“اليوم العالمي للفتيات” والعمل وحقوق الإنسان

في “اليوم العالمي للفتيات” نتذكر الظلم الذي تعيشه الفتيات والنساء، وأنهن قادة المجتمع في المستقبل سواءً في الإطار الخاص – العائلة- أو الإطار العام – المؤسسات والأعمال – فهل علينا أن نشجعهن على تكريس وقتهن للعائلة أم للعمل وأي الحالتين أنفع للمجتمع، ومالطريق الذي يمكن نسير فيه لمعالجة هذه الأمور في سبيل حياة أفضل للنساء والفتيات وجميع أفراد المجتمع …

international-womens-day-facebook-filter-03

مرة أخرى أجد نفسي مندفعة للكتابة في دور المجتمع في تشجيع الفتيات على العمل في الإطار العام الربحي او غير الربحي و على تولي مراكز قيادية في هذه الأعمال، وماتأثير ذلك على المجتمع إيجاباً كان أم سلباً، ومما لا شك فيه أن فتيات اليوم هن قادة المجتمع في المستقبل سواءٍ في الإطار الخاص والعائلة أو في الإطار العام في المؤسسات المدنية والأهلية وفي الأعمال.

ويصادف أن يكون البارحة – 12 تشرين الأول – اليوم العالمي للفتيات، ليذكرنا الأصدقاء بوقوفهم مع الفتيات على صورهم في الفيس بوك، ولأتذكر أن كثيراً من الفتيات والنساء تتعرض يومياً للظلم في المنزل من الأخ او الأب أو الزوج أو الابن فلا تحسن معامتلهن ولا يعاملن بانصاف، وفي كثير من الأحيان لاتملك تلك الفتيات والنسوة الوسيلة أو القدرة لرفع الظلم عنهن وإيجاد طرق أكثر عدالة للعيش، وفي المقابل تتعرض كثير من النساء للظلم في العمل حيث توكل إليهن أعمال مملة أو هامشية ولا يتم الاعتناء بتطوير قدراتهن إن لم يتم إذاؤهن وقد لا تستطعن دفع الظلم عنهن لأسباب كثيرة تتعلق بالحاجة أو قلة المهارات أو قلة الأفكار أو الفرص، وتفتقر كثير من الأماكن أشخاصاً يؤمنون بكرامة المرأة وأهمية تقوية قدراتها و بحقوقها في العيش الجيد والممتع تماماً كأي إنسان، إن حقوقها كحقوق أي إنسان رجلاً كان أم امرأة، إلا أنها وفي كثير من الأحيان تكون في الموقع الأضعف وتتعرض للظلم، وفي بعض الأماكن قد تمارس الظلم ضد الرجال والنساء الأخريات!

نعم سيكون من الجيد أن تشجع الفتيات لبناء كفاءتهن وتولي مراكز قيادية فيمكن أن يكن الأقدر على فهم معاناة النساء في العمل وواجباتهن في المنزل، فيعملن على تحسين السياسات لتتمكن النساء من الموائمة بين عملهن وعائلاتهن وسيكون لهن دور في تحسين الصورة النمطية عن النساء في العمل عن كونهن أقل كفاءة من الرجال وأقل قدرة على النجاح في الأعمال الصعبة، مما يزيد فرصة النساء في الترقية والحصول على مزيد من السلطات والعلاوات، وربما على جعل العالم أكثر قدرة على استيعاب نساء يعبرن عن طاقاتهن بأفضل صورة، إلا أن هذا الدور لا يقتصر على نساء قادة وإنما على رجال قادة يؤمنون أن على الجميع رجالاً ونساءً أن يحصولوا على حقوقهم الأولية في الاختيار والعيش الجيد وفي الفرصة العادلة للنمو والتميز.

وتستوقفني هنا الرسالة التي كتبت عنها شيريل ساندبيرغ وهي مدير العمليات الأول في فيس بوك، وكاتبة ومتحدثة في كتابها “Lean In” وهي أن العالم يحتاج نساءً أكثر قويات وفاعلات، يفهمن كيف تدار الأمور ليتغير وضع النساء نحو الأفضل، يعملن معاً على تغيير الصورة النمطية وعلى جعل المؤسسات والأعمال مكاناً أفضل للعمل، إن هذه الرسالة مهمة جداً، وهنا حقيقة يبدأ التغيير ولكنها ليست كافية، فلابد من فهم الحقوق والعمل نحو الانصاف، وبذلك يجد كثير من الرجال أنفسهم مؤيدين بل ومشجعين ويسمح هذا بتمييز النساء القادة وكذلك الرجال المفعمين بالأنانية وعدم الاحترام للناس.

وفي المقابل يبادرني الأصدقاء أن كثيراً من النساء تستمتع بتربية أولادهن أكثر من أي شيئ ولايردن دوراً في الإطار العام أو الأعمال ويكون لهن أزواج يريدون أن يقوموا بإعالة الأسرة منفردين وهذه الحالة ربح وسعادة لكل الأطراف بما فيها المجتمع، إذ أن الأم التي تكرس وقتها لأطفالها تشعر بالسعادة ويشعر أطفالها بالاشباع في المنزل بعيداً عن صخب الحياة والسرعة والالتزامات الخارجية، ويحظون بفرصة كبيرة ليكونوا أفراداً سعداء ومنتجين، ومع ذلك لايمكن الإنكار أن المجتمع يستفيد أيضاً من طاقات النساء فيه عندما يكون لهن أدوار خارج المنزل، ويغنى من اسهاماتهن المنفردة الناتجة عن انسجام قيمهن وقدراتهن ورؤيتهن وإبداعاتهن في تطويره.

