها وتوكل” ، وهناك يمكن أن يُطرح سؤال ولكن هل يمكن أن تضيع الناقة لسبب ما؟ نعم يمكن هذا بكل تأكيد ولكن الأمر ليس مهماً، المهم هو كيف سيتصرف المؤمن أمام هذا الحدث بالصبر فيثاب أم بالكفر فيعاقب في الآخرة وهذا هو الأمر الجوهري في العقيدة الإسلامية.

اختيار النظام القيمي  

ولتوضيح ماذا أقصد بالنظام القيمي، وعلى سبيل المثال، فمالفرق بين أن تكون قسمة الميراث بين الأخوة والأخوات للذكر مثل حظ الأنثيين، أو تكون لهم حصص متساوية؟ الفرق أن حصولهم على حصص متساوية سيزيد من فرصهم في الحصول على ذات الامتيازات في الحياة والرفاه، ولكن ذلك ليس حتمياً. حيث أن تساوي المرأة والرجل في الحقوق والواجبات أمام المجتمع قد يخلف انحيازاً سلبياً ضد المرأة، خصوصاً في المجتمعات القائمة على القوة البدنية والعلاقات لكسب العيش وفيها مخاطر كثيرة، وكذلك في مجتمع يضع مسؤولية الأسرة على عاتق المرأة ولايلزم الرجال أو الدولة بنفقة الأمهات، إن ذلك سينعكس في حياة أقل رفاهاً للنساء، ولكن ماذا إن كان المجتمع أقل ذكورية وكانت هناك سياسات لتقاسم عبء تنشئة الأطفال على الرجل والمرأة و لإعالة المرأة الوحيدة، هل تبدأ المجتمعات بنظام “الرعاية” كما يدعونه ثم إلى “المساواة الكاملة” بما يحقق الرفاه، وهل ينظم الناس مجتمعاتهم في هذه الأمور وفق القيم أم وفق المنافع الاجتماعية، بدون ضرب الكثير من الأمثلة من مجتمعات في مراحل مختلفة من التطور، نجد أن اختيار أي من القسمتين، في كثير من الأحيان، قائم على نظام قيمي أكثر من كونه مبنياً على منافع اجتماعية أكيدة، سيختار كثير من المؤمنين بالإسلام النظام القيمي الذي يمليه عليهم إسلامهم طمعاً في الآخرة ولو وجدوا مصلحة في غيره، حيث يذكر القرأن هذا صراحة في سورة النساء 

 يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11) سورة النساء

يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ۚ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176) سورة النساء

إن اختيار النظام القيمي له علاقة بكيف ينظر الناس إلى مصدر الكون وخالقه، والقرآن يناقش فكرة العدمية والتي نجدها في كثير من الأوساط الشعبية والنخبوية في الغرب، ونجدها قد بدأت بالتسرب إلى الناس في مجتمعاتنا، ولا أدل على ذلك من شهرة ستيفن هوكينغ واهتمام كثير من الناس بوفاته مؤخراً، فهو يؤمن بعدمية الكون وانعدام أي مصدر روحي له وقد كان مصاباً بأمراض مقعدة تهدد حياته، مع عدم إنكار مكانته العلمية والتي لا قبل لي بتقييمها. إن  العدمية وعلاقتها بالقيم بالنسبة لي تتلخص في قول سارتر أن الإنسان يجب أن لا ينتظر عوناً من أحد، فلا يوجد أي شيء روحاني خارج هذا الكون، وأن الإنسان يعيش وحيداً ، وأن قيم الإنسان لابد أن تكون من صنعه (المصدر ذاته)، ولكن هذا الكون له خالق ولم يصنع عبثاً وإنما لغاية يفهمها المؤمنون فقط، نجدها في قول الله تعالى على لسان المؤمنين العابدين 

الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) سورة آل عمران

هل على الإنسان أن يتبع نظاماً قيمياً ربانياً أم نظاماً من صنعه؟ يقول والتر ستيس (ذات المصدر) أن على الإنسان أن يطور لنفسه نظاماً قيمياً بعد أن يواجه حقيقة هذا الكون المادي، وأن الخير والصدق والإحسان قيم مدنية، مفيدة للمجتمع ورفاهه لو اعتنقها الجميع، فإذا فعل الإنسان ذلك عاش حياة هادئة مستقيمة ليس سعيدة ولكن راضية، ربما يستمتع فيها بالمعجزات الصغيرة، ولكن هذا الكلام ينطبق على المثقفين المنضبطين، ولكن ماذا إذا قاد الاعتقاد بالعدمية الإنسان للإيمان أنه لا خير ولا شر وكل شيء نسبي ولا ثواب ولا عقاب و لا معنى لأي شيئ، عندها يمكن أن يتجه إلى ما يحقق له رغباته من مال وجاه وغيرهما بمعزل عن خير الناس الآخرين، عندها يكون قد سقط في أسفل سافلين، فتسود القيم المادية الأنانية، ويهلك الناس، 

وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8) سورة التين

إن أكثر ما يثير الروحانيات في قلوب المسلمين هو قرائتهم للقرآن، فهل هناك أكبر وأجل من أن يسمع المؤمن خالق الكون ومصدر كل شيء يحدثه و يطمئنه ويرشده، ولكن الحياة ليست سهلة ويصعب فهمها وهي مؤلمة في كثير من الأحيان وتبعث على التشويش.

كلمة أخيرة 

حاولت في هذه التدوينة استعراض طريقة من طرق إيمان المؤمنين من المسلمين مع اعتقادهم بالعلم الحديث ومع اختبارهم لأزمة الحداثة وفق ما تبين لي، محاولة إعادة توضيح العلاقة ولكني لم أدخل في كيف آمن هؤلاء الناس بدايةً، ولعلها قفزة في المجهول لا يقدر عليها العقل لوحده، بل لابد للقلب أيضاً أن يعي هذا الكون من حوله، وأخيراً أعتقد أن مفتاح العالم المادي هو البحث العلمي والعمل التجريبي ومفتاح العالم الروحي هو الإيمان والعبادة.

 

المصدر:

الإنسان في مواجهة الظلام – غياب الروحانيات عن العالم الحديث – والتر ستيس  1947

Advertisements

بين المحلي والعالمي: نسيج إنساني واحد

في هذه الخاطرة، إضاءة على النسيج الإنساني الواحد الذي يجمعنا نحن البشر، إننا نعيش أفراداً، نبني علاقات، ونبني مجتمعات محلية، ويمكن أن نتواصل على مستويات أخرى لنكون فضاءات أوسع، إذا كان مفهوم “المحلية” هو البذرة ، فإن مفهوم “العالمية” هي الحقل الممتد الذي تتسع أطرافه لتشمل كل البذور الحية والنباتات اليانعة، فإذا كان لب الحياة في تقوية مجتمعاتنا المحلية فإن الحياة الرغيدة تكمن في تواصلنا كأفراد ومجتمعات وثقافات لنبني قيماً تجمعنا وحياة ذات معنى.

بدأت هذه الأفكار تتبلور لدي عندما بدأت بحضور جلسات أسبوعية تضم مجموعة متنوعة من الشباب والشابات معظمهم يسكنون ويعيشون في أوربا، بعضهم أبناء تلك البلاد وبعضهم مهاجرون أو لاجئون أتوا إليها من آسيا وإفريقيا وأمريكا، نتبادل وجهات النظر في برنامج من إعداد وتصميم منظمة تدعى “منظمة تبادل وجهات النظر” وبالإنجليزية  Sharing Perspective Foundation من أجل دراسة القضايا المتعلقة باللجوء والهجرة، إنها تجربة رائعة أن أشعر بالقرب من أناس يختلفون عني في كثير من الأشياء ولكننا ومع ذلك نشعر أن هناك الكثير مما يجمعنا.