إن تطوير الحياة يحتاج أقوياء يحملون القيم و ينادون بالحقوق ليتم تحقيقها، ومن الخاطئ باعتقادي أن الحقوق لا يمكن إلا أن تنتزع، فاستخدام السلطة وحدها وشق الطريق إليها ربما يترك على طول الطريق خسائر أكثر مما ينبغي ، وربما ينتج في نهاية المطاف ما نودي لاتقائه وتغييره، ويعتقد كثير من الناس أن النساء والفتيات هن ذوي المنفعة في المناداة بحقوق النساء ومساواتهن من حيث الكفاءة والقدرة على القيام بالأعمال و اتخاذ القرارات و أن وجودهن في هذه المناصب هو أكبر دليل على صحة هذه المساواة،  في المقابل جرت المناداة بالمساواة وحرية الاختيار دون ضمان الحد الأدنى من الحقوق الذي يضمن صحة الاختيار الكثير من الظلم على النساء في الغرب وروسيا ولحق بهن الكثير من الاستغلال، وجر ذلك ضرراً بالمجتمع والعائلات، وشعوراً متزايداً أن على كل إنسان أن يقف على قدميه دون أي مساعدة، مما زاد الانقسام والأنانية في المجتمع، من ناحية أخرى استفادت الأعمال و المجال العام من النساء الاتي استطعن لعب اللعبة ووضع اسهاماتهن في مكانها وحمل قيمهن حتى النهاية.

وأخيراً، تولد الحلول من التكاتف والتفاهم واحترام الإنسان وخياراته، فلكل إنسان الحق في اختيار ما يريد القيام به من عمل أو تربية الاطفال و أن يوفر له القدرة المادية للاختيار فلا يجبر على شيئ ليستطيع العيش، وأن يمتلك المهارة لـيشق الانسان طريقه في الحياة، فيجرب ويتعلم ويسأل ويتشارك مع من حوله “ليصمم الحياة” التي يريدها، فيقرر في كل مرحلة من الحياة ما يريد أن يقدمه في الاطار العام و العمل أو للعائلة، وما نسبة كل منها في حياته، فمثلاً عندما يكون الاطفال صغاراً يمكن أن يساعد الأم في العناية بأطفالها كل من الزوج او أحد أفراد العائلة أو الروضة فترة ذهاب الأم إذا كانت تريد ذلك، أو كان هناك حاجة تم التوافق عليها، وهناك أمثلة كثيرة يمكننا من خلالها أن يتمكن الجميع من الاختيار والعيش بسعادة.

إن حياة كل منا هي نتاج متفرد جداً لا ينتهي إلا بموته وربما يبقى أثرها بعد الموت، وكما يقول بيل بيرنت و ديف إيفان في كتابهما “Designing Your Life “ أن “الحياة تجربة قيد التطور وليست نتيجة”، ولا يمكن الحكم على نجاحها من قبل المجتمع – الا من ناحية الاسهام الإيجابي أو محاولة ذلك في نمو هذا المجتمع وحضارته – وإنما أيضا من حيث الرضا والسعادة و الحب الذي عاشه هذا الانسان في حياته ممتعاً بحقوقه وأيضا ربما مناضلا ًمن أجل أن يحصل الناس على حقوقهم رجالاً ونساءً.

لابد من الإشارة إلى أن للفتيات حقوقاً وأموراً يحسن الالتفات لها في “اليوم العاملي للفتيات” تخص كثيراً من المجتمعات، ومنها إرغام الفتيات على الزواج المبكر قبل أن يملكن القدرة المادية والفكرية على الاختيار، الاتجار بهن، إساءة معاملتهن أو عدم انصافهن ضمن العائلة أو في المؤسسات مع نظرائهن الذكور، عدم العناية بهن كما ينبغي وحرمانهن من سماع رأيهن وتقديم أفضل الظروف للنمو المتوازن الصحي و السعيد.

ورشة عمل:صمم مشوارك المهني

14068393_1237089826311056_9185835866361287519_o

قمت برفقة المدربين المحترفين م. باسم طنطاوي و د. محمد راتب الشعار بالتدريب في “ورشة عمل: صمم مشوارك المهني” ضمن “برنامج التطوير المهني” والذي أعمل فيه كمدرب ومستشار في “جمعية الفتح الإسلامي“، وذلك في “مجمع الفتح الإسلامي” في دمشق.

كانت النسخة الأولى من ورشة صمم مشوارك المهني برعاية كاملة من مجموعة التنمية، وحضر الورشة 30 متدرباً ومتدربة.