من الأمور التي برزت أثناء تبادل وجهات النظر هو الفهم الجديد للشباب للتاريخ المحلي والعالمي وترابطهما، وكيف تم إعادة كتابة التاريخ في كثير من دول العالم ليدعم أيديولوجيات الدول القومية وطريقتها في النظر إلى الأمور، لقد ذكر أصدقائي من إسبانيا كيف أن مصطلح “الغزو العربي” ليس مصطلحاً دقيقاً وأن استيطان العرب لشبه الجزيرة الايبيرية (إسبانيا والبرتغال اليوم) لحوالي 800 عام لم يكن احتلالاً، وأن الثقافة الاسبانية اليوم هي مزيج لتلك الحقبة مع مكونات أخرى، وهم يعتبرونها جزءاً من تكوينهم الثقافي فهي تجعلهم جزءاً من محيطهم الثقافي والجغرافي وأن هذه هي طريقة أكثر صحة لفهم العالم، إن هذا مثال على أن العالم اليوم لم يعد محصوراً ضمن الدول القومية وأن الناس بدأت ترى الأمور بطريقة أخرى أكثر عالمية، إننا نحن البشر نعيش تجربة إنسانية اجتماعية لها ماض وحاضر ومستقبل، تُنوعها الظروف والشروط والجغرافيا وكثير من الأمور التي ترسم مسارها وتحدد طريقة تطورها المستقبلية في مكان ما  وفي زمان ما، بقدر ما نحتفل بتنوعنا بقدر ما ندرك أننا متشابهون وأنه يمكننا أن نتعاطف ونفهم أكثر لو تواصلنا وتعرفنا على بعضنا.

نعم إن خلق فرص للتواصل العالمي والمحلي هو أمر في غاية الأهمية، أكاد أجزم أنه الأمر الأكثر أهمية لبناء المجتمعات الإنسانية المتمدنة، إن ذلك يتطلب خلق “مجال عام” يتعرف فيه الناس على بعضهم، يشحذون قيمهم، يبنون فضائهم وفضائلهم المدينة، ويحلمون معاً بالمجتمع الجيد الذين يريدون العيش فيه، إن عالمنا ليس إلا العلاقات التي نبنيها مع من حولنا، وإذا بدأنا بإعطاء الفرصة للناس على اختلاف طبقاتهم وثقافاتهم وتوجهاتهم للتعارف وتبادل وجهات النظر وعمل مشاريع معاً في إطار خاص و إطار عام ، عندها —ربما- يمكننا أن نحلم بمستقبل أفضل، ليس فقط على المستوى المحلي وإنما المناطقي والوطني والعالمي.

هنا يبرز الدور الذي تلعبه الحدود بين الدول، جوازات السفر، تأشيرات الدخول وغيرها من الأمور التي يستخدمها السياسيون – بشكل عام-  ليبقوا الناس في أفقهم الضيق وفي مصالحهم الخاصة، إن تلك الأشياء المادية ليس فقط هي ما يفرقنا، إن ما يفرقنا أيضا نظرتنا لأنفسنا، “هم” و “نحن” أيا كانت المجموعة وأيا كان الاختلاف، إنها حدود في عقولنا، تلك التي تصنعها المجتمعات والنخب لتحافظ على الحالة الراهنة وبذلك تتزايد الاختلافات بين الناس من أديان مختلفة، بين الأغنياء والفقراء وبين المهاجرين والمضيفين وبين الناس من دول أو مناطق شتى في نفس الدولة أحياناً.

إن التكامل والتمازج بين المحلية والعالمية هي سمة عصرنا، وبقدر ما استطاع الأجداد بناء مجتمعاتهم في أثنا وفي المدينة المنورة، بقدر ما يبدو أننا نبتعد عن بناء المجال العام الذي يسعنا جميعاً والذين يمكن لنا أن نشعر فيه بإنسانيتنا وقيمتنا كبشر أفراداً وجماعات.

 

5 ركائز أساسية لريادة الأعمال

عدت مؤخراً من رحلة “سياحية” في لبنان، أثناء قيادة السيارة كان يشغلني سؤال مفاده “كيف يتمكن بعض الأشخاص من تأسيس أعمالهم ويفشل أشخاص آخرون؟”.