تضمنت ورشة العمل ثلاثة محاور أساسية:

  • المحور الأول: الوعي الذاتي وتم التعرف فيها على الفرق بين السلوك والشخصية وأنماط السلوك في اختبار DISC العالمي، حيث قدمها م. باسم طنطاوي، كما قدم د. محمد راتب الشعار العلاقة بين الوعي الذاتي وسوق العمل في رسم الخطة المهنية الناجحة، حيث تبدأ من اكتشاف الهوايات والمهارات ومن ثم الموهبة.
  • المحور الثاني: بنية سوق العمل والتي قدمتها وتحدثت فيها عن الريادة والوظيفة وأنواع المنظمات في سوق العمل اليوم، ومن ثم الهيكلية الإدارية وكيف تنجز الأعمال والأدوار في المنظمات اعتماداً على مفهوم سلسلة القيمة لبورتر، وترافق هذا الجزء مع تمرين يبدأ من المنظمة وينتهي بالوظائف فيها على سلسلة القيمة، كما تم استكشاف قطاعات الأعمال والمنظمات فيها والأدوار التي يمكن أن يقوم بها المتدرب والأدوار التي لايمكن أن يقوم به بناء على قدراته ورغباته، ثم قدمت العلاقة بين الاختصاصات الجامعية وقطاعات الأعمال في تمرين تفاعلي.
  • المحور الثالث: الرؤية والخطة المهنية: تمحورت المناقشات في هذا المحور حول صنع الحلم والرؤية المهنية ومن ثم الخطة المهنية وكيف يمكن أن نبقى ملتزمين ومتحمسين وتم تعريف المتدربين على خدمات برنامج التطوير المهني.

يذكر أن هذه الورشة سيتبعها جلسة إضافية لأداء اختبار DISC لكل من المشاركين واستشارة في مجال كتابة الخطة المهنية، وهنا نموذج الخطة المهنية المقترحة.

قدمت في هذه الورشة طريقة جديدة لتعريف المتدربين الشباب على الوظائف في سوق العمل وذلك بعرض أنواع المنظمات في السوق والأدوار فيها باستخدام سلسلة القيمة ومن ثم تحديد الوظائف بعد التعرف على الهيكلية الإدارية وعلاقات المسؤولية والتبعية، ومن ثم عرض القطاعات في سوق العمل والمنظمات في كل قطاع من حكومية وخاصة ربحية وغير ربحية ومن ثم تحديد والأدوار التي يمكن أن يقوم بها المتدرب والأدوار التي لايمكن أن يقوم به بناء على قدراته ورغباته، وهذه نافذة للريادة والتوظف.

تعتمد هذه الورشة التعريف بالأعمال والوظائف من خلال قطاعات العمل بدلاً من التعرف على الاختصاصات الجامعية في سبيل تخطيط المستقبل المهني للشباب، وهو أسلوب يفيد بالاستعداد لوظائف مناسبة وفي التخطيط لمشاريع يمكن أن يجد فيها الشباب فرصة للاسهام والربح.

وهذا العرض التقديمي:

نحو زيادة فعالية المنظومة البيئية للابتكارالاجتماعي

7875645136_9b24e585f5_b.jpg

مقدمة

ظن الناس لفترة ليست قصيرة أن عمل الناس لمصلحتهم الفردية سيؤدي بشكل تلقائي إلى ازدهار حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، ولكن ومع تقدم الدراسات ا لاجتماعية وازدياد شعبيتها بين الناس، وبعد الازمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتتالية التي شهدها ويشهدها العالم، جنباً إلى جنب مع تطور الاتصالات وتوافر المعلومات وازدياد الوعي، بدأت تتعالى الأصوات أن على الجميع وعلى رأسهم رؤوس الأموال أن يكونوا أكثر مسؤوليةً ووعياً وأن يعملوا بجدية على خدمة المجتمع وإلا فإن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تنتج عن أعمالهم ستتفاقم إن لم يتم الاهتمام بها ومعالجتها.

إن هذا التطور ساعد في انتشار وكثافة دعوات المسؤولية الاجتماعية وعلى رأسها الريادة الاجتماعية والتي تسعى إلى معالجة مشاكل المجتمع بشكل منهجي ابتكاري وعلى مستوى النظام الاجتماعي، حيث أصبح السؤال “كيف نزيد فعالية المنظومة البيئية للابتكار الاجتماعي؟” مهماً وعلى مستويات متعددة من حيث الدراسة والممارسة في قطاعات متنوعة تتضمن الابتكار الاجتماعي في المجال الأهلي والمدني أو في الشركات والأعمال وفي المؤسسات الحكومية وفي كل المساحات الهامة فيما بين هذه القطاعات التي أخذت الحدود بينها تقل حدة.

الفرد والمجتمع

كنت أعتقد فيما مضى أنه إن استطعنا أن نفهم العالم كمجموعة من المنظمات الحكومية وغير الحكومية الربحية وغير الربحية التي تقوم بعملها بشكل جيد وتقدم منتجات وخدمات تدعم حياة الناس فإن المجتمع سيتطور، فقد  أيقنت أن الفرد لوحده لايمكن أن يقوم بالأعمال الفعالة ولكن المنظمات والمؤسسات هي التي تستطيع القيام بالعمل الأكثر أهمية لأن لها كياناً قانونياً ولها آليات ولها هوية وامتداد زمني يفوق الامتداد الفردي، فالمنظمات هي مجموعة من الأفراد يربطهم العمل باتجاه هدف مشترك، قد يتغير بعض الأشخاص فيها ولكنها تستمر إذا ما تم تجديدها.

إن تقديم مايحتاج المجتمع من منتجات وخدمات في كل مجالات الحياة من غذاء وصحة وسكن وتعليم وغيرها أمر في منتهى الأهمية ولكن الاثر الاجتماعي الأكثر استدامة يكمن في أن تساهم  هذه المنتجات والخدمات في تحقيق حل بنوي للمشاكل يعيد إنتاج الحلول التي ترتفي بالمجتمع وليس المشاكل نفسها أو غيرها أو أن يكون دورها المساهمة في في تخفيف أعراض المشاكل الاجتماعية مثل تخفيف آثار الجوع بتأمين الغذاء، ولكن الحل البنوي يكمن في معالجة أسباب عدم توافر الغذاء وسوء التغذية والتي قد تكون مناخية أو تتعلق بتأمين الوقود أو بالعادات الغذائية للسكان أو تأمين البذار الجيد و البحث عن مصارده أو في تصريف المنتجات وحفظها أو في أسعارها، وعند معالجة جذور المشاكل وتنفيذ مشاريع ابتكارية لتقديم هذه الحلول التي تتجاوز المشاكل التي يعاني منها مجتمع معين، وعندها يكون الحل ابتكارياً وعلى مستوى النظام الاجتماعي، وغالباً ما تستغرق هذه الحلول تعاون عدة منظمات من اختصاصات وقطاعات متعددة وتتطلب جهوداً استثنائية وابتكارية كلما كانت التحديات في المنظومة البيئة أكبر.

لكن الأمر لايتعلق فقط بعمل المنظمات التي تكّون الفضاء الاجتماعي، وقدرتها على توفير المنتجات والخدمات إلى جانب سيعيها لتغيير المنظومة البيئية للنظام الاجتماعي التي تعمل فيها من أجل أن تحدث تغييرا اجتماعياً مستداماً، إن الأمر يتعلق بإيمان كل فرد بأن له دوراً وأن عليه مسؤولية تجاه المجتمعات التي يعيش فيها، خاصة وأن التاريخ الإنساني يشهد أن عمل الناس لمصلحتهم الشخصية كثيراً ما يكون أكثر فعالية من عملهم للمجموع، وكل يوم نحاول نحن البشر أن نجعل مصلحتنا الشخصية متماشية مع مصلحتنا كمجتمع ويظل صعباً علينا أن نعطي للمجتمع دون أن نتيقن أن الكل يضحي مثلنا، الأمر الذي يوهمنا بعدم جدوى تضحياتنا الصغيرة، ولكنها في الحقيقة المكان الأول الذي يبدأ منه التغيير.

أجندة أولية

انطلاقاً من الحديث عن دور كل من الفرد والمنظمات والمنظومة البيئية التي يعيشون فيها في الابتكار والتغيير الاجتماعي، يمكن أن نقوم بدراسة ومناقشة طرق زيادة فعالية المنظومة البيئية لنظام الابتكار الاجتماعي الذي يتضمن الأفراد والمنظمات في القطاعات المختلفة ويتكون أيضاً من العلاقات بينها وتطوراتها، إن زيادة فعالية هذه المنظومة تعتمد على عاملين رئيسيين: الأول هو تكثيف وتعزيز العلاقات والاتصالات بين الأفراد والكينونات المشكلة للمنظومة أو مايمكن أن ندعوهم اللاعبين، وهي الجامعات ومراكز الأبحاث والرواد الاجتماعيون  والمسرعات الريادية والمستشارون  والمؤسسات الحكومية الناظمة، ويأتي في المقدمة أفراد المجتمع بكل فئاتهم وأعمالهم، إن العلاقات والاتصالات تجري بين الأفراد في هذه المساحات الاجتماعية ثم تتحول إلى علاقات بناءة بين المؤسسات تنتج مشاريع وبرامج ومراكز ومنظمات متخصصة، أما العامل الثاني فهو فهم تأثير البنى البيئية في تشكيل النتائج وتحركات اللاعبين، إن هذه البنى تشمل القوانيين والتنظيمات، إلى جانب الثقافة والأعراف الاجتماعية، وكذلك الأسواق وميكانزمات توافر القيمة الاقتصادية والاجتماعية واساليب التحفيز، وكذلك التموضع الجغرافي والبنى التحتية من اتصالات ومواصلات وغيرها، ومن ثم تشجيع البحث في كيفية تغييرها من أجل تحقيق التغيير الاجتماعي المطلوب.

إن تغيير السلوك الاجتماعي وبالتالي إحداث تغيير على مستوى النظام الاجتماعي ليس بالأمر السهل فهو إيما أن يكون ابتكاراً يتم تبنيه على نطاق واسع ويؤدي إلى تغيير السلوك أو هو نتيجة تغيير الظروف في البنية التحتية وبذلك يظهر سلوك جديد يكون ضرورياً من أجل النجاح في البيئة الجديدة، فالبداية تكمن في بناء علاقات فعالة بين اللاعبين علاقات تعاونية تتسم بالثقة والأمان للوصول إلى أفضل الطرق للعمل معاً.

ومن هنا فإن ساحات العمل الجماعي التي تلتقي فيها الأطراف يجب أن تمول ويتم دعمها و الاهتمام بها، ويكون علينا الإجابة عن الاسئلة المتعلقة بكيفية بناء الثقة بين اللاعبين وجعلهم يتعاونون للعمل معاً ويبتكرون معاً بحيث يبنون علاقات فعالة تعود بالفائدة على الجميع وتغير البنى الاجتماعية، وبحيث يحصلون على التمويل لتمويل مشاريهم المشتركة وتأمين استدامتها، التي تبدأ بمشاريع الريادة الاجتماعية والمشاريع البحثية ولاتنتهي ببناء الجسور بين اللاعبين في الداخل والخارج وتأمين الشراكات والتواصل مع المنظومات الخارجية من أجل تأمين الدعم الاجتماعي والاقتصادي وتشارك الخبرات والابتكارات.