في لبنان يبدو الفرق واضحاً بين أن يكون المرء رائد عمل وبين أن يكون موظف عادي بأجر، حيث يعيش العاملون – عدا قلة قليلة – ورواد الأعمال الصاعدين ظروفاً صعبة في مقابل عدد محدود من أصحاب الأعمال الناجحة الذين يستطيعون التغلب على صعوبات الحياة وغلاء الأسعار،

أما خلاصة أفكاري فهي أن ريادة الأعمال تقوم على هذه العوامل التالية:

  1. الفرصة: أن يكون لرائد العمل مال أو علاقات أو جهد بمهارة أو قدرة أو كل هذه الأمور ليستطيع استثمارها وخلق نافذة الفرصة والاستثمار في تحقيق فكرة.
  2. التوقيت: في عالمنا اليوم الكثير من المصاعب التي تواجه رواد الأعمال، المنافسون يزدادون ثراءاً و حكنة و إبداعاً، قد يفشل رائد العمل في استثمار الفرصة المتاحة له قبل أن يحقق المعادلة المناسبة لبدء إعادة رأس المال وتحقيق الأرباح، تتمثل المعادلة في منتجات مناسبة لزبائن راغبين بأسعار مناسبة وكلف موافقة وبحيث يستطيع البيع بالسرعة المناسبة له قبل أن ينفذ المال أو تتلاشى مجموعة العوامل التي تمكنه من  الاستمرار حتى يحقق أول أرضيه تمكنه من أن يقلل بعض المخاطر ويسرع من تحقيق المعادلة.
  3. الصبر: تتطلب ريادة الأعمال التضحية بالمال والجهد والصبر على ذلك خصوصاً في بداية العمل من أجل ثمرات في المستقبل.
  4. الإيمان والمجازفة: لايمكن أن يستثمر المرء جهده أو ماله أو كليهما دون أن يكون لديه القدرة على المخاطرة والإيمان أن هذه الجهود ستثمر في أرباح في المستقبل المنظور.
  5. الحركة والمرونة: كما يقول المثل الحركة بركة، لأن الأشياء لا تحدث من تلقاء نفسها أبداً، إنما تحتاج إلى تخطيط وتنفيذ وبناء علاقات وإنجاز معاملات، وتحفيز مجموعة كبيرة من الأفراد للعمل معاً من أجل تحقيق هدف واحد بدءاً بالشركاء والموردين والعاملين والمقاولين والموظفين والزبائن وحتى موظفي الدولة ذوي العلاقة، وإيجاد علاقات الود والمصالح من أجل تحقيق الأهداف وتشغيل الجهد والمال تجاه تحقيق الأرباح.

يذكر حسن جنيدية تقرير The Statistics Research Institute أن نسبة فشل المنظمات والمشاريع الناشئة نسبة كبيرة تصل إلى %92، وأن معظم هذا الفشل يحدث في أول 3 سنوات وبالذات في السنة الثانية والثالثة.

ثم يذكر أهم 14 سبب تؤدي لفشل المشاريع الناشئة هي كالتالي مرتبة من الأعلى نسبة إلى الأدنى، حسب مقالة The Top 20 Reasons Startups Fail

1- لا توجد حاجة في السوق (المنتج أو الخدمة لا حاجة أو رغبة فيها في السوق)
2- نفاد النقود من الممولين أو الشركاء (الفرصة التي تحدثت عنها)
3- الفريق غير المناسب (القدرات التي لدى رائد العمل غير ملائمة)
4- تفوق المنافسين
5- سوء التسعير أو تقدير التكلفة (يؤدي ذلك إلى عدم تحقيق هوامش أرباح تغطي التكاليف كلها)
6- المنتج السيء (الزبائن ربما يشترون بالصدفة ولكن لن يشتروا مرة أخرى وسيخبروا الآخرين)
7- سوء التسويق (البيع لا يتم بالسرعة المناسبة)
8- إهمال الزبائن (لا يتم الاحتفاظ بالزبائن ولا تتم خدمتهم بالسرعة الكافية)
9- عدم التركيز
10- عدم الإنسجام بين الشركاء
11-ضعف الشغف أو العلم لدى الموؤسسين
12- تحديات قانونية
13- عدم الاستشارة أو استعمال العلاقات (يؤدي إلى الوقوع في مطبات كان من الممكن تفاديها)
14- التأخر في تطوير منتجات جديدة للمؤسسة (عدم استخدام الفرصة المتاحة بالشكل الأمثل)