خاتمة

إن العمل على المستوى الفردي والمستوى المنظماتي وعلى مستوى المنظومة البيئة على التوازي سيمكننا من زيادة فعالية جهود الابتكار الاجتماعي التي تؤدي إلى التغيير الاجتماعي الذي نريده لنكون مجتمعاً أقوى وذو مكانة حضارية، يبدأ ذلك ببناء العلاقات بيننا كأفراد نأتي من قطاعات وخلفيات متباينة لنشكل حلولاً ترقى لمستوى رأس المال الاجتماعي الذي نستحقه.

هذه المقالة هي واحدة من عدة مقالات سوف أنشرها عن مواضيع تتعلق المنظومة البيئية كمفهوم وإطار للتفكير بالأنظمة الاجتماعية، وحيث أن هذا الموضوع كبير ومتعدد الاختصاصات فإن الإحاطة حتى ببعض جوانبه ستكون صعبة ولكنه شغف بالنسبة لي وموضوع يثير اهتمامي وتفكيري، أرجو أن تشاركوني هذه الحماسة والشفف.

مراجع هامة:

An Ecosystem for Social Innovation in Sweden, Lund University, 2014 , pdf

Cultivate your Ecosystem, Stanford Social Innovation Review, 2008 pdf

 

 

 

التوجيه: حجر الأساس لتطوير ريادة الأعمال في المجتمع

hero_journey_mowgli

رحلة البطل

في اليوم الأخير من شهر أيار 2016، تذكرتُ الأيام التي قضيتها في بلودان إحدى ضواحي دمشق الجميلة في تشرين الأول من عام 2010 برفقة رواد وموجهي ومدربي مؤسسة موغلي Mowgli Foundation، مؤسسة عالمية تأسست في المملكة المتحدة عام 2008 لدعم رواد الأعمال في غرب آسيا وشمال افريقيا عن طريق التوجيه والإرشاد، وكانت مشاركتي في البرنامج دفعة قوية بالنسبة لي باتجاه التوجه الواثق نحو النجاح.

عرفتني موغلي على رحلة البطل التي تظهر في الصورة أعلاه – وفي الحقيقة كلنا يمكن أن نكون أبطالاً بطريقة ما – عن جوزيف كامبل “البطل بألف وجه” ، والتي تبدأ من النداء للتغيير (المرحلة 2) الذي يشّد الريادي لأخذ طريق غير عاديٍ في الحياة، فإذا قابل موجهاً (المرحلة 4) سهل عليه المحطات الأكثر تحدياً في شق طريقه في الحياة ومقابلة الأعداء والشركاء ومواجهة الظلمة والاحباط والانكسار، عندها يكون دور الموجه في جعل هذه الرحلة درساً مليئاً بالعبر والإنجاز، فإذا قادها الريادي لوحده فهناك احتمال كبير أن يحبط أو يقف قبل العودة إلى العالم الاعتيادي بنظرة أخرى ومنطلق جديد وإسهام مميز، واليوم أتذكر هذه القصة واستشعر أكثر معنى أن تُلبي النداء وتعيش الرحلة وتدعم غيرك ليلبي نداءه ويمارس شغفه.

تعرفت في هذا البرنامج على اشخاص مميزين منهم موجهتي م. نيرمين حسن، أتذكرهم اليوم  وأنا أحضر الويبنار Webinar الذي دعت إليه مؤسسة موغلي لتطلق التقرير الذي أعدته بعد خدمتها لهذه المنطقة لأكثر من 8 سنوات في 13 دولة بعنوان ” تنمية الموارد البشرية: الحلقة المفقودة في قطاع ريادة الاعمال في الشرق اوسط وشمال افريقيا”، يتحدث فيه المؤسس والرئيس توني بوري Tony Bury ، وهو رائد أعمال رفيع المستوى قام بتأسيس 19 عملاً ومنظمة، 14 منها كانت في المنطقة العربية، أن تنمية الموارد البشرية الريادية هو أهم عامل في بناء النظام البيئ لريادة الأعمال ما يدعى الـيوم بالانكليزية بـ Ecosystem، وأن للتوجيه المتكامل مهنياً وحياتياً عوائد هائلة على رائد العمل وشركته والاقتصاد ككل تصل إلى 890% كعائد على الاستثمار في التوجيه ما دعته موغلي مؤشر ROMI في التقرير الذي أعدته في 2013.

تقوم مؤسسة موغلي ببرامج لربط رجال أعمال ومدراءٍ كبار أتوا من كل أنحاء العالم مع رواد أعمال محليين بهدف إقامة علاقات توجيه مميزة ذات إنتاجية عالية تساعد المشاركين جميعاً على بناء مجتمع ريادة عالمي وتعزيز الأعمال المحلية وتقويتها، مستفيدين من الخبرات العالمية والمحلية للموجهين الذين يتلقون تدريبا مكثفاً ليقوموا بدورهم في تمكين الرواد ودعمهم في مسيرتهم الريادية التي لا تخلوا من صعوبات وإنجازات، لتحفيزهم على أخذ الدروس وتجاوز الفشل والصعوبات، وتضع إنجازاتهم في سياقها لمزيد من الإنجاز والنجاح،  حيث قامت بأعمال تشهد لها هذه المنطقة حيث قامت موغلي بالتعاون مع أكثر من 900 موجه لتوجيه أكثر من 780 ريادي قاموا بخلق أكثر من 3470 فرصة عمل خلال تلك السنوات.