كل الأسباب مجتمعة تؤدي إلى نسبة الفشل العالية للشركات الناشئة، تتفاوت نسب المخاطر بين الأسواق الناشئة والاسواق المتقدمة، وبين الشركات الناشئة ذات المنتجات والخدمات أو نماذج الأعمال الجديدة وبين الأعمال الصغيرة أو الصناعات التقليدية، ولكن تبدو الركائز سابقة الذكر مهمة وتختلف نسب أهمية كل منها بتنوع الصناعات والأسواق وظروف رواد الأعمال الشخصية والفرص المتاحة لكل منهم.

هذه المقالة محاولة لفهم الركائز الأساسية لبدء الأعمال والنجاح فيها، ربما تبعث في القارئ الحماس أو الإحباط، لكن كل ما آمله تضيف فهماً إضافياً للموضوع!

المجيبات الذكية والدردشة الروبوتية

تتطور روبوتات الدردشة، ما يعرف بـ  Chatbots اليوم بتسارع كبير، لتفهم لغة أو أكثر وتتفاعل مع الإنسان بذكاء يلفت الأنظار، حتى أن هذه التطبيقات حلت محل المحامين والمعالجين النفسيين في بعض الأحيان. كما أخذت موقعها بقوة في خدمة الزبائن لتعمل كمجيبات ذكية على منصات متعددة مثل الهواتف وأجهزة المحمول، آلات التسوق، وأيضا على صفحات التواصل الاجتماعي ومواقع الانترنت وغيرها.

كتبت مقالة عن فائدة روبوتات الدردشة وأمثلة عنها في العمل المجتمعي وكيف يمكن أن نصنع روبوت الدردشة الخاص بنا على موقع مزن لتقنية العمل الخيري على هذا الرابط.

وفي حال عدم توفر المقالة يمكنكم قرائتها على الرابط هنا في Google Drive.

 

 

الوظائف في سوق العمل

قدمت اليوم ورشة عمل بعنوان “الوظائف في سوق العمل”، ضمن فعاليات شهر الموارد البشرية، وهي فعالية سنوية تنظمها جمعية إدارة الموارد البشرية بالتعاون مع الأمانة السورية للتنمية، ضمت الوشة عدداً من الشباب والشابات الطموحين.

تهدف الورشة إلى تعريف الطلاب والخريجين الجدد ومن هم في منتصف مسيرتهم المهنية بالوظائف في سوق العمل، بحيث يصبح لديهم إدراك أوسع للوظائف وأين يمكن أن يجدوها وكيف يمكن أن يحصلوا على معلومات عنها بأنفسهم وكيف يمكن أن يقدموا أنفسهم للشركات وأن ينظموا أعمالهم عند تأسيس منظماتهم جديدة من أعمال ربحية وغير ربحية.

 

ماذا عن إنترنت الأشياء؟ تطبيقات وممارسات

تتصدر إنترنت الأشياء (Internet of Things) أو اختصاراً IoT الرؤى الآفاقية لدور التكنولوجيا الرقمية في حياتنا المستقبلية والثورة الصناعية القادمة، ولكننا غالباً ما نشعر في المؤسسات الخيرية التي غالباً ما تكون خدمية وحتى عندما تكون صناعية أو زراعية أن الأمر لا يعنينا، فهل هذا دقيق؟

يتناول مقال تطبيقات عملية لانترنت الأشياء في حياتنا اليومية وفي الأعمال الخيرية والذي نشرته في موقع مزن لتقنية العمل الخيري أفكارً لتطبيقات عملية لإنترنت الأشياء في منظماتنا وشركاتنا، ويعرض البنية الأساسية لإنترنت الأشياء التي تمكننا من فهم أنظمة إنترنت الأشياء وكيف يمكن الاستفادة منها في المنظمات والشركات، ويبين وضع إنترنت الأشياء في عالمنا العربي، والتحديات والالتزامات التي تضعها انترنت الأشياء أمامنا.

أما مقال أفضل الممارسات في تخطيط وتنفيذ مشاريع انترنت الأشياء فيشرح أفضل الممارسات في تخطيط وتنفيذ أنظمة انترنت الأشياء، وكيف أنه يتألف من 5 طبقات حسب الوظائف وحسب الموردين، ثم يتعرض للمراحل الخمس التي يجب أن يتم تنفيذ المشروع من خلالها، حيث نجد أنه ومن خلال تتبع هذه المراحل نجد أنها لا تعتمد على نماذج التخطيط الكامل ثم التنفيذ وإنما تُعد مرحلة بناء النموذج المصغر أساسية وتعتمد على تقنيات التطوير المرن المتعاقب Iterative Agile Development، وفي النهاية يتطرق المقال إلى المشاكل التي تعترض المؤسسات التي تخطط لتنفيذ أنظمة انترنت الأشياء وأهمية العمل ضمن شراكات ذات خبرة وبفرق كفء ونشيط من المهندسين.

إذا كان لديكم ملاحظات عن المقالين السابقين، أتمنى أن تكتبوها هنا أو ترسلوها لي مشكورين.

أفضل الطرق لاختيار وتفعيل نظام إدارة علاقات المتبرعين إدارياً وتقنياً

المنظمات الخيرية ككل المؤسسات تبدأ صغيرة بعدد قليل من المتبرعين، وما تلبث أن تكبر ويزداد عدد المتبرعين وأيضا حجم المشاريع الخيرية. يستخدم العاملون في المؤسسات الصغيرة جداول البيانات (إكسل) لتخزين المعلومات عن المتبرعين وما إن يصل عددهم إلى 200 أو 300 متبرع حتى يصبح صعباً، وأحياناً مستحيلاً، الاحتفاظ بجميع المعلومات عنهم وبيانات التواصل معهم في ملفات إكسل. عندها تبدأ هذه المؤسسات بالتفكير جدياً في استخدام قاعدة بيانات مثل قاعدة Access أو MySQL أو غيرها للاحتفاط بكل هذه التفاصيل، أو استخدام أنظمة إدارة المتبرعين مفتوحة المصدر (مجانية نوعاً ما) أو المدفوعة (خدمة شهرية أو رخصة دائمة). ولكن هناك أمور إدارية وتقينة هامة لابد من الانتباه إليها عند الشروع في هذه المرحلة وهذا ما سيعرضه هذا المقال.

ذكرت في مقال سابق تصوراً عاماً لنظام إدارة علاقات المتبرعين مضافاً إليهم الداعمين والمتطوعين، يركز هذا المقال على الأنظمة الخاصة بإدارة علاقات المتبرعين بأموال أو أغراض أو خدمات عينية، ولو أنها يمكن تخصيصها من حيث المبدأ لتشمل نواح أخرى. ويعرف هذا المقال بشكل واضح عملية جمع التبرعات كعمل احترافي ويشير إلى الأمور التي يجب على فريق جمع التبرعات الاهتمام بها عند اختيار وتفعيل أنظمة إدارة علاقات المتبرعين، التي تشكل رديفاً ومسانداً لجميع أنشطة جمع التبرعات، ثم يستعرض جوانب تقييم هذه الأنظمة من النواحي التقنية، ويركز على أن إدارة قاعدة البيانات هو عمل يحتاج إلى تعاون وتواصل ممتاز بين أعضاء الفريق ذوي الكفاءات التقنية والإدارية.

لطفاً اقرأ تتمة المقالة هنا على موقع مزن:

https://www.mozn.ws/12749

 

المجتمع وإدارة الأعمال