تضع موغلي التوجيه في مكانه بين طرق تنمية الموارد البشرية ضمن مراحل التنشئة والرعاية التي يحتاجها الرياديون ليكونوا ناجحين، والتي تلخصها في أربع مراحل تبدأ من مرحلة التربية الأولى في الأسرة، ومرحلة التعليم الابتدائي ثم التعليم الثانوني والجامعي وأخيراً في مرحلة مكان العمل، وتجد موغلي من خلال عملها في الشرق الأوسط أن المراحل آنفة الذكر تفتقر للثقافة الريادية، وحيث أن الكفاءة تتألف من معارف ومهارات وسلوكيات، يتم اكتساب المعارف والمهارات من خلال القراءة والتدريب والاستماع للنصيحة والقيام بالاختبارات والتقييم، ويتم تطوير السلوكيات عادة من خلال التدريب والتوجيه، وهذه الأخيرة أي تطوير السلوكيات هي التي تفتقر إليها المنطقة العربية بشدة والتي تساهم كثيراً في خفض كفاءة الرياديين في المنطقة بشكل عام، وإليه تعزو مؤسسة موغلي العوائد المرتفعة التي حققتها لأنها عالجت بالتحديد هذا الأمر بالتركيز على التوجيه كأداة لتحسين مستوى الكفاءة عند الريادين، حيث ساهمت في صقل ذواتهم من أجل إيجاد الهدف، وتطوير كفاءآتهم القيادية وقدرتهم على إدارة المخاطر وتجاوز المعوقات، حيث تعرفه كما يلي:

التوجيــه ُ – هـو علاقـة “واحـد لواحـد” موثوقـة للغايـة، طويلـة الا­مـد، يتمكـن الموجـه مـن خلالهـا من دعـم وخدمــة متلقــي التوجيــه بشــمولية علــى الصعيديــن المهنــي والشــخصي. التوجيــه ليــس لــه علاقــة ُ بتقديـم النصـح. التوجيـه هـو تبـاد ُل الخبـرات ووجهـات النظـر، إنعـكاس وتشـجيع حتـى يحقـق متلقـي ُ التوجيـه فـي نهايـة المطـاف تنميـة ذاتـه الداخليـة ، ثقتـه، شـعوره بالغايـة والتمكـن، وكذلـك القابليـة ُ والقدرة على المضي في رحلته قدماً حتى في أوقات الخطر

كما تهتم مؤسسة موغلي بالنظام البيئي المحيط برواد الأعمال في البلاد التي يعملون فيها، وتضع خارطة للأمور التي تصنع بيئة اقتصادية حاضنة ومحفزة لريادة الأعمال، فلا يكفي الاهتمام بالبنية التحتيتة وبيئة تطور الرياديين والتمويل إن لم يتم الاهتمام بتطوير الموارد البشرية التي تعمل بأساليب الريادة وهي طرق أثبتت فعاليتها عالمياً بحل كثير من تحديات الاقتصاد والمجتمع.

ecosystem_mowgli

النظام البيئي لريادة الأعمال

تدعو موغلي في هذا الويبنار إلى تطوير الموارد البشرية للرياديين ودعمها في هذه المهمة من خلال تطوير وتحضير الموجهين، وتقديم الأسس الضرورية لنجاح علاقة التوجيه، والربط الجيد بين متلقي التوجيه والموجه، وتسهيل عملية المتابعة والإشراف على عملية التوجيه، وهذه أمور مكلفة وفي غاية الأهمية لتطوير المجتمعات والاقتصاد في منطقتنا، ولموغلي خبرة عميقة في هذا المجال.

إن مجتمعاتنا تستحق أن يكون فيها موجهون من رواد الأعمال الناجحين وروادُ أعمال مستفيدين من هذا التوجيه يوظفونه في تطوير ذواتهم وتنمية شركاتهم ومجتمعاتهم.

تطوير الرياديين عن طريق التوجيه هو من أهم المهام في تطوير النظام الريادي إن لم يكن أهمها، فبالإضافة إلى أنه طريقة فعالة لتطوير القادة الذين يحدثون التغيير فهو الطريقة التي يمكن من خلال زيادة قصص النجاح، كما تتكاثر الكائنات الأكثر ملائمةً للوسط والتي تتشابه في سلوكها، كذلك تتكاثر المنظمات الناجحة عندما تتشارك أساليب النجاح، وتقوم هي بدورها بمعالجة كثير من مشاكل النظام الريادي، فبوجود الناجحين معاً على اتصال وتفاهم على القيم والممارسات وعندما يوجه أحدهم الآخر، يمكن أن يحدثوا آثاراً إيجابية على المجتمع والاقتصاد، إن وجود موجهين بخبرة عالمية له آثار إيجابية جداً في توسيع الآفاق وتصويب الممارسات، ووجود موجهين بخبرات محلية مميزة من قادة الأعمال والمؤسسات الحكومية والأساتذة له أثر في معرفة السلوكيات الأكثر فعالية للمستفيدين من التوجيه، تدعو موغلي المجتمعات العربية إلى الاهتمام بهذا الأمر، وقد حصلت بالفعل على دعم من المؤسسات التي أدركت دورها ورعت بعض أعمالها في المنطقة.

وهذا ملف الويبنار، ويمكن حضوره كاملاُ مع المناقشة على الرابط (بالانكليزية)، من المهم شكر فريق مؤسسة موغلي على هذه الجهود والمساهمة معهم في رحلتهم الملهمة لجعل التوجيه والإرشاد عادة في مجتمعاتنا  العربية، تبدأ من جامعاتنا ومؤسساتنا الحكومية وغير الحكومية وشركاتنا وجمعياتنا لنساهم جميعاً في دعم الرواد وتعزيز الثقافة الريادية.

وأختم بما قاله م. إياد الشامي : كان الدمشقيون يقولون “مين مالو كبير يشتريلو كبير” واليوم نقول ” مين مالو mentor يشتريلو mentor”، فلماذا لا نبدأ بأنفسنا ونقدم الدعم والخبرة والتوجيه لمن يحتاجها، ويمكن أن نقوم بالتوجيه المتبادل Mutual Mentorship بحيث يوجه كل منا الآخر ليقويه ويقدم له الدعم ويعينه فكل الأبطال بحاجة لمن يشد أزرهم ويشاركهم أمرهم حتى الأنبياء صلوات الله عليهم.

دور وسائل التواصل الاجتماعي في التنمية

تشرفت اليوم بدعوة جمعية حي مسجد الأقصاب الخيرية في دمشق لأقدم محاضرة عن دور وسائل التواصل الاجتماعي في التنمية، تضمنت عرضاً لوسائل التواصل الاجتماعي وكيف أننا كأفراد وأسر ومؤسسات ومجتمع نستطيع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لزيادة فعاليتنا وتماسك أسرتنا ونمو مجتمعتنا، وأننا أمام خيار إما أن نتحكم باستخدامنا لوسائل التواصل فستفيد وننمو أو نكون فريسة للفشل والتفكك والتردي.

يمكن مشاهدة ملف العرض التقديمي وتحميله على الرابط.

 

إدارة الموارد البشرية الإسلامية

مثلما اتجه الناس إلى المصارف الإسلامية لأنهم أرادوا الابتعاد عن الربا ومايتبعه وتحقيق رسالتهم الإسلامية في إعمار الأرض والإنسان ولضرورة المؤسسات المالية لمعاشهم وتطورهم، كذلك يتجه الناس إلى إدارة الموارد البشرية الإسلامية لأنهم يريدون تجنب الحرام وتحقيق رسالتهم الإسلامية وكذلك لضرورتها في بناء مؤسسات ناجحة.

تتميز إدارة الموارد البشرية الإسلامية أنها يجب أن تكون “شرعية” لاتخالف الدين الإسلامي وتحقق مقاصده، و”فعالة” تضمن استمرار عمل ناجح وتحقق رسالته.

إسهام عالمي أم تنمية مجتمع محلي!

stock-vector-small-world-vector-illustration-68490127يشترك الناس الناجحون وذوي الإسهامات المميزة في المجتمع وعلى مستوى العالم بشغفهم وحبهم واستمتاعهم بأعمالهم، يقودهم سعي لعالم أفضل وبناء يتعدى مصالحهم، إنهم يركزون على نقاط القوة ويستغلون الفرص التي تأتي في طريقهم ليخرجوا بأفضل النتائج، إنهم يتعاونون ويعملون مع أكفأ الناس في مجالاتهم، ويشاركون في بناء أقوى المؤسسات في محيطهم، يداومون التفكير والنقاش والعمل والإنتاج العلمي والمؤسساتي، فهم يعملون ويتعلمون ممن هم أكثر خبرة منهم وفي مؤسسات تتمتع بالإمكانيات لتأمين معيشتهم وتؤمن لهم كل ما يلزمهم للتطور والإبداع، إنهم يطورون مسارات مهنية متميزة وينمون مجتمعاتهم المحلية ويقدمون اسهامات حضارية وإنسانية.

إن تطوير مسار مهني وتقديم إسهام فردي ومؤسساتي مميز على مستوى العالم من جهة و تنمية المجتمع المحلي وبناء الأجيال من جهة أخرى لاتأتي متعارضة لبعض الناس في بعض المجتمعات، بينما على الناس في مجتمعات أخرى أن يختاروا بين الأمرين، أو أن يبدعوا طرقهم الخاصة.

فمثلاً إن مهارات تخطيط وإدارة المسار المهني والتي يتطلبها كل فرد لم تعد حكراً على قلة من الناس أولئك الذين يحظون بفرصة للتوجيه والتدريب عالي الجودة ، فقد أصبحت الدورات التي توجه الشباب وتصقل المهارات الإدارية والشخصية والتقنية مقدمة مجاناً لأعداد كبيرة من الناس، تلك التي تعرف بـ MOOC، فمع بدء كل يوم تفتتح مئات الدورات وتنشر آلاف المقالات، إذ ثبت أن هذه المعلومات تغير حياة الكثير من الناس عن طريق تفاعل فعال بين المعلومات وعناصر في المجتمع المحلي قد تؤدي بهم للتغلب على الفقر والبطالة، إلا أن الإسهام العالمي في مجال معين يدعمه أن يحتوي المجتمع المحلي عناصر بعينها.

إننا في عصر مليىء بالأشياء المثيرة، إلا أنه أيضاً مليىء بالسراب والالتباس، إننا في عصر يضيىء فيه الإشعاع الحضاري للجميع، إلا أنه لا يدفئ إلا قلة من الناس، أصبح بإمكان الشباب في مجتمعاتنا معرفة كيفية تطوير مسار مهني مميز على مستوى العالم ولكنهم لايملكون – في غالبيتهم – كل الأدوات الكفيلة بذلك، إن الكثير منهم عليه أن يختار بين تنمية مجتمعه المحلي ومساعدة أبناء بلده والإسهام في نمو حضارته وبين تقديم إسهام إنساني مميز على مستوى العالم.

قديماً وفي في زمن ليس ببعيد ، كان انتقال الإشعاع الحضاري الإنساني والذي يمّكن الناس من التعاون في تحقيق المنجزات الحضارية واستلهام الأفكار واستثمار الكفاءآت يعتمد على تخطي عدد من العتبات تضمن التقارب أو الالتقاء الجغرافي وإمكانية تبادل المعلومات وفهم اللغة والقدرة على التواصل الثقافي والقيمي في ظل قانون أو نظام يضمن حركة الأشخاص والبضائع والأموال وإمكانية العمل بشكل رسمي بنّاء، إن توافر هذه الشروط ليست بالأمر الميسر، لذا فإن التعاون الحضاري كان يتم في شروط وأماكن محدودة في العالم، وكان حدوثه يعني ثورات وبزوغ حضارات ودول.

لقد أمنت ثورة المعلومات والاتصالات تكسير عدد من الحواجز لعدد كبير من الناس، إذ أمكن تبادل المعلومات والاتصال وحتى تبادل الصوت والصورة وفهم اللغات، وبدأ الناس بالتقارب الثقافي والقيمي – وإن كان يتم محدوداً وغامضاً أحياناً –  إلا أن صعوبات حركة الأشخاص ما تزال قائمة منها ما يتعلق بتكاليف الانتقال العالية – التي لاتتناسب مع الدخل في بعض المجتمعات – وأخرى تتعلق بإجراءآت الفيزا والقوانيين التي لاتضمن العمل أو التعاون في إطار قانوني للناس من جنسيات مختلفة، بالإضافة إلى قوانيين حركة الأموال والتي تتأثر بتغيرات السياسية، فما زال من الصعب على الناس تطوير نفس المستوى من الكفاءة وجودة المؤسسات، وذلك لتفاوت حظوظهم في الحصول على الفرص في إطارهم الجغرافي الذي يمكنهم من العمل والانجاز، إن السراب يكمن في أن الشباب يعتقدون أنه يمكنهم الانجاز في البحث وتقديم الأعمال المميزة دون المحيط المساعد والمؤسسات الداعمة والخبراء المتقدمين، أو أن اسهاماتهم عن بعد تعني تنمية للمجتمع المحلي دون أعمال على الأرض، إن ذلك يشبه رؤية الشمس وعدم القدرة على الاستفادة من دفئها وإشعاعها.

لايمكن للإشعاع الحضاري أن يحصل عن طريق تبادل المعلومات والأفكار وحتى الصوت والصورة وفهم اللغات المتبادل فقط، إنه يتطلب الإلتقاء بالناس وتمضية الوقت معهم وبناء علاقات الثقة والتعاون الحقيقي في إطار قانوني سياسي مالي يمكن الناس من الانتقال والعيش والعمل معاً، إنه يعني أيضاً أن المجتمع المحلي لايمكن أن يتطور بشباب يعيشون خارجه، فهل يمكن للتعاون بين المقيمين والمتطوعين والخبراء وذوي التجارب والمؤهلات والأموال في العالم أن يؤمن ما يترك للأجيال القادمة، فلا تخسر البلد شبابها ولايخسر الشباب تطورهم المهني وفرصتهم للتميز على مستوى العالم، فربما يحقق التعاون على هذا المستوى تأمين الحاجات المعاشية وفي نفس الوقت تأمين متطلبات البحث والتفكير والعمل والإبداع.

إن هذا الهاجس بين القيام بإسهام عالمي وبين تنمية المجتمع المحلي موجود في كثير من الأماكن في العالم، بين العيش في المدن الكبرى أو في الضواحي النائية، إنه الشغل الشاغل لصانعي السياسة وقادة المجتمعات والأعمال الاجتماعية والباحثين، إن تطوير مساحات الإبداع والعمل للأجيال في كل بقعة من البلاد هو مايحلم به الناس فتراهم يبدعون الأساليب ويمولون البنى التحتية والمؤسسات الحاضنة عرقاً وجهداً وفكراً ووقتاً ومالاً وإبداعات تقنية وإدارية وقانونية وسياسية.

من المفيد فهم هذه التجاذبات بوضوح والتفكير بها، إن ذلك يمكن المرء من تخطيط حياته ويجعله واعياً بالمساومات والتضحيات، بحيث يحقق شيئاً من الأمرين فيكون له اسهامه الحضاري والمحلي وكفاءته العلمية والعملية، كثير من الشباب يعي هذه التجاذبات فترى بعضهم يدرس في جامعات ممتازة على مستوى العالم ثم يعمل في أماكن ترفد ثقافته وحضارته، وبعضهم يعود ليعمل في مجتمعه ويساهم في بناء مؤسسات بلده ويظل على تواصل مع المجتمعات العلمية ويلتحق بالدورات الاحترافية العملية باستمرار، وبعضهم يبتدع الطرق لدعم مجتمعه فتراهم يتعاونون مع شباب آخرين ويستفيدون من وسائل الاتصال لتقديم خبراتهم فيلهمون الشباب للعمل والابتكار، ويقدمون خبرات ومهارات لا غنى عنها، وبعضهم يكتفي بالاسهام في تطوير مجتمع محلي غير ذلك الذي نشأ فيه فيكون له اسهامه في المجتمعات المحلية الأخرى يبني أفكاراً وعقولاً وانجازات.

إن التكامل بين الإسهام العالمي وتطوير المجتمع المحلي يكمن في التعاون بين الداخل والخارج بإسهامات من مواقع مختلفة ينتج على الأرض ماينفع الناس والأجيال والإنسانية، ويكمن أيضاً في تطوير البنى التي تكسر مابقي من حواجز أمام تكامل وتعاون حضاري أوسع.